في قلب العاصفة الاقتصادية الليبية: رؤية تقاطعية بين تحوط المخاطر وانهيار الدخل ومشاريع الإنقاذ
منير عصر يدعو لإنشاء "مرصد وطني للمخاطر" وتحذير من تداعيات "السياسة النقدية المنفردة" على انهيار القوة الشرائية
ليبيا 24
عصر: آن أوان إنشاء مجلس أعلى للطاقة وشركات استثمارية دولية لإنهاء “بيروقراطية الإدارة” و”اقتصاد الريع المحاسبي”
في تحليل معمق يرسم خارطة التحديات التي توقد جبهات الأزمة الاقتصادية الليبية من أكثر من زاوية، طرح منير علي عصر، وزير الاقتصاد والصناعة السابق، جملة من التصورات التي تتجاوز القراءة التقليدية للأزمة، ملامساً مربط الفرس في اختلال التوازن بين صانع القرار النقدي والمواطن الذي يتآكل دخله، وبين الطموحات التنموية الغائبة وإشكاليات الاقتصاد الريعي.
وجاءت تصريحاته التي حصل عليها موقع “ليبيا 24” لتشكل مادة خبريه متعددة الأبعاد، تمتزج فيها الرؤية الأمنية الاقتصادية بالتشخيص الاجتماعي القاسي.
نظام إنذار مبكر: مرصد وطني لإدارة المجهول
في مستهل رؤيته، أكد عصر أن الاقتصادات الحديثة لم تعد تواجه تهديداً أحادياً متمثلاً في الأزمات المالية الدورية، بل إن المشهد تعقد ليشمل تقلبات أسعار الطاقة، واضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، وتداعيات الكوارث الطبيعية، إضافة إلى الأوبئة والتغيرات الجيوسياسية المتسارعة والهجمات السيبرانية التي تستهدف البنى التحتية الحيوية.
في مواجهة هذه الجبهة العريضة من المخاطر المتشابكة، اقترح الوزير السابق تأسيس “مرصد وطني للمخاطر الاقتصادية” كمؤسسة استباقية لا تقف عند حدود رصد وتحليل المؤشرات المحلية والعالمية، بل تتولى مهمة إعداد تقارير دورية وإنذارات مبكرة تصل إلى صناع القرار، لتمكنهم من اتخاذ إجراءات وقائية واحترازية قبل تفاقم الأزمات.
وشدد على أن دور هذا المرصد ينبغي ألا يختزل في جمع البيانات فحسب، بل يمتد ليشمل إعداد سيناريوهات مستقبلية معقدة، وقياس أثر المخاطر على مختلف القطاعات الاقتصادية، واقتراح البدائل والحلول العملية، بما يرفع من جاهزية الدولة ويعزز قدرتها على الاستجابة السريعة.
واختصر فلسفة هذا التوجه بالقول إن “نجاح الاقتصادات اليوم لا يقاس فقط بقدرتها على تحقيق النمو، بل بقدرتها على التنبؤ بالمخاطر وإدارتها قبل وقوعها، فإدارة الأزمات تبدأ قبل الأزمة لا بعدها”.
انهيار القوة الشرائية: حين يصبح خط الفقر العالمي سقفاً صعب المنال
وفي نقلة حادة من الاقتصاد الكلي إلى وجع المواطن اليومي، استخدم عصر صورة بلاغية قاسية لوصف الاختلال الحاصل في الأولويات النقدية، متسائلاً “متى نفهم أن العربة وراء الحصان وليس أمامه؟”.
وانتقد بعبارات لاذعة السياسة النقدية الحالية، معتبراً أن ارتفاع سعر الدولار وما أسماه “تعويم الدينار بقرار فردي من المحافظ” قد قاد إلى انهيار الدخول وتآكل القوة الشرائية للمواطن بشكل كارثي.
وأوضح أن السخرية تكمن في محاولات البعض المقارنة بأسعار تستند إلى سعر دولار وصفه بـ “غير الحقيقي ولا المنطقي”، حيث يروج لانخفاض الأسعار بمرتكزات وهمية.
وفي تشريح ميداني لعمق المأساة، أعاد عصر التذكير بأن خط الفقر العالمي البالغ قرابة مئتي دولار للفرد شهرياً، يعادل ما يقارب ألفاً وسبعمئة دينار، وهو دخل لا يتحصل عليه حتى الموظف الخريج الجامعي، ناهيك عن أسرة مكونة من خمسة أفراد. هذا التشخيص الأمني الاجتماعي يضع علامة استفهام كبرى حول استدامة السلم الأهلي في ظل هذه الفجوة التضخمية التي تضرب جوهر الطبقة الوسطى.
