رؤية اقتصادية من العمق: غيث يشخص تشابك القوانين وينذر بهدر مليارات الدعم
غيث: استبدال الدعم تدريجياً ودراسة الاستهلاك المحلي للوقود ضرورة
ليبيا 24
غيث: الخلط بين قانوني العمل والخدمة المدنية كارثة إدارية
في تحليل صريح يلامس أعمق الإشكاليات الهيكلية للاقتصاد الليبي، طرح عضو مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي السابق والخبير الاقتصادي امراجع غيث رؤية متكاملة تجمع بين ضرورة إصلاح المنظومة القانونية للعمل وإعادة هيكلة سياسة الدعم، محذراً من استمرار الهدر الذي يلتهم موارد الدولة وسط غياب الحوكمة.
وجاءت تصريحات غيث في تدوينة مطولة على حسابه الشخصي في منصات التواصل الاجتماعي، رصدتها «ليبيا 24»، لتعيد فتح ملفات ظلت أسيرة التركة السياسية والارتباك المؤسسي.
فوضى المصطلحات: إرث تشريعي يعرقل القطاعين العام والخاص
أشار غيث إلى أن أحد أبرز معوقات التنمية يكمن في الخلط التشريعي بين قانون الخدمة المدنية المنظم لعلاقة الدولة بالموظف الحكومي، وقانون العمل الذي يفترض أن يحكم العلاقة التعاقدية بين أرباب العمل في القطاع الخاص والعاملين لديهم، إضافة إلى الشركات الحكومية التي تُدار بمنطق تجاري. ولفت إلى أن هذا التداخل يُفرغ النصوص القانونية من فعاليتها، ويُضعف بيئة الأعمال، ويُبقي آلاف العاملين في المنطقة الرمادية بين حماية القطاع العام ومرونة القطاع الخاص.
وتعمق غيث في نقد الجذور التاريخية للمشكلة، موضحاً أن مصطلح «الشركات العامة» الذي يُستخدم للإشارة إلى الشركات المملوكة للدولة ما هو إلا إرث من حقبة النظام السابق الذي ألغى لفظ «حكومة» واستبدله بلفظ «عامة»، مما خلق التباساً لغوياً وقانونياً جوهرياً.
فالتعريف العالمي السليم يصنف هذه الكيانات على أنها «شركات حكومية» تعبيراً عن ملكية الدولة لها، بينما مصطلح «الشركات العامة» يُقصد به في أدبيات الاقتصاد الشركات المدرجة في أسواق المال والمتاحة ملكيتها لعامة الجمهور.
أما الشركات الخاصة فهي التي تنحصر ملكيتها في عدد محدود من الأشخاص ولا يُسمح للجمهور بالاكتتاب في أسهمها. هذا التشويش الاصطلاحي، وفقاً لغيث، ليس مجرد خطأ أكاديمي، بل ينعكس على صياغة السياسات وتطبيق القوانين ويُضعف قدرة ليبيا على جذب الاستثمارات الأجنبية التي تتطلب بيئة تشريعية دقيقة وشفافة.
إصلاح الدعم: التدرج الاستراتيجي مقابل صدمة المستفيدين
وفي الشق الأكثر إلحاحاً من الطرح، انتقل غيث إلى قضية استبدال الدعم، مؤكداً أن موقفه لا ينبع من عاطفة بل من خبرة ميدانية بمشاهدة مليارات الدنانير تُهدر في غير محلها. وطرح تساؤلات جوهرية حول استيراد الوقود، متسائلاً عما إذا كانت الكميات المستوردة تقتصر فعلياً على حاجة الاستهلاك المحلي، أم أن هناك تسرباً منظماً يُضخم فاتورة الدولة.
ودعا إلى ضرورة إعداد دراسة متخصصة من قبل خبراء الطاقة لتحديد «الحد الأعلى لاستهلاك الفرد من البنزين» وبقية المحروقات، بما يضمن تلبية الاحتياجات الحقيقية ويقطع الطريق على استنزاف الموارد.
وأعاد غيث التأكيد على رؤيته القائمة على «الاستبدال التدريجي» الذي تسبقه دراسة مستفيضة لمدة لا تقل عن عام كامل لتحديد السبل المثلى، ثم يتبع ذلك تطبيق تدريجي مع رصد دقيق لنتائج كل مرحلة. وحذر بلهجة حاسمة من سيناريوهين قال إنه يرفضهما جملةً وتفصيلاً: إبقاء الوضع القائم على ما هو عليه الآن بما يحمله من فساد وعدم كفاءة، والتطبيق الفوري بأسلوب العلاج بالصدمة الذي أثبت فشله في عديد من التجارب الدولية.
وشدد على أن كل الدول التي سبقت ليبيا إلى هذه التجربة طبقتها بالتدريج وأخذت العبر من نتائج التطبيق، في إشارة إلى أن التغيير الجذري غير المحسوب قد يُحدث اضطرابات اجتماعية واقتصادية لا تحمد عقباها.
ولم يُخفِ الخبير الاقتصادي إدراكه لحجم المصالح التي تحرك تيار الإبقاء على الوضع الراهن، قائلاً: «لا أنتظر من المستفيدين من الوضع الحالي تأييد الفكرة وهذا أمر طبيعي من وجهة نظرهم، ولكنه يضر بالدولة». وختم بالتأكيد على أن المسألة ليست خصومة شخصية بل هي وجهات نظر تحكمها زوايا مختلفة، تاركاً الحكم النهائي للقارئ الليبي الذي يتحمل تبعات أي خيار.
تحليل: معضلة الحوكمة في العمود الفقري للدولة الريعية
تعكس تصريحات غيث أزمة أعمق في بنية الدولة الليبية، حيث تتداخل الأدوار الاقتصادية والسياسية في غياب مؤسسات رقابية فاعلة. فاستمرار الاعتماد على الدعم الشامل دون استهداف حقيقي للفئات المستحقة يحول الموارد النفطية من أداة تنمية إلى أداة لإعادة توزيع مشوهة تخلق بيئة طاردة للإنتاج.
وفي ظل الانقسام المؤسسي الحالي، تبدو الدعوة إلى حوكمة قانونية وإحصائية، كفصل القوانين ودراسة الاستهلاك، بمثابة الخطوة الصفرية نحو أي إصلاح اقتصادي مستدام. ويبقى السؤال المعلق: هل يمتلك صانع القرار الليبي الإرادة لمواجهة المراكز المستفيدة من الفوضى التشريعية وهدر الدعم، أم أن حالة اللادولة ستستمر في إجهاض كل محاولات الإنقاذ؟



