النفط يسجل أقوى أداء شهري وسط تصاعد مخاطر الإمدادات
توترات هرمز والبحر الأحمر تدفع الأسواق لتوقع مزيد من الارتفاعات

شهدت أسواق النفط العالمية، الجمعة، موجة صعود جديدة عززت مكاسبها الشهرية، في ظل تصاعد المخاوف بشأن أمن إمدادات الطاقة العالمية مع استمرار التوترات العسكرية في الخليج والبحر الأحمر، ما دفع الأسعار إلى تسجيل أحد أقوى أدائها الشهري منذ سنوات، وسط توقعات باستمرار الضغوط على السوق خلال الفترة المقبلة.
وارتفعت أسعار النفط بأكثر من 1% خلال تعاملات اليوم، بعدما أعلنت إيران اعتراض سفينتين حاولتا مغادرة مضيق هرمز، إلى جانب تأكيدها عودة أربع ناقلات أخرى، في خطوة أعادت المخاوف بشأن تعطل أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، رغم عدم وجود تأكيدات مستقلة للرواية الإيرانية.
ويأتي ذلك بينما تتجه العقود الآجلة لخام برنت لإنهاء شهر يوليو على مكاسب تقارب 23%، مدفوعة بتزايد المخاطر الجيوسياسية، وتراجع الثقة في استقرار حركة الملاحة البحرية، فضلاً عن توقعات عدد من المؤسسات الاقتصادية باستمرار ارتفاع الأسعار خلال الأشهر المقبلة إذا استمرت التوترات الحالية.
أداء شهري يعكس علاوة المخاطر
يعكس الأداء الشهري القوي لأسعار النفط انتقال السوق من مرحلة التركيز على أساسيات العرض والطلب إلى تسعير ما يعرف بـ”علاوة المخاطر الجيوسياسية”، إذ باتت التطورات الأمنية في مضيق هرمز والبحر الأحمر عاملاً رئيسياً في تحديد اتجاه الأسعار.
ورغم استمرار مرور بعض ناقلات النفط عبر المضيق، أظهرت بيانات شركة “كبلر” عبور عدد محدود من السفن، في حين تبقى حركة الملاحة أقل من مستوياتها الطبيعية، خاصة مع استمرار القيود الإيرانية على مرور معظم سفن الشحن منذ اندلاع الحرب قبل خمسة أشهر، بالتزامن مع تهديدات الحوثيين للملاحة في مضيق باب المندب.
كما ساهم الهجوم الذي استهدف سفينتين داخل ميناء دمياط المصري، رغم غياب إعلان رسمي عن الجهة المنفذة، في زيادة حالة القلق داخل أسواق الطاقة، باعتباره مؤشراً على اتساع نطاق المخاطر إلى مناطق كانت تُعد أكثر استقراراً.
الأسواق تترقب مسار الأزمة
على الصعيد السياسي، لم تشهد الساعات الأخيرة تصعيداً عسكرياً أمريكياً جديداً ضد إيران، إلا أن التصريحات الصادرة عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حملت رسائل متباينة، إذ أبدى تفاؤلاً بإمكانية التوصل إلى اتفاق، قبل أن يوجه انتقادات حادة للقيادة الإيرانية ويتوعدها بمزيد من الضغوط، في وقت تتواصل فيه المحادثات الدبلوماسية بمشاركة مسؤولين أمريكيين بارزين.
في المقابل، أكدت السلطات الإيرانية أن عبور مضيق هرمز لا يزال غير ممكن في ظل ما وصفته باستمرار العمليات العسكرية الأمريكية، مشيرة إلى أن استئناف حركة الملاحة سيخضع لمراجعة تدريجية بعد استعادة الاستقرار.
وفي موازاة ذلك، اتسعت رقعة المواجهة البحرية مع استمرار الهجمات على خطوط الملاحة في البحر الأحمر، الأمر الذي دفع سوق التأمين البحري إلى توسيع المناطق المصنفة عالية المخاطر، فيما أعلنت السعودية مقترحاً لتشكيل تحالف دفاعي بحري متعدد الجنسيات لحماية الملاحة الدولية وإمدادات الطاقة.
وأظهرت بيانات الشحن تحويلاً متزايداً لصادرات النفط السعودية عبر البحر الأحمر وصولاً إلى قناة السويس وخط أنابيب سوميد، بينما أصبحت الشحنات المتجهة إلى الأسواق الآسيوية تواجه مسارات أطول عبر رأس الرجاء الصالح، بما يرفع تكاليف النقل ويزيد الضغوط على سلاسل الإمداد.
ورغم تداول مقترحات إقليمية لإدارة حركة الملاحة في مضيق هرمز، من بينها مبادرة عمانية تتضمن آلية لتنظيم العبور، فإن غياب توافق سياسي شامل يبقي مستقبل الإمدادات رهناً بالتطورات العسكرية والدبلوماسية.
وفي المحصلة، تكشف مكاسب النفط خلال يوليو أن الأسواق أصبحت أكثر حساسية للمخاطر الأمنية مقارنة بالعوامل التقليدية، إذ لم تعد الأسعار تتحرك فقط وفق مستويات الإنتاج أو الطلب العالمي، بل باتت تتفاعل بصورة مباشرة مع أي تهديد للممرات البحرية الحيوية. ويعني ذلك أن استمرار التوترات في الخليج والبحر الأحمر قد يدفع الأسعار إلى تسجيل مكاسب إضافية خلال الأشهر المقبلة، حتى في حال استقرار مؤشرات العرض والطلب، ما يضع الاقتصاد العالمي أمام تحديات جديدة تتعلق بتكاليف الطاقة والتضخم وأمن الإمدادات.



