ليبيا

مضاربات النفط والسياسة.. كيف يدفع مصرف ليبيا المركزي ثمن فشل حكومة الدبيبة؟

فجوة الدولار تتسع إلى 8.49 دينار وسط عجز المركزي عن كبح جماح السوق الموازية

ليبيا 24

مصرف ليبيا المركزي يتهم المضاربين بتقويض الدينار ويواصل ضخ المليارات دون جدوى

ضخ 6 مليارات دولار في شهرين لم يوقف نزيف الدينار

في مشهد يعكس عمق الأزمة النقدية التي تعصف بالاقتصاد الليبي، يواصل مصرف ليبيا المركزي ضخ مليارات الدولارات في السوق المحلية في محاولة يائسة لكبح جماح انهيار الدينار، غير أن هذه السياسة تبدو وكأنها تُصب في قاع جحيم لا قعر له، فالسوق الموازية تواصل ابتلاع العملة الصعبة دون أن تلمس الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي أي تضييق يُذكر.

ففي وقت يبلغ فيه سعر صرف الدولار في السوق الرسمية نحو 6.41 دينار، يقفز في السوق الموازية إلى 8.49 دينار، بفارق يتجاوز الدينارين، وهو ما يضع المواطن الليبي أمام واقع مرير من التضخم وارتفاع الأسعار وتآكل المدخرات، في حين تستمر المؤسسات النقدية في لعبة إلقاء المسؤولية على الآخرين.

فقد اتهم مصرف ليبيا المركزي، في بيان أصدره صباح الأربعاء وتناقلته وسائل الإعلام المحلية، مضاربين وتجار عملة بالسعي إلى التأثير على سعر صرف الدينار من خلال ما وصفه بـ”الإشاعات والتكهنات”، متعهداً باتخاذ إجراءات أمنية بالتعاون مع الجهات المعنية لمكافحة هذه الظاهرة.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: هل الإشاعات وحدها هي المسؤولة عن فجوة تتسع إلى هذا الحد؟ أم أن هناك خللاً هيكلياً في إدارة السياسة النقدية يعود إلى غياب الإرادة السياسية الحقيقية لمعالجة جذور الأزمة؟

سياسة الضخ النقدي.. حل مؤقت أم إطالة لأمد الأزمة؟

كشف مصدر مسؤول في المصرف المركزي أن إجمالي ما ضخه المصرف في السوق خلال شهري مايو ويونيو 2026 بلغ نحو 6 مليارات دولار، أي ما يعادل نحو 38 مليار دينار ليبي، معتبراً أن هذه السيولة “تغطي احتياجات السوق وتزيد عليها”.

غير أن مراقبين للشأن الاقتصادي الليبي يشككون في هذه الرواية، مؤكدين أن استمرار ضخ السيولة بهذا الحجم دون معالجة الأسباب الجذرية للاختلالات الهيكلية في الاقتصاد، إنما هو بمثابة مسكنات مؤقتة تخفي حقيقة تفاقم الأزمة. فالمشكلة ليست في نقص المعروض من العملة الصعبة فحسب، بل في غياب الرقابة الفاعلة على الإنفاق العام، واستمرار تمويل كتلتين موازنيتين منفصلتين في شرق البلاد وغربها، وعجز الدولة عن تنويع مصادر الدخل بعيداً عن الاعتماد شبه الكامل على الإيرادات النفطية.

وقد أقر المصرف المركزي نفسه بهذا المعيار، إذ أكد المصدر المسؤول أن قوة الدينار الليبي مستقبلاً ستظل مرتبطة بمجموعة من المحددات الاقتصادية، في مقدمتها مستويات إنتاج النفط وأسعاره في الأسواق العالمية، إلى جانب قدرة الدولة على ضبط الإنفاق العام في حدود الموارد المتاحة، والعمل على تنويع الاقتصاد.

محافظ المركزي يعترف ضمنياً بفشل السياسات النقدية

في اعتراف ضمني بحدود صلاحياته، شدد المصدر المسؤول على أن المصرف المركزي لا يُحدد القيمة الحقيقية للدينار، بل تتمثل مهمته في إدارة سعر الصرف عند مستويات تتناسب مع قوة الاقتصاد الوطني والموارد المتاحة، مؤكداً أن جانباً من التحركات الأخيرة في أسعار العملات يرتبط بـ”مضاربات مبنية على الإشاعات والتكهنات المرتبطة بالأوضاع السياسية والمالية، وأسعار النفط”، وهي عوامل تقع ـ بحسب قوله ـ خارج نطاق اختصاص المصرف المركزي المباشر.

وهذا الاعتراف، وإن كان صريحاً من الناحية الفنية، فإنه يكشف عن عجز مصرف ليبيا المركزي عن لجم جماح السياسات المالية المتهورة لحكومة عبد الحميد الدبيبة، التي تواصل إنفاق الأموال العامة دون رقابة حقيقية، في وقت تواجه فيه البلاد أزمة سيولة خانقة وانهياراً متسارعاً في قيمة العملة الوطنية.

ففي الوقت الذي يضخ فيه المركزي مليارات الدولارات لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، تستمر حكومة الدبيبة منتهية الولاية في سياساتها الإنفاقية غير المسؤولة، التي تغذي الطلب على العملة الصعبة وتوسع الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي.

تعاون أمني مشبوه أم إلهاء عن الأسباب الحقيقية؟

عزز المصرف المركزي مؤخراً تعاونه مع الأجهزة الأمنية، حيث عقد محافظ المصرف ناجي عيسى لقاءً قبل أسبوع مع وزير الداخلية عماد الطرابلسي خُصص لمتابعة خطة التعاون بين المؤسستين في مجال تنظيم سوق الصرف الأجنبية ومكافحة ما وصفته السلطات بـ”الظواهر السلبية” المرتبطة به.

غير أن هذا التوجه يثير تساؤلات عدة حول جدوى اللجوء إلى الإجراءات الأمنية في معالجة أزمة نقدية بامتياز، فالمشكلة ليست في المضاربين وتجار العملة فقط، بل في بيئة اقتصادية غير مستقرة سياسياً وأمنياً، وفي انقسام مؤسسي يغذي السوق الموازية ويجعل منها ملاذاً آمناً للتعاملات المالية بعيداً عن رقابة الدولة.

كما أن التركيز على الجانب الأمني قد يُفهم كغطاء لتبرير فشل السياسات النقدية والمالية، وإلهاء الرأي العام عن الأسباب الجذرية للأزمة التي تتمثل في الانقسام السياسي والمؤسسي، واستمرار حكومة الدبيبة في ممارسة صلاحياتها رغم انتهاء ولايتها، وعجز الدولة عن توحيد مؤسساتها المالية.

إشادة أممية مثيرة للريبة

في تطور لافت، تلقى الإجراءات الأخيرة التي اتخذها المصرف المركزي ارتياحاً دولياً، عبّرت عنه المبعوثة الأممية إلى ليبيا هانا تيتيه خلال إحاطة أمام مجلس الأمن الأسبوع الماضي، حين أقرت بأن المصرف وسّع إمكانية الحصول على العملات الأجنبية عبر القنوات الرسمية، واتخذ خطوات للحد من الاعتماد على السوق الموازية، وتعزيز الرقابة على عمليات الصرف.

غير أن هذا الارتياح الأممي لا يخفي حقيقة أن الأوضاع الاقتصادية في ليبيا تشهد تدهوراً مطرداً، وأن الإشادة بخطوات محدودة لا تعني نجاح السياسات النقدية بقدر ما تعكس رغبة المجتمع الدولي في استقرار صوري يُبقي على الوضع الراهن دون معالجة جذرية للانقسامات السياسية والمؤسسية التي هي أصل الداء.

هجوم سيبراني يفضح هشاشة المنظومة المصرفية

في سياق متصل، سعى المصرف المركزي إلى طمأنة الأسواق والمتعاملين بشأن تداعيات هجوم سيبراني استهدف بعض منظوماته التقنية قبل أسبوعين، مؤكداً في بيان أن التحقيقات المتعلقة بالحادث أُنجزت بصورة كبيرة، وأن عمليات التعافي واستعادة الأنظمة تسير وفق الخطة الموضوعة.

وأوضح المصرف في بيانه أنه لم يتم رصد أي مؤشرات مؤكدة على اختراق أثر على الحسابات أو الأرصدة، أو الأصول المالية المرتبطة بعملياته، مشدداً على أن سلامة البيانات والعمليات المصرفية لا تزال تُمثل أولوية قصوى.

لكن هذا الحادث يكشف عن هشاشة البنية التحتية التقنية للمصرف المركزي، ويعكس مدى التحديات التي تواجه المؤسسة النقدية في ظل غياب الاستقرار الأمني والتقني الكامل، ويسلط الضوء على المخاطر التي تتهدد القطاع المصرفي الليبي برمته في ظل الفوضى المؤسسية التي تعيشها البلاد.

الفجوة تتسع والحلول تغيب

رغم حديث المصرف عن مؤشرات استقرار نسبي في سوق الصرف، تظل الحقيقة المرة أن الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي تضع اللبن العادي أمام واقع اقتصادي قاسٍ، يدفع فيه ثمن الانقسام السياسي والفشل الإداري.

ويأمل المصرف المركزي أن تُسهم إجراءات ضخ النقد الأجنبي وتشديد الرقابة على سوق الصرف، وتوسيع استخدام المدفوعات الإلكترونية، في تقليص الفجوة بين السوقين الرسمية والموازية، غير أن مراقبين يرون أن استقرار الدينار سيظل رهناً أيضاً بمسار الأوضاع السياسية والمالية العامة في البلاد.

فما لم تتوحد المؤسسات المالية، وتُوحد الميزانية العامة، وتنتهي حالة الانقسام السياسي التي تغذي السوق الموازية، ستظل جهود المصرف المركزي أشبه بمن يحاول إطفاء حريق بزجاجة ماء، في وقت تشتعل فيه النيران من كل صوب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى