ليبيا

المفوضية الأوروبية تعلن تراجع أعداد المهاجرين المنطلقين من ليبيا.. وخبراء يشككون في دقة الأرقام

"ليبيا بين عبور المهاجرين واستقرارهم المؤقت.. أكثر من 936 ألف مهاجر داخل البلاد في مشهد يعيد رسم خريطة الهجرة بين أفريقيا وأوروبا"


ليبيا 24

تراجع أعداد المهاجرين من السواحل الليبية يثير الجدل.. خبراء يتحدثون عن أرقام مشكوك فيها وواقع ميداني معقد

في تطور جديد يسلط الضوء على واحدة من أكثر القضايا إلحاحًا في العلاقات الليبية الأوروبية، أثار إعلان المفوضية الأوروبية حول تراجع أعداد المهاجرين غير النظاميين المنطلقين من السواحل الليبية خلال الفترة الأخيرة، موجة من التساؤلات حول حقيقة هذا الانخفاض وأسبابه الجذرية، وما إذا كان يعكس تحولًا فعليًا في مسارات الهجرة أم مجرد تغير مؤقت فرضته الإجراءات الأمنية المشددة.

الملف الذي يكتسي أبعادًا سياسية وأمنية واقتصادية وإنسانية شائكة، وجد نفسه مجددًا في صدارة المشهد، وسط تباين في الآراء بين من يرى في الأرقام الأوروبية مؤشرًا على نجاعة الجهود المبذولة، ومن يشكك في مصداقيتها ويعتبرها جزءًا من لعبة سياسية تهدف إلى تهدئة المخاوف الأوروبية.

بيانات مفوضية أوروبية تثير الجدل

ففي الوقت الذي رحبت فيه أوساط أوروبية بما وصفته بـ”الانخفاض الملحوظ” في أعداد المهاجرين الذين يغادرون السواحل الليبية باتجاه القارة العجوز، سرعان ما انبرى خبراء ومحللون ليبيون لإبداء تحفظاتهم على هذه الرواية، مشددين على ضرورة التعامل مع الأرقام بحذر شديد، في ظل غياب آليات رصد دقيقة ومعتمدة داخل ليبيا ودول المصدر الأفريقية.

أسباب تراجع المهاجرين بين الأمن والموسم وارتفاع التكاليف

وفي هذا السياق، أوضح المحلل السياسي محمد امطيريد في تصريح صحافي أن “أبرز الأسباب التي تقف وراء تراجع أعداد المهاجرين غير النظاميين المنطلقين من السواحل الليبية خلال الفترة الأخيرة، تتمثل في تشديد إجراءات المراقبة البحرية والحدودية، سواء من الجانب الليبي أو في إطار التعاون القائم مع الاتحاد الأوروبي، إلى جانب ارتفاع تكلفة رحلات الهجرة غير النظامية وتزايد المخاطر المرتبطة بها بشكل كبير”.

وأشار امطيريد إلى أن “تقارير المنظمة الدولية للهجرة تشير بوضوح إلى انخفاض تدفقات الهجرة عبر الحدود الليبية خلال الربع الأول من عام 2026، وهو ما يعزى بشكل رئيسي إلى تباطؤ النشاط الاقتصادي الموسمي وارتفاع تكاليف النقل، فضلًا عن تعزيز الإجراءات الأمنية على عدد من المنافذ الحدودية الحيوية”.

وأضاف أن هذه العوامل مجتمعة أسهمت في إحداث تحول مؤقت في أنماط حركة المهاجرين، دون أن يعني ذلك القضاء على الظاهرة بشكل جذري.

ليبيا.. دولة عبور واستقرار مؤقت في آن واحد

وحول التساؤل المحوري المتعلق بما إذا كانت ليبيا قد تحولت إلى دولة عبور أم أصبحت دولة استقرار مؤقت للمهاجرين، أكد امطيريد أن “الواقع الميداني يشير إلى أنها تؤدي الوظيفتين معًا وبشكل متزامن، فليبيا لا تزال تمثل نقطة انطلاق رئيسية للمهاجرين نحو أوروبا عبر البحر المتوسط، إذ تؤكد تقارير أوروبية أن غالبية المهاجرين الذين يسلكون مسار وسط المتوسط ينطلقون من الأراضي الليبية”.

وفي المقابل، أوضح أن “ليبيا تستضيف في الوقت نفسه أعدادًا كبيرة من المهاجرين الذين يقيمون فيها لفترات طويلة نسبيًا، سواء بحثًا عن فرص عمل أو انتظارًا لفرصة مناسبة للعبور إلى أوروبا”، مشيرًا إلى أن “تقديرات المنظمة الدولية للهجرة تشير إلى وجود نحو 936 ألف مهاجر داخل ليبيا خلال عام 2026، وهو رقم ضخم يعكس تحول البلاد إلى منطقة استقرار مؤقت لكثير من المهاجرين وليس مجرد محطة عبور سريعة كما كان الحال في السابق”.

وخلص امطيريد إلى أن “انخفاض أعداد المهاجرين المنطلقين من السواحل الليبية لا يعني أبدًا انتهاء ظاهرة الهجرة غير النظامية عبر البلاد، بل يعكس تغيرًا في أنماط الحركة والهجرة، في وقت تظل فيه ليبيا إحدى أهم العقد الجغرافية المؤثرة في ملف الهجرة غير النظامية بين أفريقيا وأوروبا”.

الغديوي يشكك في الأرقام ويتحدث عن غياب البيانات الموثقة

من جانبه، تبنى الخبير في إدارة الأزمات سعد الغديوي موقفًا أكثر تشككًا، حيث عبر عن شكه العميق في صحة تصريحات المفوضية الأوروبية بشأن انخفاض أعداد المهاجرين، مؤكدًا أنه “لم يطّلع على أي تقارير موثقة أو بيانات إحصائية واضحة توضح نسب الانخفاض أو مصادرها أو المنهجية العلمية التي استندت إليها”.

وتساءل الغديوي عن “آلية جمع هذه البيانات في ظل محدودية وجود المؤسسات الأوروبية داخل ليبيا وفي دول المصدر الأفريقية”، معتبرًا أن مثل هذه الأرقام “تحتاج إلى معلومات دقيقة وشاملة تشمل جنسيات المهاجرين ومسارات انتقالهم ووجهاتهم النهائية ووسائل نقلهم”، وأكد أن غياب هذه التفاصيل يجعل الأرقام الأوروبية قابلة للتساؤل والمراجعة.

قراءة سياسية.. الهجرة كورقة ضغط ووعود أوروبية غير منفذة

وفي قراءة أعمق للسياق السياسي الذي يحيط بملف الهجرة، أشار الغديوي إلى أن “قضية الهجرة غير النظامية ليست جديدة إطلاقًا، بل تمثل ملفًا قديمًا ظل حاضرًا بقوة في العلاقة بين ليبيا وأوروبا منذ سنوات”.

وأوضح أنه “يفضل استخدام مصطلح الهجرة غير النظامية بدلاً من الهجرة غير الشرعية، لأن الهجرة في حد ذاتها حق مشروع للإنسان، لكن الإشكال الحقيقي يكمن في غياب التنظيم القانوني المناسب لها”.

وأضاف الغديوي أن “ملف المهاجرين استُخدم كورقة ضغط سياسية في التعامل مع أوروبا أكثر من كونه قضية اجتماعية أو إنسانية بحتة”، مشيرًا إلى أن “ليبيا كانت تتحمل الجزء الأكبر من أعباء مكافحة الهجرة، في حين لم تلتزم الدول الأوروبية ولا سيما إيطاليا بتنفيذ ما نصّت عليه الاتفاقيات المبرمة بين الطرفين”.

