ليبيا

ليبيا وأسطورة الثروة بلا مواطن: حين يغرق الخزان العام في صحراء مؤسسات الدبيبة

عائدات النفط القياسية تتبخر في خزائن الازدواج: ثروة ليبيا المنهوبة

ليبيا 24:

برميل ونصف المليون نفط يومياً دون مواطن: تشريح الفشل المؤسسي

في تناقض صارخ يلخص مأساة الحالة الليبية، يقف المواطن عاجزاً أمام معادلة أصبحت عصية على الفهم: إنتاج نفطي يقترب من ذروته التاريخية، وعائدات بمليارات الدولارات تتقاطر على خزائن مؤسسة النفط، بينما تتآكل قدرته الشرائية يومياً تحت وطأة تضخم جامح وخدمات عامة منهارة.

فبينما تشير أحدث التقديرات إلى بلوغ الإنتاج الليبي حاجز 1.4 مليون برميل يومياً، تغذيها اضطرابات جيوسياسية في مضيق هرمز دفعت الأسعار العالمية إلى ما فوق حاجز 85 دولاراً للبرميل، يطرح سؤال جوهري نفسه بإلحاح: أين تذهب هذه المليارات؟ ولماذا تتعمق هوة الفقر والاحتياج في بلد يفيض بالثروة السائلة؟

الإجابة لا تكمن في ندرة المورد، بل في هندسة الخراب المؤسسي الذي حوّل الدولة إلى كيان مزدوج يلتهم موارده في

حرب استنزاف مالي لا هوادة فيها.

تشريح الانتفاخ: ميزانيات ظل تلتهم الحلم الليبي

في قلب هذه المعضلة يكمن وحش ذو رأسين: الإنفاق الموازي المتضخم. لم يعد الحديث عن انقسام سياسي فحسب، بل عن انقسام مالي عميق أنتج ميزانيات ظل تديرها مراكز قوى متنافسة.

هذه الميزانيات، التي تفتقر إلى أي غطاء قانوني موحد أو رقابة مركزية حقيقية، باتت تمثل ثقباً أسود هائلاً يبتلع الجزء الأكبر من الإيرادات النفطية المتزايدة. إنها ليست مجرد أرقام في دفاتر محاسبية مغلقة، بل هي التعبير المادي الأكثر وضوحاً عن فشل النخبة السياسية في بناء دولة موحدة.

كل برميل نفط إضافي يُنتج، وكل دولار إضافي يرتفع في الأسواق العالمية، يتحول تلقائياً إلى وقود يزيد من اشتعال هذه الحرب المالية الباردة، ممولاً بيروقراطيات منتفخة وأجهزة أمنية وعسكرية موازية تعزز بدورها حالة الانقسام وتجعل العودة إلى الدولة الموحدة أكثر كلفة وأشد استعصاءً.

 لقد تحولت العائدات النفطية من أداة للتنمية إلى أداة لتكريس الانشقاق، حيث يضمن كل طرف استمرار تدفق الأموال لتمويل هيكله المؤسسي الموازي، مما يخلق دورة ذاتية الاستدامة من الهدر والفساد واللاتنمية.

إن ما وصفه الخبير الاقتصادي وحيد الجبو بأنه “تضخم في الجهاز الإداري للدولة” هو توصيف دبلوماسي لكارثة هيكلية.

فنحن أمام قطاع عام وهمي، يوظف مئات الآلاف، ليس لإنتاج خدمة أو سلعة، بل لشراء السلم الاجتماعي الهش وضمان الولاءات السياسية. هذا القطاع، بمرتباته التي تستنزف النسبة الكبرى من الميزانية العامة، تحول إلى أداة للتحكم السياسي وليس للتنمية الاقتصادية.

وعندما تستهلك المرتبات والأبواب التشغيلية غير المنتجة، كما يؤكد المحلل السياسي إسلام الحاجي، أغلب الإيرادات، فإن الدولة تفقد قدرتها على القيام بوظائفها الأساسية، وتصبح مجرد صندوق رواتب ضخم تسيطر عليه شبكات المصالح.

هذا الوضع يفسر لماذا لا تتحسن المستشفيات رغم ارتفاع فاتورة الصحة، ولماذا تغرق المدن في الظلام رغم المليارات التي ترصد للكهرباء، ولماذا يختنق المواطن في طوابير الوقود في بلد يستحم بالنفط. المال موجود، لكنه يضخ في شرايين جسد مريض لا يوصله إلى الأطراف، بل يتسرب في نزيف داخلي مستمر.

غسيل الأموال بالطرق الرسمية: الاقتصاد الريعي كآلية للفساد

بعيداً عن الإنفاق الموازي الظاهر، هناك آليات أكثر خبثاً ودقة تعمل على تسريب الثروة بشكل منهجي. إن دمج الاقتصاد الليبي في النظام المالي العالمي، في غياب مؤسسات رقابية حقيقية، حوّله إلى ماكينة متطورة لغسيل الأموال عبر الطرق الرسمية.

تشير تقديرات الخبراء إلى أن جزءاً كبيراً من عائدات النفط يتسرب عبر قنوات التحويلات المالية إلى الخارج بحجج واهية تتراوح بين عقود استشارية وهمية، وفواتير مشتريات مبالغ في قيمتها، ومشاريع لا ترى النور.

إن ارتفاع الطلب على النقد الأجنبي، الذي يفوق بكثير الاحتياجات الطبيعية للاقتصاد الليبي المنكمش، هو المؤشر الأقوى على هذه الظاهرة.

هذا الطلب المتوحش على الدولار لا يمثل استيراداً حقيقياً لسلع أو خدمات، بل هو هروب منهجي لرؤوس الأموال، عملية غسيل ضخمة تتم تحت سمع وبصر العالم، يحول فيها المسؤولون الفاسدون وشركاؤهم في الخارج ثروة الشعب الليبي إلى عقارات فاخرة في عواصم أوروبية وحسابات سرية في ملاذات ضريبية آمنة.

وهنا تكمن المفارقة القاتلة: السياسات النقدية والمالية المتبعة لا تكافح هذه الظاهرة، بل إنها مصممة – بقصد أو بدونه – لتسهيلها. فالحفاظ على سعر صرف رسمي وهمي للدينار، مع فتح الاعتمادات المستندية دون رقابة حقيقية على وجهتها النهائية، يخلق سوقاً سوداء موازية هي الأكثر ربحاً في العالم.

هذا الفارق بين السعر الرسمي وسعر السوق السوداء هو الريع بعينه، وهو المصدر الأساسي لثروات الطبقة الطفيلية التي تحكم قبضتها على مفاصل الاقتصاد.

كل اعتماد مستندي يفتح هو فرصة لجني أرباح فاحشة بدون أي إنتاج أو مخاطرة، مجرد لعبة ورق في مكاتب مكيفة الهواء تُفقِر المواطن الذي يقف في طابور الخبز.

هذه الآلية لا تضغط فقط على سعر الصرف، بل تدمر أي إمكانية لبناء اقتصاد إنتاجي، فمن يربح 50% أو أكثر من مجرد تمرير وثائق، لن يستثمر أبداً في مصنع أو مزرعة تتطلب جهداً وإبداعاً ومخاطرة. إن الفساد هنا ليس مجرد ممارسة منحرفة، بل هو النمط الرسمي لعمل الاقتصاد، وهو الأساس المادي الذي يقوم عليه الإجماع الهش بين النخب المتنافسة.

تقارير دفنت في الأدراج: جذور الأزمة في انهيار الحوكمة

إن الصورة القاتمة التي يرسمها الواقع اليومي للمواطن ليست ناتجة عن غياب التشخيص، بل عن استحالة العلاج في ظل بنية السلطة القائمة. فتقارير ديوان المحاسبة وهيئة الرقابة الإدارية، كما يذكر الجبو، ليست مجرد وثائق رقابية، بل هي سجل جنائي موثق للدولة الليبية ما بعد 2011. هذه التقارير، التي ترصد المخالفات بالمليارات، تكشف ليس فقط حجم الفساد، بل عمق التواطؤ المؤسسي عليه.

إنها تقارير تتهم الدولة في جوهرها، ولهذا السبب بالذات يتم تجاهلها بشكل ممنهج. فعندما تصدر جهة رقابية تقريراً يثبت تبديد أموال عامة، ولا يحدث شيء، وعندما يصدر القضاء أحكاماً ضد متورطين في قضايا فساد ولا تُنفذ، كما

يؤكد الحاجي، فإن الرسالة تصبح واضحة للجميع: الإفلات من العقاب هو القاعدة، والمساءلة هي الاستثناء المستحيل.

لقد تحولت مؤسسات الدولة المفترضة إلى رهائن، وإلى أدوات في لعبة الأمم، تفقد وظيفتها السيادية وتكتسب وظيفة جديدة هي حماية النظام القائم على النهب المنظم.

الحديث عن مكافحة الفساد في ليبيا أصبح نوعاً من العبث السياسي، طقساً خطابياً فارغاً. فالفساد لم يعد جرائم فردية يرتكبها مسؤول منحرف، بل تحول إلى نظام متكامل للحكم، إلى عقد اجتماعي مقلوب قائم على تقاسم الإيجار.

أي محاولة جادة لمكافحة الفساد ستعني، في جوهرها، تفكيك بنية السلطة منتهية الولاية، ومصادرة مصالح الطبقة التي تدير شؤون البلاد.

وهذا تحديداً ما يجعل الأمر مستحيلاً في غياب إرادة سياسية خارجية ضاغطة، أو حركة اجتماعية داخلية عارمة.

إن الترتيب الأمني المؤقت الذي أنهى المواجهات العسكرية المفتوحة لم يكن سوى هدنة لتقاسم الغنائم بشكل أكثر سلاسة، حيث تم دمج الميليشيات وقادة الجماعات المسلحة في النسيج المالي للدولة، عبر منحهم عقوداً وميزانيات ومؤسسات، ليصبحوا جزءاً من لعبة نهب الثروة بدلاً من تهديدها.

وهكذا، تم شراء السلام المؤقت على حساب المستقبل، وتم تمويل أدوات التدمير من نفس الخزانة التي يفترض أن تبني.

المحصلة الصفرية: كيف تنتصر الجغرافيا الاقتصادية للفوضى

في التحليل الأخير، ما يواجهه المواطن الليبي ليس أزمة سيولة أو مشكلة مالية عابرة، بل هو النتيجة المنطقية لانتصار “الجغرافيا الاقتصادية للفوضى”. لقد نجحت مراكز القوى المتنافسة في خلق واقع مزدوج، لا يمكن لأي إصلاح تقني أن يعالجه لأنه ليس مشكلة تقنية في الأصل. أي حديث عن إصلاح نقدي، أو توحيد سعر الصرف، أو تحرير الدينار، هو حديث نظري ما دام هناك من يستفيد من استمرار الفوضى والازدواجية.

إن تعدد أسعار الصرف ليس إشكالاً مالياً، بل هو أداة توزيع الريع بين الطبقة الحاكمة. وتعدد المؤسسات ليس إشكالاً إدارياً، بل هو أداة لخلق وظائف وهمية وولاءات قبلية وجهوية.

إنه نظام مصمم بعناية لإنتاج الهدر، لأن الهدر هو الآلية التي يتم من خلالها توزيع الثروة على شبكات الزبائنية التي تشكل القاعدة الاجتماعية للسلطة.

في هذا السياق، فإن ارتفاع إنتاج النفط إلى 1.4 مليون برميل يومياً، أو حتى إلى مليونين، ليس فقط غير ذي جدوى، بل قد يكون ضاراً.

إنه يضخ المزيد من الأوكسجين المالي في رئتي نظام مختل وظيفياً، مما يسمح له بالبقاء لفترة أطول، ويرجئ اللحظة الحاسمة للمواجهة مع الواقع.

 إنه يعمق ما يمكن تسميته بـ”المرض الهولندي المؤسسي”، حيث تؤدي زيادة الثروة الطبيعية إلى تدمير المؤسسات بدلاً من تقويتها، وتغذي الصراع عليها بدلاً من التعاون لاستثمارها وكما يذكرنا الحاجي بمقارنته مع حقبة ما قبل 2011، فإن المعادلة مختلفة تماماً اليوم.

حينها، كان هناك كيان دولتي واحد، بمهما تكن عيوبه، يمتلك القدرة على احتكار الإيراد وتوجيهه ولو جزئياً لصالح المواطن.

 أما اليوم، فهناك كيانات متعددة تتنافس على استخراج أكبر قدر من الإيراد من جسد الدولة قبل أن ينهار تماماً.

إن الطريق إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه لن يبدأ من وزارات النفط أو المالية أو المصارف المركزية المتنافسة، بل من تفكيك بنية الإنفاق العشوائي المستهتر بالقوة السياسية والقانونية والشعبية.

يجب أن يكون واضحاً أن لا حل دون مؤسسة سيادية واحدة تحتكر الموارد المالية واحتكار العنف المشروع. لكن هذه الفكرة ذاتها هي التي يحاربها من يديرون المشهد بكل ما أوتوا من قوة، لأنهم يدركون أنهم سيكونون أول ضحاياها.

ولهذا السبب، فإن الحلقة المفرغة مستمرة، والثروة الليبية، التي كان يفترض أن تكون نعمة تؤسس لأحد أغنى مجتمعات المنطقة، تحولت إلى لعنة لا تنتهي، تلد كل يوم طبقة من الأثرياء الجدد على حساب ملايين المواطنين الذين يرون ثروتهم المنهوبة تمر أمام أعينهم دون أن يلمسوا منها شيئاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى