عربىليبيا

عبدالرحيم يحلل “خطر التوطين”: ترتيبات أمر واقع تفرضها السياسات الأوروبية ويديرها اقتصاد الظل في غياب دولة الدبيبة المنقسمة

عبدالرحيم: التوطين نتيجة تراكمية لضعف الدولة والانقسام لا قرار سيادي

عبدالرحيم: سياسات أوروبا حوّلت ليبيا لممر مفتوح ومستودع بشري دائم

ليبيا 24

عبدالرحيم: التوطين نتيجة تراكمية لضعف الدولة والانقسام لا قرار سيادي

في سلسلة تحليلات معمقة ومتداخلة يرصد من خلالها تعقيدات المشهد الليبي من زاوية التداخل الدولي والإقليمي، قال عضو ملتقى الحوار السياسي السابق عبدالله عثمان عبدالرحيم إن الخطر الحقيقي لملف التوطين لا يكمن في كونه توجهاً رسمياً تتبناه حكومة الدبيبة منتهية الولاية أو أي حكومة ليبية متعاقبة، بل في قدرته على التحول إلى “ترتيبات أمر واقع” تفرضها تراكمات الأزمات وتضارب المصالح الدولية، مستغلة الانقسام السياسي وضعف السيطرة على الحدود ونمو الاقتصاد الموازي.

التوطين كنتيجة واقعية لا قرار سياسي

أوضح عبدالرحيم، في منشور موسع خص به “ليبيا 24″، أن مقاربة قضية التوطين يجب أن تنطلق من كونها “نتيجة واقعية” يتم رصد مظاهرها في الأزقة وهوامش المدن، لا باعتبارها قضية فكرية أو سياسية يتم تداولها في الخطابات فقط. ولفت إلى أن المسار الزمني للظاهرة تدرج في حلقات متسلسلة ومترابطة، بدأت من مرحلة “العبور نحو أوروبا”، مروراً بـ”الاعتراض الأوروبي” و”التكدس”، وصولاً إلى “التوطين الاقتصادي” الذي يفرض نفسه على الأرض اليوم.

وأكد أن ظاهرة الانتقال من مسار الهجرة إلى نتيجة التوطين لا تُفهم بوصفها قراراً سيادياً اتخذته الدولة، بل كنتيجة تراكمية لسياسات إدارة الهجرة في البحر المتوسط وحالة الضعف المؤسسي الذي تعيشه ليبيا منذ 2011، ومن هنا تنبع خطورة الملف بوصفه قضية سيادة وحدود وأمن قومي ومستقبل وجود ووحدة كيانات الدولة.

الممر المفتوح والاعتراض الأوروبي.. الطريق إلى التكدس

وفي تحليله للمراحل التاريخية للمأساة، قال عبدالرحيم إن “الممر المفتوح” أمام شبكات الهجرة غير النظامية استخدم ليبيا كمحطة عبور رئيسية، وزاد بشكل كبير بعد انهيار المنظومة الأمنية للدولة إثر عام 2011، حين أصبحت الحدود الجنوبية الشاسعة أقل قدرة على الضبط. وأضاف أن الخطر المباشر في تلك المرحلة لم يكن التوطين، لأن هدف المهاجرين كان عبور البحر نحو الضفة الشمالية للمتوسط.

لكن التحول الجوهري ظهر مع تغير الأولوية الأوروبية عام 2015 من استقبال المهاجرين إلى منع وصولهم، وهو ما ترسم مع توقيع مذكرة التفاهم الليبية الإيطالية 2017 وتوسع عمليات الاعتراض والإعادة إلى الشواطئ الليبية.

وهنا، يضيف عبدالرحيم، بدأت أعداد كبيرة من المهاجرين بالتكدس داخل الأراضي الليبية لفترات أطول، وظهر لأول مرة القلق من أن تتحول مراكز الإيواء المؤقتة إلى واقع دائم يفرض نفسه مع مرور الزمن.

المنظمات الدولية واقتصاد الظل.. شرعنة الوجود طويل الأمد

وانتقد عبدالرحيم توسع حضور المنظمات الدولية المعنية بالهجرة داخل ليبيا، معتبراً أن دورها الذي يُبرر كاستجابة إنسانية، عبر برامج التسجيل والمساعدات، قد يؤدي عملياً إلى إضفاء صفة قانونية على وجود طويل الأمد لمجموعات كبيرة من المهاجرين، في بلد لم يهيئ تشريعاته لمثل هذه التحولات الديموغرافية.

وبالتوازي، أدى تعثر فرص العبور إلى أوروبا وانخفاضها إلى اندماج أعداد متزايدة من المهاجرين تدريجياً في الاقتصاد المحلي غير المنظم، خاصة في قطاعات البناء والزراعة والخدمات. وأشار إلى أنه لم يعد الأمر مقتصراً على إقامة مؤقتة، بل ظهر شكل من الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي غير المقنن، فرضته الحاجة إلى العمل من جهة، وطول أمد البقاء دون ترحيل من جهة أخرى.

جوهر السياسة الأوروبية: إبقاء المهاجرين جنوب المتوسط

وشدد عبدالرحيم على أن سيل الاتفاقيات الأمنية المتعلقة بإدارة تدفقات الهجرة شرعن تدفق الدعم الأوروبي المخصص لمراقبة الحدود، مما عزز لدى قطاع عريض من الليبيين الاعتقاد بأن جوهر السياسة الأوروبية يتمثل في إبقاء المهاجرين جنوب المتوسط ومنع انتقالهم إلى أوروبا، حتى لو أدى ذلك عملياً إلى تراكم أعداد متزايدة منهم داخل الأراضي الليبية.

وأضاف أن دور الأزمات الإقليمية الجديدة، وعلى رأسها الحرب في السودان، أضاف أبعاداً أكثر تعقيداً عبر تدفقات بشرية كبيرة إلى مدن الجنوب والشرق والغرب، مما أعاد ملف الهجرة والتوطين إلى صدارة الاهتمام الشعبي وربطه بأسئلة الأمن القومي والتركيبة السكانية، بل بمستقبل هوية الدولة الليبية نفسها.

التصاعد الشعبي والرسمي الرافض والاشتباك الخطير

في ظل هذا المشهد المتراكم، لفت عبدالرحيم إلى التصاعد الواضح لمظاهر الرفض الرسمي والشعبي لأي ترتيبات يمكن أن تُفهم كقبول بتحويل ليبيا من بلد عبور إلى بلد استقرار دائم، فتوسعت الحملات الأمنية وتسارعت المطالبة ببرامج العودة الطوعية والترحيل.

وأكد أن الاحتجاجات الشعبية الأخيرة كانت تؤكد في شعاراتها أن ليبيا دولة عبور وليست دولة توطين. وكشف عن الاشتباك الخطير بين الاقتصاد الموازي والضعف الأمني، متمثلاً في استفادة شبكات تهريب البشر المحلية، في ظل غياب رؤية حكومة الدبيبة الاقتصادية البديلة لتنظيم العمالة الوافدة في قطاعات الخدمات والبناء والزراعة.

وأوضح أن هذه الأوضاع تحتاج إلى سياسات حكومية صارمة تشمل تنظيم العمالة الوافدة، تفعيل قوانين العمل، حماية الحدود الجنوبية أمنياً ودبلوماسياً، ومراقبة عمل المنظمات الدولية وتحديد حدود عملها بما لا يتناقض مع سلطة الدولة وسيادتها.

السياسات السكانية: رغبة خارجية في فرض واقع ديموغرافي جديد

في الجزء الثاني من تحليله، ربط عبدالرحيم بين ظاهرة الهجرة والسياسات السكانية للدول، معتبراً أن ما يجري في ليبيا لا يخضع للمعايير القانونية والتنموية للهجرة، بل هو “رغبة خارجية في توطين المهاجرين باستغلال الظروف التي يمر بها بلد منقسم، بهدف فرض أمر واقع ديموغرافي جديد يعالج خطرهم على السياسات السكانية في بلدان الشمال”.

وفنّد عبدالرحيم تأثير الهجرة غير الشرعية على السياسات السكانية، موضحاً أنها تؤدي إلى تغيير غير متوقع في حجم السكان وإلى اختلال في التوزيع السكاني عبر التركز في المدن الكبرى، مما يضغط على البنية التحتية والخدمات ويؤثر على التركيبة السكانية وسوق العمل.

وأكد أن غياب سياسات سكانية وطنية مدروسة وتوزيع عادل للتنمية يعد عاملاً طارداً يغذي دوافع الهجرة غير النظامية، مشيراً إلى أن السياسات السكانية الناجحة هي التي تضمن توازناً بين الموارد والسكان وتعزز النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية.

ما وراء الغضب الشعبي: اختبار لاستعداد الشارع

وفي الجزء الثالث، تعمق عبدالرحيم في تحليل ما وصفه بـ”ما وراء الغضب الشعبي”، معتبراً أن المظاهرات التي خرجت رفضاً للتوطين لم تكن مجرد احتجاج على قضية بعينها، بل عبرت عن الجزء الظاهر من أزمة أعمق أخفت خلفها أسئلة الدولة والسيادة والحدود والانقسام والفساد والغضب المتراكم.

وكشف أن قسماً كبيراً من الغضب سبق التحقق الكامل من عناصر القضية، متسائلاً: “هل تحرك الشارع بناء على وقائع مكتملة أم بناء على انطباعات ومخاوف وتوقعات؟”. وأبرز تأثير الموجة الثانية لوسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت فاعلاً مستقلاً قادراً على صناعة الخبر وتضخيمه وتحويل قضية هامشية إلى مركزية.

وأوضح عبدالرحيم أن هذه المظاهرات مثّلت فرصة للتعبير عن غضب متراكم تجاه ملفات أكثر تعقيداً، كالانفلات الأمني والفساد، لكنها كشفت عن هيمنة “سياسة الحدث” على حساب “الرؤية الشاملة”، حيث يحجب التركيز على موقف آني أسئلة الأولويات الوطنية الأوسع كحماية الحدود وإدارة ملف الهجرة. كما لفت إلى عفوية الحراك وغياب القيادة السياسية الواضحة، مما يمنحه قوة تعبيره عن المزاج الشعبي لكنه يجعله صعب الضبط والتوجيه.

وانتقد محدودية حضور الخطاب الرسمي لحكومة الدبيبة الذي تعامل مع الظاهرة كفرصة للمزايدة السياسية بدلاً من وضع سياسات وطنية.

واختتم عبدالرحيم تحليله بالتأكيد على أن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الليبيون يرفضون التوطين أم لا، بل: “هل تملك ليبيا اليوم دولة قادرة على إدارة ملف الهجرة والسيادة والحدود وفق رؤية وطنية موحدة؟”، مجيباً بأن الدول القوية هي التي تصنع سياساتها وتتعامل مع العالم من خلالها، أما الدول المنقسمة فإنها تجد نفسها تتفاعل مع سياسات الآخرين أكثر مما تصنع سياستها بنفسها.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى