الحكومة الليبية تواجه مساعي تدويل القضاء.. وتمسك بالسيادة الوطنية في مواجهة قرار الدبيبة
الحكومة الليبية ترفض وتطعن في المشروعية
ليبيا 24:
جدل واسع حول قبول اختصاص المحكمة الجنائية الدولية.. والحكومة الليبية تؤكد: قرار يفتقر للشرعية الدستورية
في تطور يعكس عمق الانقسام السياسي والمؤسسي في البلاد، برز خلاف حاد بين الحكومة الليبية برئاسة الدكتور أسامة حماد وحكومة الوحدة المنتهية الولاية برئاسة عبد الحميد الدبيبة بشأن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية بالنظر في قضايا داخل ليبيا، في ملف تعتبره الحكومة الليبية مساساً مباشراً بالسيادة الوطنية وتجاوزاً خطيراً للصلاحيات الدستورية.
فبينما مضت حكومة الوحدة المنتهية الولاية في إعلان قبول اختصاص المحكمة الجنائية الدولية بأثر رجعي يمتد من عام 2011 وحتى نهاية عام 2027، تحركت الحكومة الليبية ومجلس النواب والقضاء الوطني لرفض الخطوة ووقف آثارها القانونية، معتبرين أنها صدرت من جهة لا تملك الصفة القانونية لاتخاذ مثل هذا القرار السيادي.
موقف الحكومتين من المحكمة الجنائية الدولية

حكومة حماد: الدفاع عن القضاء الوطني والسيادة الليبية
أكدت الحكومة الليبية في مذكرة رسمية موجهة إلى المحكمة الجنائية الدولية أن ليبيا ليست دولة طرفاً في نظام روما الأساسي، وأن أي قبول لاختصاص المحكمة يجب أن يصدر وفق إجراءات دستورية واضحة ومن خلال المؤسسات المخولة قانوناً.
وترى الحكومة أن قرار الدبيبة يمثل محاولة لتجاوز السلطة التشريعية المنتخبة والتفريط في اختصاصات القضاء الليبي، في وقت تؤكد فيه المؤسسات الوطنية قدرة الأجهزة القضائية الليبية على التحقيق والمحاسبة وفق القوانين النافذة.
وتشدد الحكومة الليبية على أن السيادة القضائية ليست ملفاً إدارياً يمكن التصرف فيه بقرار تنفيذي، بل هي من صميم الاختصاصات السيادية للدولة التي لا يجوز التنازل عنها أو تقاسمها إلا وفق الأطر الدستورية والتشريعية المعتمدة.
مجلس النواب يرفض.. والقضاء يتدخل
وجد موقف الحكومة الليبية دعماً واضحاً من مجلس النواب الذي رفض رسمياً إعلان حكومة الوحدة الوطنية، مؤكداً أن الحكومة المؤقتة لا تملك صلاحية اتخاذ قرارات تتعلق بالتزامات دولية أو نقل اختصاصات سيادية إلى جهات خارجية.
ولم يتوقف الأمر عند الموقف السياسي، بل تطور إلى مسار قضائي بعد صدور أمر ولائي من محكمة جنوب بنغازي الابتدائية يقضي بإيقاف تنفيذ إعلان حكومة الوحدة الوطنية بقبول اختصاص المحكمة الجنائية الدولية.
ويمثل هذا القرار، وفق مراقبين، دعماً قانونياً مهماً لموقف الحكومة الليبية، ويؤكد وجود مؤسسات وطنية متمسكة بحماية الاختصاص القضائي الليبي من أي محاولات للتجاوز أو الالتفاف.
انتقادات واسعة لخطوة حكومة الوحدة الوطنية
أثارت خطوة حكومة الوحدة تساؤلات قانونية وسياسية عديدة، خاصة أنها جاءت في ظل حكومة بأنها منتهية الولاية وتعمل خارج المدد الزمنية التي حددتها خارطة الطريق السياسية.
ويرى منتقدو القرار أن قبول اختصاص المحكمة الجنائية الدولية دون الرجوع إلى السلطة التشريعية يشكل سابقة خطيرة قد تفتح الباب أمام تدخلات دولية أوسع في الشأن الليبي، وتضعف من مكانة القضاء الوطني أمام المؤسسات الأجنبية.
كما يعتبر الرافضون للقرار أن حكومة الوحدة المنتهية الولاية تجاوزت حدود المهام الممنوحة لها بموجب خارطة الطريق، والتي تقتصر على إدارة المرحلة الانتقالية وتهيئة الظروف للانتخابات، لا اتخاذ قرارات سيادية كبرى تمس مستقبل الدولة ومؤسساتها.
القضاء الوطني في مواجهة التدويل
وترتكز الحكومة الليبية في موقفها على مبدأ التكامل المنصوص عليه في نظام المحكمة الجنائية الدولية، والذي يمنح الأولوية للقضاء الوطني متى كان قادراً وراغباً في مباشرة اختصاصاته.
وتؤكد الحكومة أن القضاء الليبي ما زال يمارس مهامه ويصدر أحكامه ويباشر التحقيقات في مختلف القضايا الجنائية، الأمر الذي يجعل مبررات اللجوء إلى القضاء الدولي محل جدل واسع.
ويعتبر مسؤولون ومتابعون أن الحفاظ على الاختصاص القضائي الوطني يمثل جزءاً أساسياً من معركة استعادة الدولة الليبية لمؤسساتها وسيادتها بعد سنوات طويلة من الانقسام والفوضى.
صراع على الشرعية أكثر منه خلافاً قانونياً
ويرى مراقبون أن جوهر الأزمة يتجاوز النصوص القانونية، ليعكس صراعاً أوسع حول الشرعية والتمثيل السياسي داخل ليبيا.
ففي الوقت الذي تسعى فيه حكومة الوحدة المنتهية الولاية إلى تعزيز ارتباطها بالمؤسسات الدولية، تتمسك الحكومة الليبية ومجلس النواب بخيار حماية القرار الوطني ورفض أي خطوات يرون أنها تنتقص من سيادة الدولة أو تمنح أطرافاً خارجية نفوذاً إضافياً على الملف الليبي.
ويعتقد أنصار الحكومة الليبية أن قرار الدبيبة لا يخدم العدالة بقدر ما يفتح الباب أمام مزيد من التدويل السياسي والقضائي، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى تعزيز مؤسساتها الوطنية لا إضعافها.
معركة السيادة مستمرة
تكشف هذه القضية عن واحدة من أبرز معارك السيادة التي تشهدها ليبيا في السنوات الأخيرة، فبينما تدافع الحكومة الليبية عن اختصاص القضاء الوطني وترفض ما تصفه بمحاولات الالتفاف على المؤسسات الشرعية، تصر الحكومة المنتهية الولاية على المضي في نهجها القائم على توسيع التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية.
وبين هذين المسارين، يظل السؤال مطروحاً حول مستقبل العلاقة بين ليبيا والمؤسسات القضائية الدولية، وما إذا كانت البلاد ستنجح في توحيد موقفها القانوني والسياسي تجاه القضايا السيادية الكبرى، أم أن الانقسام الحالي سيستمر في إنتاج أزمات جديدة تزيد المشهد الليبي تعقيداً.