السياسة النقدية خارج النص: مهمة منسية ومخاطر غير مؤمنة
في معرض نقده الأكثر حدة، وجه عصر اتهاماً مباشراً للسياسة النقدية بأنها “ارتكبت جريمة لا تغفر”، حين “نست أو تناست مهامها” الأصلية وأقحمت نفسها كموظف في دهاليز السياستين المالية والتجارية.
وحذر من أن هذا التمادي والانحراف عن المسار الوظيفي سينعكس على أدائها بمخاطر وصفها بـ “صعب معالجتها”.
ولم تقف التحذيرات عند حدود التخصص الوظيفي، بل امتدت إلى جوهر أمن المعاملات المالية للدولة، حيث طالب بضرورة التفريق بين المحاسب المحلي الذي لا يوجد تأمين على معاملاته سوى آلية خصم ربع مرتبه وملاحقته جنائياً بالقانون، وبين مكاتب المحاسبة العالمية الكبرى المؤمن على مسؤوليتها التقصيرية والخطأ بمبالغ مالية هائلة تؤمن أي معاملة مالية ونقدية، وتمتلك أسماء وسمعة تجارية تفوق قيمتها مئات أضعاف أي معاملة قد تمر بها الدولة الليبية.
قطاع طاقة معزول عن البيروقراطية وإنهاء اقتصاد الأسمنت
على صعيد السياسات الهيكلية، دعا عصر مجلس النواب إلى ضرورة الاعتماد الفوري على طرق ومواد بناء حديثة واقتصادية ومقاومة للحرارة والبرودة والمتغيرات الجوية، منتقداً الجمود على البناء الأسمنتي والحديدي “بتكلفة عالية جداً وغير ملبية للرفاهية واشتراطات الجودة العالمية”.
وفي خطوة تشريعية طموحة، طالب بتأسيس وإنشاء مجلس أعلى للطاقة يتبع أعلى سلطة في الدولة بعيداً عن قبضة مجلس الوزراء، على أن يختص بشؤون الطاقة النفطية والغاز والكهرباء والطاقة الشمسية وطاقة الرياح، مستنداً إلى قوانين خاصة مستمدة من أفضل التجارب العالمية وأحدث تقنياتها.
العصيان المدني في دولة الريع: ضرب للجيب الفارغ
وعرجت الرؤية على الاحتجاجات الشعبية وأساليبها، متسائلة عن جدوى العصيان المدني وقطع الكهرباء والوقود وإغلاق الشوارع في “دولة ريعية لا تعمل بالربح الاقتصادي وإنما بالربح المحاسبي”.
وجوهر السؤال هنا، بحسب عصر، هو هل المتضرر من هذه العصيان هو الحكومة أم المواطن البسيط الذي يصارع أعباء الحياة اليومية ويدفع تكاليف إضافية لزيادة أسعار التجار؟ ووصف هذه الزيادات بأنها تنقسم إلى “مبرر” ناتج عن ارتفاع تكلفة الوقود والكهرباء في سوق أطلق عليها “أسعار تجار الحرب”، وليس مجرد سوق سوداء، وقسم آخر ناتج عن الجشع.
وفي إشارة إلى التناقض الاجتماعي، أشار إلى أن الجميع يردد مقولة “البلاد خربت وضاعت”، بينما تجدهم في المساجد يتزاحمون على الحج والعمرة.
شركات استثمارية دولية: شراكة لضرب المحسوبية
واختتم وزير الاقتصاد السابق رؤيته بدعوة استراتيجية لتجاوز الجمود الإداري، مطالباً بإنشاء شركات استثمارية ضخمة مشتركة مع دول رائدة في الإنتاج الزراعي والحيواني مثل هولندا ونيوزلندا وأستراليا.
واشترط عصر أن تكون هذه الشركات مشتركة مع كيانات عالمية كبرى، ليس فقط لنقل المعرفة، بل لضمان ألا تكون الإدارة “بيروقراطية إدارية مقيتة” تقوم على الوساطة والمحسوبية، لأن الطرف الأجنبي المستثمر لن يقبل بهذا المنطق.
وحدد أن هذه الاستثمارات يجب ألا تقتصر على الأرض والإنتاج، بل تتضمن نسباً محددة ومتفقاً عليها من العمالة الفنية والإدارية والهندسية المحلية، تلتزم الشركة المستثمرة بقبولها وتأهيلها وتدريبها لضمان نقل الخبرة وبناء الكوادر الوطنية.