اتفاقيات متوازنة على الورق.. وخلل كبير في التطبيق العملي

وأوضح الغديوي أن “الاتفاقيات الموقعة بين ليبيا وإيطاليا تبدو متوازنة على الورق، وتنص على منح حقوق للطرفين، إلا أن التطبيق العملي كان مختلفًا تمامًا، إذ تُركت ليبيا تتحمل مسؤوليات الإنفاق والرقابة والردع بمفردها، بينما اكتفت الدول الأوروبية بالتصريحات السياسية دون تنفيذ التزاماتها الفعلية، خاصة فيما يتعلق بالدعم المالي والتقني والإنساني المتفق عليه”.

حملات أمنية أم تراجع حقيقي؟

وفي رده على سؤال حول ما إذا كانت حملات التفتيش الأمني الأخيرة داخل ليبيا قد أسهمت في خفض أعداد المهاجرين، رأى الغديوي أن “الحديث عن انخفاض أعداد المهاجرين يندرج في إطار تهدئة الرأي العام الأوروبي أكثر من كونه يعكس واقعًا ميدانيًا ملموسًا”، مشيرًا إلى أن “ما حدث مؤخرًا داخل ليبيا من حملات أمنية ربما دفع بعض المهاجرين إلى الاختفاء مؤقتًا عن الأنظار أو تغيير مسارات تحركهم، لكنه لم يؤدِّ إلى تراجع فعلي وحقيقي في أعدادهم الإجمالية”.

تصنيف المهاجرين في ليبيا.. ثلاثة أنماط مختلفة

وفي تحليل دقيق لواقع المهاجرين داخل ليبيا، أوضح الغديوي أن “ليبيا لا تزال تمثل دولة عبور رئيسية للمهاجرين، إذ أن هناك فئة تصل إلى الأراضي الليبية وهي تمتلك الأموال اللازمة لمواصلة رحلتها سريعًا نحو أوروبا، بينما تضطر فئة أخرى إلى البقاء والعمل داخل ليبيا لفترة من الزمن من أجل توفير تكاليف العبور، في حين تستقر فئة ثالثة مؤقتًا بعد فشل محاولاتها للوصول إلى أوروبا، مما يخلق مشهدًا هجينًا ومعقدًا يصعب حصره في تصنيف واحد”.

البعد الاقتصادي والتمييز بين العمالة الماهرة وغير الماهرة

وفي ما يتعلق بالجانب الاقتصادي، شدد الغديوي على “ضرورة التمييز بدقة بين العمالة الماهرة والعمالة غير الماهرة”، موضحًا أن “العمالة الماهرة تضيف قيمة حقيقية للاقتصاد من خلال تقديم خدمات ومهن متخصصة يحتاجها السوق المحلي، بينما يرى أن الجزء الأكبر من العمالة غير الماهرة يمثل عبئًا اقتصاديًا إضافيًا على الدولة إذا لم يكن منتجًا بشكل فاعل، مما يستدعي سياسات هجرة واضحة تنظم هذا الجانب”.

خلاصة المشهد.. أرقام قابلة للجدل وواقع يحتاج إلى مقاربة شاملة

في المحصلة، يبقى ملف الهجرة غير النظامية في ليبيا واحدًا من أكثر الملفات تعقيدًا وتشابكًا، حيث تتداخل فيه الاعتبارات الأمنية مع السياسية والإنسانية والاقتصادية، وسط غياب للأرقام الدقيقة والموثقة، وتباين في الروايات بين الأوروبيين والليبيين.

فبينما ترى المفوضية الأوروبية أن الأرقام تشير إلى تراجع ملموس، يصر خبراء ليبيون على أن المشهد أكثر تعقيدًا من أن يختزل في بيانات غير مكتملة، مؤكدين أن ليبيا ظلت وستظل لاعبًا محوريًا في معادلة الهجرة بين أفريقيا وأوروبا، وأن الحلول الجذرية تتطلب مقاربة شاملة تضع حدًا للأحادية في التعامل مع الملف، وتعيد التوازن إلى العلاقة بين الجانبين بما يضمن المصالح المشتركة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى