بين “قرار شجاع” و”خيانة للمودعين”.. صمت المحافظ يفجر غضباً شعبياً والاختراق يهدد عرش “المركزي”
تكالة يرفض استقالة عيسى.. و"الفضيل" يحذر: فاتورة المحروقات تلتهم الاحتياطي والسماء صارت سقفاً للدولار
ليبيا 24
فيما كان الشارع الليبي يترقب بقلق مصير استقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي، ناجي عيسى، التي هزت أركان الاقتصاد المنهك، جاء الرد الأول من أعلى هرم المجلس الأعلى للدولة.
رئيس المجلس، محمد تكالة، خاطب المحافظ مباشرة مطالباً إياه بالاستمرار في أداء مهامه “لضمان استمرارية عمل المصرف دون أي انقطاع، والحفاظ على الاستقرار المالي والاقتصادي والسياسي، والتركيز على ضبط الإنفاق العام ومنع أي تجاوزات في النقد الأجنبي، إلى حين النظر في طلب استقالته والبث فيها وفقا للقواعد والإجراءات الدستورية والقانونية”.
هذا الإجراء الاحترازي، الذي يهدف لمنع انهيار فوري، لم ينجح في إخفاء الصورة الحقيقية التي كشفت عنها تصريحات أعضاء المجلس وخبراء الاقتصاد: إنها ليست مجرد استقالة، بل شهادة وفاة لسياسات الإنفاق المنفلت التي تنتهجها حكومة الدبيبة، وسقوط مدوٍ لمؤسسة فقدت استقلالها لصالح لوبيات الفساد والمليشيات.
ضغوط لا تُحتمل واتفاق تمزق
عضو مجلس الدولة، سعيد ونيس، الذي كان من أوائل من تحدثوا عن الاستقالة، عاد ليؤكد أن المجلس “اتفق مع رئاسة المجلس على رفض قبول الاستقالة، واستمرار المحافظ في عمله والتشاور مع مجلس النواب بالخصوص”. لكن ونيس، في تحليله العميق، وضع الإصبع على الجرح الغائر الذي ينزف بسببه الاقتصاد الليبي، قائلاً: “اجتمعت عوامل شكّلت ضغوطًا متزايدة على المحافظ، وأجبرته في نهاية المطاف على طلب إعفائه من رئاسة المجلسين”.
ومن بين تلك العوامل، بحسب ونيس، “الزيادة العشوائية للمرتبات، والضغط لتجنّب الالتزام بمبدأ الإنفاق الموحد، وتدني الإيرادات النفطية، ويضاف إلى ذلك الاستحواذ على المصارف التجارية وجمعياتها العمومية، وفرض مجالس إدارات دون الرجوع إلى المركزي”.
هذا الإجبار، الذي يصفه ونيس، يضع حكومة الدبيبة في قفص الاتهام بشكل مباشر، فهي صاحبة المصلحة الأولى في الانفاق الموازي خارج عين الرقيب، وهي المستفيد الأكبر من السيطرة على مجالس إدارات المصارف المستحوذ عليها بذراعها التنفيذية.
المجلس يتحدث عن “الابتزاز” ومحاولات الإصلاح المحبطة
لم تكن شهادة عضو المجلس الأعلى للدولة، علي السويح، أقل وضوحاً. قال السويح لـ”صفر”: “محافظ المصرف المركزي فاجأ المجلس، وكان عليه أن يوضّح الأسباب لطلب الاستقالة”.
وأضاف أن المجلس رفض الاستقالة لحين فهم الأسباب، لكنه كشف عن العلة الحقيقية: “نرى أن سبب الاستقالة راجع للضغوط والابتزاز الكبير الذي تعرض له المحافظ ما منعه من أداء مهامه، خاصة الإنفاق الكبير جدا لحكومتي الشرق والغرب”.
وأوضح السويح أن المحافظ “حاول قدر المستطاع إصلاح السياسة المالية، ونفذ إصلاحات جيدة، خاصة في الدفع الإلكتروني، لكن الأطراف خرقت اتفاق التنمية والميزانية الموحدة!”.
الخلاصة التي ساقها السويح كانت قاسية: “في ظلّ هذا الإنفاق الضخم وخرق الاتفاق، لم يستطع المحافظ الحفاظ على الاحتياطي أمام زيادة الإنفاق التي تجاوزت الإيرادات النفطية”.
إنها شهادة موثقة على أن حكومة الدبيبة التي تنفق بلا حسيب، هي من دفعت بالمحافظ إلى هذا القرار، بعد أن التهمت الاحتياطي وأغرقت الاقتصاد في دوامة العجز.
“جرس إنذار بالدخول في النفق المظلم”
في هذا السياق الكارثي، خرج أستاذ الاقتصاد بجامعة مصراتة، عبد الحميد الفضيل، بتصريحات هي الأدق والأكثر رعباً.
قال الفضيل: “إعلان ناجي عيسى استقالته صراحة ودون ذكر الأسباب ‘لحساسيتها’ ليس مجرد انسحاب إداري بل هو جرس إنذار صريح بالدخول في النفق المظلم الذي حذرنا منه”.
وأوضح الخبير الاقتصادي أن الاستقالة تقف خلفها أسباب خطيرة، من بينها “انفلات الإنفاق المزدوج والانهيار الكامل لوعود توحيده، وارتهان جانب من السياسة النقدية للضغوط والتعليمات السياسية والأمنية”.
ثم يفجر الفضيل القنبلة بالأرقام: “النزيف الحاد للإيرادات النفطية جراء القفزات القياسية لتكلفة واردات المحروقات التي بلغت في يونيو 1.41 مليار دولار، بالتوازي مع تهريب وتصدير النفط الخام”.
ويكشف عن الكارثة الصامتة: “التآكل المتسارع للاحتياطيات بتفاقم عجز النقد الأجنبي ليتجاوز 24.8 مليار دولار خلال عامين ونصف فقط” ليصل إلى النتيجة الحتمية: “المحافظ وصل أخيرا لقناعة بأن استمرار هذا الوضع يجعل السماء هي الحد الوحيد لارتفاع سعر الصرف وانخفاض القوة الشرائية للدينار وتدني الاحتياطيات”.
وبينما أشاد الفضيل بقرار الاستقالة، وجه نقداً لاذعاً لصمت المركزي، محملاً إياه مسؤولية عدم تبيان حقيقة الوضع المالي للدولة.
“قرار شجاع” في زمن الرداءة
في منحى آخر، دافع السفير الليبي السابق لدى أوكرانيا، عادل عيسى، عن المحافظ بقوة، قائلاً: “بغض النظر عن أسبابها والتي هي معتبرة بكل تأكيد، فإن الاستقالة في حد ذاتها قرار شجاع وتحمل قدرا كبيرا من المسؤولية.
إن وصول مسؤول إلى أعلى منصب رفيع ثم تقديم استقالته هو موقف يستحق التقدير والاحترام مهما كانت حساسية الظرف وتعقيداته”.
وأضاف السفير: “نحترم هذا القرار الشجاع رغم حساسية الموقف وانعكاساته المحتملة على الاقتصاد الوطني وسوق العملة الصعبة”.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل كانت الشجاعة في الاستقالة أم في مواجهة لوبيات الفساد طيلة الفترة الماضية قبل أن يصل الدينار إلى ما هو عليه اليوم؟
القشة التي قصمت الظهر.. شهادة من الداخل
أما الإعلامي المقرب من دوائر المركزي، ناظم الطياري، فقد قدم شهادة تفصيلية عن اللحظة التي انكسر فيها كل شيء.
قال الطياري: “كنّا متفائلين ببدء صرف الدولار نقدا ونجاح المركزي في خفص سعر صرفه إلى 7.7، واتفاق الميزانية الموحدة لضبط الإنفاق المنفلت”.
لكن الصدمة حين سحبت مليارات الدولارات المعروضة شهريا مثل ‘ثقب أسود’، حتى أنّ بند فاتورته أتى على أكثر من نصف الميزانية!”.
وأكد الطياري أنه نصح المحافظ سابقاً بالاستقالة، “لأنّ من الصعب إنقاذ الدينار في دولة منقسمة وإنفاق منفلت لا يتوقف، ومسؤولين لا يبالون بانهيار الاقتصاد والدينار!”.
هذه الشهادة المباشرة تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن حكومة الدبيبة، بطرفيها السياسي والمالي، هي من أفشل اتفاق الميزانية الموحدة، وهي من فتح شهية الإنفاق بلا سقف.
المحافظ “المتهم”.. والمصرف “المُخترق”
لكن صورة المحافظ لم تكن كلها بيضاء في عيون المحللين ففي هجوم لاذع، وجه المحلل الاقتصادي علي المحمودي اتهامات مباشرة للمحافظ بأنه “كذب على المواطنين وساهم في سرقة مدخراتهم، واعتمد على الحملات الإعلامية لا التصريحات النقدية المتّزنة”.
وقال المحمودي إن “ناجي عيسى حوّل المركزي لمصرف تجاري وتجاهل آراء الخبراء الاقتصاديين وتماهى مع حجم الإنفاق الكبير، وغضّ الطرف عن تغوّل رجال أعمال في تملّك المصارف التجارية”.
هذه الاتهامات تضع تصرفات المحافظ في سياق التواطؤ أو العجز الكامل أمام تغول رجال أعمال على علاقة وثيقة بمراكز النفوذ السياسي، وفي مقدمتها بيئة حكومة الدبيبة.
كما كشف المحمودي عن كارثة إضافية بقوله: “المركزي يعمل اليوم بمنظومات بديلة نتيجة الاختراق الذي حدث في بداية يونيو الماضي وتكتّمه التام عن حجم الاختراق.
المركزي يعمل بنقص كبير في الكفاءات، حيث توجد إدارات دون مديرين، ومديرون دون نواب، في ظلّ وحملة إقصاء كبيرة للكفاءات”.
هذا الاختراق المعلن يفسر جزءاً كبيراً من حالة الفوضى، ويطرح أسئلة عن الأطراف الأمنية والسياسية التي تقف وراءه، مستفيدة من غياب دولة تحتكر القوة.
منصات التواصل تشتعل: “انتفاضة” ضد الصمت الرسمي
أمام هذا المشهد الضبابي، لم يعد الشارع الليبي يتحمل “حساسية الأسباب” التي يتذرع بها المسؤولون لإخفاء الحقيقة.
الناشط السياسي طه حديد طالب المحافظ “بإخطار الشعب بوضع المصرف المركزي وإيضاح أسباب استقالته، باعتبارها شأنا عاما وليس خاصًا كي يكتفي المجتمع بعذر ‘حساسية الأسباب'”.
هذا المطلب عبر عنه ملايين الليبيين الذين يرون مدخراتهم تذوب، وتجسد في تعليق غاضب لأحدهم روى قصة المستثمر الصغير الذي عاد من الخارج ليجد أن الدولار الذي باعه بسبعة دنانير صار بعشرة، ليقول بمرارة: “يعتبره قلب وراح، يعتبره قصر جراح واتهد على اللي بانيه”.
وأضاف آخر: “بلاد عجيبه… يفكنا الله من سوّ لصوصها، واللي توجعك المسكين اللي خسر راس ماله… خسر عشان عيال عم وخالة وأخت المسؤول قرروا يضاربوا بالعملة ويديروا صفقات وهمية يستوردوا من خلالها ‘الهواء’ ويبيعوه في شيّش!”.
ريم البركي: “تبًّا لكم.. لن نخدع أهلنا”
الإعلامية ريم البركي أطلقت صرخة مدوية عبر منصتها، قالت فيها: “لكل من دافع عن ناجي عيسى… لكل من شكّك في نوايانا… لكل من سخر من قراءتنا وتحذيراتنا: تبًّا لكم. نحن لا نبيع ذممنا ولو كان الثمن غاليًا… لا نقول للناس: بيعوا دولاراتكم واحتفظوا بمدخراتكم بالعملة المحلية، بينما يستفيد تجار الاعتمادات ويدفع أهلنا وحدهم ثمن الخسارة”.
ومضت تقول: “فليشهد الله أنني كنت ضد سياسة ناجي عيسى منذ اللحظة الأولى، وسأظل ضد أي سياسة اقتصادية لا تراعي عوز الناس، وتعب الشباب، ومدخرات العجائز، وحق الليبي البسيط في ألا يصبح هو وحده من يدفع ثمن مغامرات الآخرين.
أما المرتشون، وأصحاب الأقلام المأجورة، ومن يبيعون ضمائرهم ثم يتحدثون إلينا عن الوطنية والمصلحة العامة: خسئتم”.
هذا الخطاب الشجاع يعبر عن قطاع واسع من الليبيين الذين رأوا في سياسات المحافظ وتغاضي حكومة الدبيبة عن نهب المال العام وجهين لعملة واحدة.
حصاد الفشل: بين “السفاح” ورصاصة الرحمة
تعليق آخر لخص الحالة بعبقرية المأساة الليبية حين غرد أحدهم قائلاً: “السفاح، بشجاعته منقطعة النظير -بعد مسيرة الفشل العظيمة- ‘لوحلنا الإستقالة على وجوهنا’ في ستين داهية… لكن من يملك شجاعة في هذا البلد لمحاسبته؟ لا أعتقد… بل أعتقد أنه سيتم تعينه سفير هنا أو هناك لمكافئته على سحق قيمة الدينار مقابل الدولار”.
ثم وضع الخيارين المريرين أمام الشعب: “إما الإبقاء عليه بشروطه وأبرزها تخفيض قيمة الدينار مجدداً 14% تقريباً، أو أن يستلم ‘جيعان’ آخر المنصب، إمعه جديد، يستطيع وجهه أن يتحمل تخفيض قيمة الدينار، فيتم إطلاق رصاصة الرحمة عليه ويترك الشعب يواجه الفقر”.
هذا التحليل القاتم ليس مبالغة، خصوصاً بعد أن أكد المحلل فيصل الشريف أن “الاتفاق بشأن الميزانية التنموية تم اختراقه”، محذراً من أن “فقدان السيطرة على الإنفاق في ظل شُح الواردات جراء الهدر المنفلت سيربك المركزي وهو ما سينعكس على قيمة الدينار الليبي”.
أما رئيس المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان، أحمد حمزة، فقد انتقد إخفاء المركزي لقيمة الإيرادات، متهماً عيسى بأنه “ضرب معايير الشفافية والنزاهة والإفصاح بعرض الحائط” و”غير قادر على مجابهة ‘لوبيات’ الفساد والمستفيدين من الاعتمادات المالية”.
النهاية: مرض خطير يحتاج لوقفة جادة
الخبير الاقتصادي علي الشريف اختتم المشهد بالدعوة إلى الوقفة الجادة، محذراً من أن “ارتفاع سعر الصرف ليس المشكلة بحد ذاته، وإنما مؤشر على مرض اقتصادي خطير قد يستفحل إذا تأخرت المعالجة.
المطلوب وقف التوسع في الإنفاق العام والحد من الهدر، مع معالجة الانخفاض غير المبرر في الإيرادات”، إنها دعوة لا تجد آذاناً صاغية في حكومة لا تملك شرعية ولا تملك رؤية.
فالمركزي المخترق، والإنفاق المنفلت، والضغوط الأمنية، كلها عناوين لفشل حكومة الدبيبة التي تقف اليوم متفرجة على انهيار الدرع الأخير للاقتصاد الليبي، بينما يدفع المواطن وحده الثمن: فقراً غذائياً، وديناراً بلا قيمة، ووطناً بلا سلطة تحميه.


