ريم البركي: لن تقوم لليبيا قائمة دون استئصال الإرهاب.. والقيادة العامة صمام الأمان
باحثة تنتظر القصاص من القتلة وتستذكر المشير الذي لم يخذل
ليبيا 24
البركي: لا تهاون مع الإرهاب ومكان المتطرفين تحت الأرض
في تدوينة خرجت من قلب الوجع الليبي وأعادت لذاكرة الجموع سرداب الرعب الذي ظنوا أنهم طووه إلى الأبد، فتحت الباحثة في شؤون الأمن والهجرة الدكتورة ريم البركي نافذة على جرح لم يندمل، مستخدمة لغة لا تعرف المواربة ولا تساوم على الدم.
التدوينة التي اجتاحت المنصات الاجتماعية لم تكن مجرد تعليق على هجوم إرهابي هز مدينة بنغازي ، بل كانت ميثاقاً شعبياً يرفض العودة إلى الوراء ويطالب بحد السيف قبل أن يواري الثرى جثمان الشهيد.
تحت الأرض وليس في السجون: صرخة في وجه التهاون
منذ كلماتها الأولى وضعت البركي حداً فاصلاً لا يقبل التأويل، مؤكدة أن أي تهاون مع الإرهابيين ومن دعموهم بالكلمة نهايته ظلام دامس. وشددت على استحالة عقد صفقات أو مصالحات أو إجراء حوارات مع أي متطرف، مضيفة بعبارة قطعت الطريق على كل محاولات الالتفاف: “المتطرفين مكانهم تحت الأرض.. حتى السجون لا تصلح بهم.
لن تخترعوا العجلة!”. ثم انتقلت من رفض التطرف إلى مطلب المواطن الذي استنفد صبره، قائلة إنها لا تنتظر بيانات إدانة بل تنتظر بياناً يوضح نوع المتفجرات وكميتها والطريقة التي تمكن بها المجرمون من تنفيذ عملهم الأخير.
ووضعت الحكومة والأجهزة الأمنية أمام مسؤولية مباشرة بقولها إنها تنتظر القبض على المتطرفين وكل من ساهم في هذا الأمر، وإصدار أحكام عاجلة وتنفيذ القصاص منهم قبل حلول عام من استشهاد الضحية، حتى يطمئن المواطن الذي اكتوى بنار الغدر مرات.
ذاكرة المفخخات والخوف: حين تعود الشوارع الموحشة
لم تكتفِ البركي بالمطالبة الإجرائية، بل استحضرت أطلس الألم الذي عاشه الليبيون خلال سنوات الحرب على الإرهاب في بنغازي وضواحيها، وكأنها تفتح دفتر صور محفوراً في الوجدان.
ذكرت المفخخات التي حولت الطرقات إلى فخاخ، والشوارع الموحشة التي كانت تفرغ من المارة بعد العصر، والقصف العشوائي الذي لم يفرق بين حجر وبشر، والمحال التجارية التي تغلق أبوابها مبكراً تاركة المدينة لشبح الخوف.
عددت الشوارع الكثيرة التي كان السكان يتجنبونها، والمنازل التي هجروها تحت ضغط القناصة، والأبناء الذين دفنوهم بدلاً من أن يزفوهم أعراساً.
ثم انتقلت إلى الانهيار المعيشي الذي رافق تلك الفترة: اليأس والخوف والجوع، وتلك الشركة التي منعت عنهم “الزبادي” عقاباً لأنهم وقفوا ضد الإرهاب، في إشارة موجعة إلى تداخل الاقتصاد بالجريمة.
وتابعت تستحضر الظلام الدامس الناتج عن انقطاع الكهرباء، والغاز الذي كان يغيب عن المنازل لأشهر، والفحم والحطب اللذين صارا بسعر الذهب، والخبز الذي كان مجرد اشتهائه حلماً.
في هذا الاسترجاع الحسي الكثيف زرعت البركي جرس إنذار يقرع في أذهان من ظنوا أن الأمن سلعة يمكن الاستهانة بها.
المشير حفتر الذي لم يسلم ولم يفاوض: صخرة بنغازي التي لم تنكسر
في أبلغ فقرات التدوينة التفتت الكاتبة إلى المشير خليفة حفتر، ليس بصيغة المديح المجرد، بل بمنطق العرفان القائم على مقارنة قاسية. قالت إنها تذكرت حفتر الذي لم يخذل، ولم يسلم، ولم يستسلم، ولم يفاوض، ولم يترك بنغازي خلفه بعد أن ائتمنته على مستقبلها وتاريخها.
وقارنت ذلك بصورة قاتمة لسيناريو بديل كان يمكن أن يحدث، حيث يرحل القائد إلى أي مكان يختاره وبأي ضمانات يختارها، تاركاً الأهالي وحدهم في مواجهة شخصيات وصفتها بأسماء محددة: وسام بن حميد وجلال والزهاوي و”أبو كلب” الليبي و”ابن كلب” الأجنبي.
بهذه التسمية المباشرة جردت البركي الرموز المتطرفة من أي غطاء، وجعلت من ثبات القيادة العامة جوهر الصمود الذي حال دون تحول المدينة إلى رهينة بيد الجماعات المسلحة.
كان واضحاً أن الرسالة تتجاوز الامتنان إلى التأكيد على أن الجيش الذي لم ينحن هو وحده القادر على ضمان ألا تعود تلك الوجوه لتروع الآمنين.
“أهم شيء الأمن والأمان”: من السخرية إلى صحوة الضمير
لكن التدوينة لم تخلُ من نقد لاذع ومؤلم للداخل الليبي نفسه. استرجعت البركي ما أسمته الهمز واللمز، ونكران الجميل، واعتياد النعمة، وعودة الناس إلى منازلهم في الفجر شيباً وشباباً ونساء دون أن يحمدوا الله على نعمة الأمن. ولفتت إلى أن الأعداء حولوا الأمن والأمان إلى مادة للسخرية والتندر، وجعلوا البعض يشعرون بأنها ليست أهم شيء في الحياة، مستخدمين عبارة “أهم شيء الأمن والأمان” بطريقة ازدراء في التعليقات.
ثم وجهت سؤالاً صاعقاً: “هل شعرتم فعلاً، بعد فاجعة أمس، أنها ’أهم شيء‘؟ هل أدركتم حقاً أهمية الأمن والأمان؟ هل استوعبتم حجم الكارثة الإنسانية والاقتصادية التي قد تلحق بنا إن استيقظنا فجأة على سيناريو المفخخات مجدداً؟”.
وأردفت موجهة حديثها إلى كل من عاش ليلة الرعب: “عندما تعود المياه إلى مجاريها قريباً، تذكروا هذه الليلة جيداً، وتذكروا السيناريوهات التي خيمت على مزاجكم… وعندما تعودون إلى منازلكم في الفجر آمنين، ابتسموا لأنكم عدتم إلى أهلكم بسلام بفضل المشير حفتر والجيش ورجال الأمن. اشكروا الله، وبطلوا وكال شوارب!”.
في هذا المقطع مزجت بين العتاب والوصية، محولة الأمن من قيمة مجردة إلى نعمة يجب أن تصان بالذاكرة والشكر لا بالتنكر.
الفرق بين الشرق والغرب في مواقف العزاء: معدن لا يصدأ
ولم تغفل البركي البعد السياسي الوطني، فضربت مثلاً بالغ الدلالة على الفارق بين معسكر الدولة ومعسكر الفوضى.
أشارت إلى أنه عندما غدر بالحداد سارعت القيادة العامة بتقديم العزاء، رغم مواقفه المخزية في حرب طرابلس ضد المرتزقة الأتراك والجماعات المتطرفة.
في المقابل، عندما استشهد اللواء فوزي المنصوري لم تقدم العصابات الحاكمة في الغرب الليبي أي تعزية. ثم اختصرت الجوهر بعبارة: “وهذا الفرق بيننا وبينهم”.
انطلاقاً من هذا اليقين، جددت رفضها القاطع لأي مصالحة مع المليشيات والمتطرفين، مؤكدة أن هؤلاء لا عهد ولا ذمة لهم، ولن تقوم قائمة لليبيا إلا بالخلاص منهم.
في هذا الختام التاريخي وضعت البركي النقاط على الحروف، محذرة من أن تكرار الخطأ مع الجماعات التي أثبتت غدرها ليس سوى انتحار وطني معلن، وأن الطريق الوحيد المضمون هو ما اختطه الجيش بقيادة المشير حفتر: حسم لا تفاوض فيه، وأمن لا مساومة عليه.



