ليبيا

طرابلس على صفيح ساخن: “جمعة الغضب” تلوح في الأفق ودعوات لإدارة شعبية تطيح بحكومة الدبيبة

الحجازي يحذر من تدويل الأزمة: ليبيا تتحول لساحة لتصفية الحسابات الروسية الأوكرانية وحكومة الدبيبة تراهن على الدعم الأوروبي

 ليبيا 24:

ليبيا على مفترق طرق: حراك شعبي يهز أركان سلطة الدبيبة ويكشف هشاشة المشهد أمام فوهة بركان الغضب

تتجه الأنظار نحو طرابلس التي تستعد لموعد جديد مع الشارع، في مشهد يبدو أنه يتجاوز الاحتجاجات الروتينية ليحمل في طياته ملامح تحول جوهري في قواعد اللعبة السياسية.

فلم تكن الدعوات المتصاعدة للخروج يوم الجمعة في مظاهرات بطرابلس، والتي يتبناها محللون ونشطاء على رأسهم المحلل السياسي الدكتور خالد الحجازي، مجرد تعبير عن سخطٍ عابر، بل هي تتويجٌ لحالة احتقان شعبي بلغت نقطة الغليان، وأضحت معها الحكومة منتهية الولاية برئاسة عبد الحميد الدبيبة تواجه أخطر تحدٍ لوجودها، ليس من خصومها السياسيين فحسب، بل من الشارع الذي فقد ثقته تماماً في أي قدرة لها على إدارة الأزمة.

دوامة الخدمات وفضائح صحية تفجر الغضب

يصف المحلل السياسي الدكتور خالد الحجازي، عبر منشورات على صفحته الرسمية، المشهد الليبي الراهن بعبارة واحدة بليغة: “طفح الكيل”.

وهو توصيف يختزل معاناة يومية يعيشها المواطن الليبي الذي لم يعد يطيق صبراً على انقطاعات الكهرباء المزمنة، وشح الوقود، وأزمة السيولة المصرفية الخانقة، في تناقض صارخ مع تصريحات حكومية تتحدث عن صرف مليارات على قطاع الكهرباء دون أن يلمس المواطن أي تحسن على أرض الواقع.

الأكثر صدمةً وخطورة، ما كشف عنه النائب العام من استخدام مواد مسرطنة في تسميد الخضراوات والفواكه، في فضيحة صحية هزت أركان الثقة في كل مؤسسات الدولة، وساهمت بشكل مباشر في ارتفاع معدلات الإصابة بالسرطان بين الليبيين الذين يضطر كُثرٌ منهم للبحث عن العلاج في دول الجوار.

هذه الصورة القاتمة تدفع الحجازي لطرح سؤال بات يتردد في كل بيت ليبي: أين تذهب هذه المليارات؟ ولماذا تغيب الرقابة عن مؤسسات الدولة بهذا الشكل المروع؟

مليتة: الامتحان الذي كشف أولويات الدبيبة

في تطور لافت ومثير للجدل، قامت مجموعة من الشباب الغاضب باقتحام مجمع “مليتة” النفطي ووقف ضخ الغاز إلى إيطاليا، في احتجاج رمزي على استمرار تصدير ثروة البلاد بينما يعاني الليبيون من أزمة طاقة حادة في منازلهم ومستشفياتهم.

هنا، كان رد فعل حكومة الدبيبة كاشفاً بامتياز عن أولوياتها الحقيقية. فبينما يُغلق شباب آخرون مصالح حكومية تمهيداً لعصيان مدني، لم يحرك رئيس الحكومة ساكناً.

ولكن، وبمجرد أن تعلق الأمر بتوقف إمدادات الطاقة إلى الشريك الإيطالي، سارع الدبيبة على الفور إلى إرسال قواته لفك الحصار وإعادة ضخ الغاز.

يرى الحجازي في هذا السلوك دليلاً دامغاً على أن الدبيبة لم يتحرك خوفاً من غضب الليبيين، بل خوفاً من إغضاب الحكومة الإيطالية.

 ويمضي المحلل السياسي إلى التأكيد أن استمرار التصدير رغم الأزمة الداخلية ليس سوى تنازلات سياسية تقدمها حكومة فاقدة للشرعية لضمان دعم دولي يبقيها في السلطة، مؤكداً أن هذه الحكومة سقطت قولاً واحداً في نظر الشعب الليبي.

ويزيد بأن أي حكومة وطنية حقيقية كان أول قراراتها هو وقف التصدير فوراً لحين تلبية احتياجات المواطنين، إلا أن المشكلة تكمن في أن أغلب من تولوا الحكم منذ عام 2011 تحوم حولهم شكوك الولاءات السياسية.

أوكرانيا تفتح جبهة في ليبيا: صراع إقليمي على حساب السيادة

لم يتوقف تحليل الحجازي عند حدود الأزمة الداخلية، بل كشف عن بعد إقليمي بالغ الخطورة يهدد الأمن القومي الليبي، والمتمثل في تدخل أوكرانيا في الشأن المحلي.

ووفقاً له، فإن الحرب الروسية الأوكرانية امتدت لتجد لها ساحة قتال جديدة في ليبيا، التي باتت منصة لاستهداف المصالح الروسية.

وتابع أن أوكرانيا، بتوجيهات أوروبية، باتت تدعم الإرهاب في ليبيا وأفريقيا ليس من أجل الاستقرار، بل إلحاقاً للضرر بالمصالح الروسية، عبر دعمها لجماعات انفصالية في الجنوب، وتزويد الدبيبة بالخبراء والطائرات المسيرة.

هذا التدخل الخارجي الفج، الذي يثيره الحجازي بقوة، يحول ليبيا إلى مسرح لصراعات لا تعني الليبيين في شيء، ويحمل حكومة الدبيبة مسؤولية الزج بالبلاد في هذه المتاهة الخطيرة.

وفي ذات السياق، يعيد الحجازي فتح ملف التعامل مع المحكمة الجنائية الدولية، متسائلاً عن سبب إصرار حكومة الدبيبة على تسليم الليبيين لمحكمة خارجية رغم عدم توقيع ليبيا على نظام روما الأساسي، في حين أن دولاً كبرى ترفض التعامل معها، واصفاً حادثة تسليم “متهم لوكربي” بأنها هدية قدمتها هذه الحكومة “العميلة” للأميركيين، ومستعدة للتضحية بالشعب الليبي كله من أجل البقاء في السلطة.

“الإدارة الشعبية”: بديل حضاري لحماية الوطن

في مقابل هذا المشهد القاتم، يقدم المحلل السياسي مبادرة بديلة للحراك، ساعياً لتوجيه الغضب الشعبي نحو أفق بناء. وحث الحجازي جميع المتظاهرين على الالتزام بسلمية الحراك، محذراً من الانجرار لإغلاق المرافق الحيوية التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر كالمستشفيات والبنوك ومحطات الكهرباء والماء.

وفي دعوته التي أطلق عليها مسمى “الإدارة الشعبية”، أوضح أن هدف أي حراك وطني يجب أن يكون حماية الشعب لا زيادة معاناته.

هذه المبادرة، كما يشرح، تقوم على مبدأ استمرار مؤسسات الدولة في خدمة المواطنين، عبر استبدال الإدارات الفاسدة والفاشلة بشخصيات وطنية مشهود لها بالكفاءة والنزاهة، تتولى إدارة هذه المرافق بصورة مؤقتة.

ويؤكد أن نجاح الحراك لا يُقاس بحجم الإغلاق أو التعطيل، بل بقدرته على تقديم نموذج حضاري يبرهن أن التغيير يمكن أن يكون مسؤولاً ومنظماً، مطالباً كل من تحوم حوله شبهات فساد بالتنحي والبقاء في منزله لحين فتح ملفات التحقيق.

طريق الخلاص: رؤية من أربع مراحل

يختتم الحجازي رؤيته بالإشارة إلى أن الحل الوحيد للأزمة الليبية يمر بأربع مراحل أساسية، تبدأ من مصالحة وطنية شاملة تجمع كل الأطراف، مروراً بتوحيد الحكومة والجيش والشرطة في مؤسسة واحدة تعبر عن السيادة الوطنية، وصولاً إلى وقف التدخل الأجنبي بكل أشكاله.

ويدعو إلى توعية الشعب بخطورة مؤسسات المجتمع المدني التي قال إنها تخترقها أجهزة مخابرات أجنبية لزرع الفتن.

وفي معرض رده على ما يقال عن رفض أهالي مصراتة للحل الوطني، أوضح أن هناك شخصيات وطنية من داخل المدينة ترفض الوضع الحالي، لكن أصواتها مغلوبة على أمرها من قبل من يحملون السلاح، مختتماً بالدعوة إلى أن تنغلق ليبيا على نفسها لحين حل مشكلاتها الداخلية، لتنفتح لاحقاً على العالم من موقع قوة لا من موقع الضعف والتبعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى