مبادرة بولس تعيد رسم الخريطة السياسية وتواجه عقبات الدبيبة والانقسام
قيادات سياسية وعسكرية ترحب بمبادرة بولس وتعتبرها الأقرب لواقع الأزمة في ليبيا
ليبيا 24
تحركات أمريكية مصرية تركية تعزز توحيد المؤسسات الليبية وتمهد لانتخابات رئاسية وبرلمانية
في مشهد سياسي متسارع لم تشهده ليبيا منذ سنوات، تتصدر مبادرة المبعوث الأمريكي مسعد بولس المشهد، وسط ترحيب محلي وإقليمي واسع، ومواجهة من جانب حكومة عبد الحميد الدبيبة التي باتت تُعتبر عقبة رئيسية أمام أي توافق وطني.
فبينما ينخرط الفاعلون الحقيقيون على الأرض في تفاهمات غير مسبوقة لتوحيد المؤسسات، تلوح في الأفق بوادر تسوية شاملة قد تخرج البلاد من عنق الزجاجة، لكن الطريق لا يزال محفوفاً بتحديات جسيمة، أبرزها التمسك بمناصب النفوذ وإطالة أمد الأزمة.
خارطة طريق جديدة.. توافق إقليمي ودولي يدفع نحو الحل
تشهد الساحة الليبية حراكاً دبلوماسياً مكثفاً، تجسد في زيارة رئيس المخابرات المصرية إلى غرب ليبيا بالتزامن مع زيارة نظيره التركي إلى الشرق، وهو ما طرح تساؤلات جوهرية حول إمكانية تقارب مصري تركي حول الملف الليبي، أو أنها رسائل موجهة إلى معارضي مبادرة مسعد بولس.
عضو مجلس الدولة سعد بن شرادة اعتبر أن “أي تفاهم إقليمي أو دولي يصب في تجاه توحيد المؤسسات ودعم الحل الليبي الليبي، سيكون في صالح وحدة الوطن واستقراره”، محذراً من أن “استمرار سياسة المحاور والتنافس على النفوذ لن يؤدي إلا إلى إطالة أمد الأزمة”.
المبادرة الأمريكية، التي قادها المبعوث مسعد بولس، حظيت بدعم محلي ودولي غير مسبوق، وفقاً للباحث في العلاقات الدولية الدكتور الصالحين النيهوم، الذي رأى أن هذا الدعم “يعكس توجهاً نحو الخروج من الصندوق والانتقال إلى أرض الواقع”.
وأشار النيهوم إلى أن الدعم المحلي تعزز من خلال البيان الصادر عن القيادة العامة، والذي وصفه بالمهم، مؤكداً أنه تضمن التزاماً بالمضي قدماً في تنفيذ المبادرة.
القيادة العامة والفاعلون الحقيقيون.. ثقل سياسي يمهد للاستقرار
في تطور يعكس تحولاً في موازين القوى، أكد المحلل السياسي معتصم الشاعري أن المبادرة حظيت بتأييد القيادة العامة للقوات المسلحة بقيادة المشير خليفة حفتر، إضافة إلى دعم عدد من أعضاء مجلس النواب وبعض أعضاء مجلس الأمن، معتبراً أن “هذا التوافق يمنح المبادرة زخماً سياسياً كبيراً ويجعلها أكثر قدرة على تحقيق أهدافها”.
وأضاف الشاعري أن القيادة العامة “ظلت على الدوام تدعو إلى توحيد ليبيا ومؤسساتها”، مشيراً إلى أن التأييد الشعبي للمواقف الصادرة عنها يعكس قناعة بأنها لا تدعم أي مبادرة إلا إذا كانت تحقق مصلحة البلاد.
المحلل السياسي عمر بوسعيدة ذهب إلى أبعد من ذلك، معتبراً أن “الجهة التي تمثل المقدرات على الإنجاز هي القيادة العامة والمؤسسة العسكرية التي قادت مشروعاً وطنياً حقيقياً”، مضيفاً أن “دعم القيادة العامة للمبادرة جاء بصورة براغماتية دون تقديم تنازلات تمس الثوابت الوطنية”.
وأشار بوسعيدة إلى أن القيادة العامة نجحت في تقديم نموذج على المستوى الدولي من خلال خلق توازنات حقيقية مع عدد من الدول المؤثرة.
الدبيبة وحكومته.. عقبة في طريق التوحيد
في المقابل، يرى المحللون أن حكومة عبد الحميد الدبيبة تمثل عقبة رئيسية أمام أي تسوية، حيث اتهمها البعض بالسعي لإطالة أمد الأزمة للحفاظ على مكاسبها.
عضو لجنة الحوار بجنيف سابقاً، علام الفلاح، أكد أن “التجارب السابقة التي اعتمدت على الأجسام السياسية التقليدية لم تنجح في إنهاء الانقسام”، مشيراً إلى أن “المجتمع الدولي يتعامل عملياً مع الأطراف التي تمتلك النفوذ والقدرة على تنفيذ الحلول، وليس مع الأجسام السياسية التي تصدر قرارات لا تجد طريقها إلى التطبيق”.
الناشط السياسي إبراهيم بلقاسم لفت إلى أن “مصر تنظر إلى ليبيا باعتبارها عمقاً أمنياً واستراتيجياً”، لكنه أشار إلى أن “طبيعة العلاقات والتوازنات السياسية تختلف بين شرق البلاد وغربها، حيث تتمتع تركيا بحضور وعلاقات أكثر تأثيراً في غرب ليبيا”.
وفي إشارة إلى تعقيدات المشهد في العاصمة، أوضح بلقاسم أن “المشكلة الأساسية في المبادرة الأمريكية تكمن في عدم تقديمها تصوراً واضحاً لتوازنات غرب ليبيا، حيث تتعدد القوى الفاعلة سياسياً وأمنياً واجتماعياً”.
الرئاسات الثلاث.. بيان متأخر أم محاولة للتموضع؟
في خطوة وصفت بأنها محاولة متأخرة لإعادة التموضع، أصدر مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة والمجلس الرئاسي بياناً ثلاثياً، وهو ما علق عليه بوسعيدة بأن هذه الأطراف “أصبحت أمام مواجهة مباشرة مع الواقع السياسي القائم”، متسائلاً عن “أسباب طرح مبادرتها في هذا التوقيت رغم وجودها منذ سنوات طويلة في المشهد السياسي”.
وأضاف أن “هذه الأجسام السياسية لم تنجح خلال السنوات الماضية في إيصال القضية الليبية إلى مراكز القرار”.
المحلل السياسي محمد امطيريد رأى أن البيان الثلاثي حظي بدعم مباشر من مصر وجامعة الدول العربية، معتبراً أن “هذا الدعم حمل رسائل سياسية واضحة إلى الولايات المتحدة مفادها أن الأطراف الإقليمية الفاعلة لا تزال حاضرة ومؤثرة في المشهد الليبي”.
لكنه استبعد إمكانية نجاح القاهرة في تعديل المسار الذي تقوده واشنطن، مؤكداً أن “المبادرة الأمريكية قطعت شوطاً متقدماً في بناء التوافقات الإقليمية والدولية اللازمة لتنفيذها”.
لجنة 4+4 وآليات التنفيذ.. تفاصيل تنتظر الإعلان
كشف النيهوم عن تفاصيل مهمة حول آليات تنفيذ المبادرة، مشيراً إلى أن لجنة “4+4” تضطلع بدور فني أكثر منه سياسي، حيث تتولى “معالجة الملفات التفصيلية المتعلقة بالمناصب السيادية والميزانيات والموارد وآليات التنفيذ”. وأضاف أن “جوهر الواقعية يكمن في اختيار الشخصيات القادرة على توقيع الاتفاق وضمان استمراره حتى الوصول إلى الانتخابات”.
وفيما يتعلق بالمخرجات، أشار النيهوم إلى أن هناك مؤشرات إيجابية، من بينها “التحركات الرامية إلى توحيد الميزانية العامة، إلى جانب استكمال التفاهمات المتعلقة بالإنفاق العام، والتي قد تفضي إلى اتفاق بشأن ميزانية موحدة تقدر بنحو 200 مليار دينار ليبي”.
وأكد أن هذه الخطوات تمثل جزءاً من الإطار العام للمبادرة، في حين لا تزال بعض تفاصيلها وآلياتها التنفيذية قيد النقاش داخل لجنة “4+4”
الانتخابات.. وسيلة لتحقيق الاستقرار وليس غاية
في قراءة معمقة لأهداف المبادرة، شدد النيهوم على أن “الانتخابات تمثل وسيلة لتحقيق الاستقرار وليست غاية بحد ذاتها”، موضحاً أن “الهدف الأساسي يتمثل في الوصول إلى حكومة موحدة ومؤسسات موحدة قادرة على إدارة المرحلة المقبلة”. وأشار إلى أن “جميع المبادرات السابقة التي هدفت إلى توحيد الحكومة والمؤسسات لم تحقق أهدافها، سواء كانت برعاية أممية أو إقليمية أو حتى محلية”
المحلل السياسي سعد الدينالي دعا إلى “الخوض في التفاصيل ووضع أكبر قدر ممكن من الضمانات التي تضمن لنا الانتقال السلمي للسلطة”، معتبراً أن “مبادرة بولس هي الأقرب للواقعية رغم أنها محفوفة بمخاطر عدة، أولها الخوف من عدم الخروج من المراحل الانتقالية والاستمرار دون جدول زمني محدد ملزم لجميع الأطراف”
الموقف التركي.. شريك في التسوية
المحلل السياسي التركي مهند أوغلو قدم قراءة موسعة للتطورات الإقليمية، معتبراً أن المنطقة تشهد “إعادة تشكيل في مقاربات إدارة أزماتها، خصوصاً في ملفات ليبيا وغزة والسودان”
. وأكد أن “الاجتماع الرباعي الذي استضافته القاهرة ركز على ثلاثة ملفات رئيسية: غزة، ليبيا، والسودان”، موضحاً أن “هذا الترتيب يعكس توسعاً في مفهوم الأمن الإقليمي”.
وفيما يتعلق بالدور التركي، شدد أوغلو على أن “أنقرة تنظر إلى استقرار ليبيا باعتباره جزءاً من أمنها القومي”، موضحاً أن “هذه الاستراتيجية التركية تعود إلى عام 2019 وتستند إلى رؤية طويلة المدى في شرق المتوسط”.
وأضاف أن “تركيا تعتبر أن استقرار العاصمة طرابلس يمثل عنصراً حاسماً في حماية التوازن السياسي في ليبيا”.
مصير الأجسام السياسية التقليدية.. بين الانقسام والتهميش
في تحليل لافت، اعتبر الفلاح أن “الأجسام السياسية المنقسمة مثل مجلس الدولة ومجلس النواب والمجلس الرئاسي لم تعد قادرة على إنتاج حلول حاسمة”.
وأشار إلى أن “استمرار التركيز على ملفات الدستور والانتخابات بوصفها الحل الوحيد للأزمة الليبية أثبت عدم جدواه خلال السنوات الماضية”.
بوسعيدة ذهب إلى أن “المواطن الليبي بات منشغلاً بشكل يومي بتأمين احتياجاته الأساسية”، في حين أن “بعض الأطراف المستفيدة من الوضع القائم تمتلك مصالح ونفوذاً ومزايا مرتبطة باستمرار المشهد السياسي الحالي”.
وأضاف أن “المواطن يبحث عن الأطراف التي تمتلك الشرعية والإمكانات والقدرة الفعلية على الإنجاز على أرض الواقع، وليس مجرد الشعارات أو الوعود”.
نحو مرحلة جديدة.. فرصة تاريخية لا تُعوّض
في ختام المشهد، يرى المحللون أن ليبيا تقف على مفترق طرق تاريخي. المبادرة الأمريكية، بدعم إقليمي ودولي غير مسبوق، تمثل أفضل فرصة لإنهاء الانقسام وتوحيد المؤسسات.
لكن التحدي الأكبر يبقى في قدرة الأطراف على تجاوز المصالح الضيقة والانخراط بجدية في مسار يؤدي إلى انتخابات حرة ونزيهة، تضع حداً نهائياً للمراحل الانتقالية وتؤسس لدولة مدنية ديمقراطية.
المحلل السياسي محمد امطيريد لخص الوضع بقوله إن “الرهان الحقيقي يتمثل في قدرة المبادرة الأمريكية على الانتقال من مرحلة التفاهمات السياسية إلى مرحلة التنفيذ الفعلي”.
وأشار إلى أن “المؤشرات الحالية توحي بوجود تصور شبه مكتمل لشكل المرحلة المقبلة وآلياتها التنفيذية”.
في المقابل، حذر الناشط إبراهيم بلقاسم من أن “غياب الضمانات قد يؤدي إلى زيادة الانقسامات الداخلية ويؤثر سلباً على فرص نجاح المبادرة، خاصة مع امتلاك بعض القوى قدرة على التعطيل إذا شعرت بالإقصاء”.
يبقى السؤال الأهم: هل ستنجح ليبيا في اغتنام هذه الفرصة التاريخية للخروج من أزمتها الممتدة، أم ستظل رهينة للمحاور الإقليمية والصراعات على النفوذ؟ الأيام المقبلة وحدها كفيلة بالإجابة.



