ليبيا

هجمات الزاوية تضغط على أمن النفط وتعيد ملف التشكيلات المسلحة إلى الواجهة

تصعيد أمني متزامن مع اضطراب نقدي يضع المؤسسات الليبية أمام اختبار معالجة جذور الأزمة

تعيش ليبيا مرحلة أمنية واقتصادية شديدة الحساسية، في ظل تصاعد الهجمات التي استهدفت محيط منشآت نفطية في مدينة الزاوية، بالتزامن مع اضطراب في المشهد النقدي عقب طلب محافظ مصرف ليبيا المركزي الاعتذار عن الاستمرار في منصبه، وسط مخاوف من انعكاسات التطورات على الاستقرار الاقتصادي والأمني.

وتكتسب التطورات في الزاوية أهمية خاصة، باعتبار المدينة تضم أكبر مصفاة نفط عاملة في ليبيا بطاقة إنتاجية تقارب 120 ألف برميل يومياً، وترتبط بحقل الشرارة النفطي، ما يجعل أي اضطراب أمني حول منشآتها قابلاً للانعكاس على إمدادات الوقود في طرابلس ومدن غرب البلاد.

وتزامنت الهجمات مع حادث استهداف خزان وقود في البريقة يحتوي على نحو 4.5 مليون لتر، اندلعت فيه النيران لساعات قبل انهياره لاحقاً. كما أظهرت معلومات ومقاطع متداولة نشاطاً لطائرات مسيّرة قرب خزانات التخزين وخطوط الأنابيب ومنشأة مزج النفط ومحطة تحلية المياه.

استهداف المنشآت النفطية يرفع كلفة الاضطراب الأمني

وعُثر في موقع الأحداث على أجزاء قيل إنها تتطابق مع طائرات مسيّرة صغيرة، فيما أثيرت مؤشرات بشأن احتمال استخدام طائرات موجهة عبر الألياف البصرية، بعد العثور على كابل ألياف بصرية يمتد باتجاه مصفاة الزاوية. ولا تزال الجهة المسؤولة عن الهجمات غير معلنة رسمياً، ما يترك طبيعة الهجمات ودوافعها في نطاق التحقيقات والمعلومات المتداولة.

وحذرت المؤسسة الوطنية للنفط من أن استمرار الهجمات قد يدفعها إلى وقف العمليات وإعلان حالة القوة القاهرة، وهو ما يعكس حساسية الوضع بالنسبة إلى قطاع الطاقة، خصوصاً أن أي تعطيل للمصفاة لا يقتصر تأثيره على الإنتاج، وإنما قد يمتد إلى حركة توزيع الوقود في المنطقة الغربية.

وتأتي هذه التطورات في بيئة أمنية معقدة تشهد تنافساً بين تشكيلات مسلحة محلية، وسبق أن شهدت الزاوية خلال العام الجاري مواجهات متكررة بين مجموعات تسعى إلى توسيع نفوذها والسيطرة على مواقع ومقار ذات أهمية أمنية واقتصادية.

وتعيد هذه الوقائع النقاش بشأن طبيعة الترتيبات الأمنية التي اعتمدت عليها الحكومات الانتقالية خلال السنوات الماضية، ومدى نجاحها في الانتقال من احتواء التوترات إلى بناء مؤسسات أمنية وعسكرية موحدة.

الترتيبات المؤقتة تعيد إنتاج الأزمة

وتتركز الانتقادات على استمرار الاعتماد على التفاهمات والوساطات المحلية باعتبارها أدوات لإدارة الأزمات، من دون وجود مسار مؤسسي مكتمل لإعادة تنظيم التشكيلات المسلحة ودمج عناصرها ضمن أجهزة نظامية خاضعة للقانون.

ويشير هذا الواقع إلى فجوة بين إدارة الاشتباكات عند وقوعها وبين معالجة البيئة التي تسمح بتكرارها. فوقف المواجهات قد يوفر تهدئة مؤقتة، لكنه لا يحسم التنافس على النفوذ ولا يعالج تداخل الأدوار بين المؤسسات الرسمية والتشكيلات المسلحة.

كما أن استمرار الغطاء الرسمي أو المالي لبعض التشكيلات، وفق الانتقادات المطروحة، ساهم في ترسيخ نفوذ قوى محلية داخل مناطق ومرافق حيوية، وهو ما يعقد مهمة بناء منظومة أمنية موحدة ويضعف قدرة المؤسسات على فرض قواعد مستقرة للمساءلة وإنفاذ القانون.

وفي المقابل، يبرز غياب موقف مباشر وواضح من حكومة الدبيبة بشأن التطورات الأخيرة باعتباره أحد عناصر الجدل القائم حول إدارة الملف الأمني، خصوصاً مع تكرار الأزمات في مدن المنطقة الغربية وارتفاع المطالبات بإجراءات أكثر وضوحاً تجاه مصادر التوتر.

ولا تقتصر الضغوط على الجانب الأمني، إذ تزامنت التطورات مع طلب محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى الاعتذار عن الاستمرار في منصبه، من دون إعلان أسباب الطلب، بالتزامن مع تراجع سعر الدينار الليبي في السوق الموازية إلى أكثر من 9 دنانير مقابل الدولار.

ويضيف هذا التطور بعداً اقتصادياً إلى المشهد، في وقت تحتاج فيه المؤسسات النقدية إلى قدر من الاستقرار والوضوح في إدارة السياسة المالية والنقدية، خصوصاً مع حساسية سعر الصرف تجاه التطورات السياسية والأمنية.

وتكشف التطورات المتزامنة في الزاوية والملف النقدي عن حجم الضغوط التي تواجه مؤسسات الدولة في أكثر من مسار في الوقت نفسه. إلا أن المعالجة المستدامة للأزمة الأمنية تظل مرتبطة بمدى القدرة على بناء مؤسسات موحدة، وتحديد أدوار التشكيلات المسلحة، وتعزيز آليات المساءلة، بدلاً من الاكتفاء بتسويات مؤقتة تفرضها ظروف كل جولة من التوتر.

وفي ظل استمرار غياب مؤسسة أمنية وعسكرية موحدة، يبقى الاستقرار في مدن المنطقة الغربية عرضة للتأثر بتوازنات القوى المحلية. ومن ثم، فإن التحدي لا يتمثل فقط في وقف التصعيد، وإنما في تحويل التهدئة إلى مسار مؤسسي قادر على حماية المنشآت الحيوية والمدنيين وفرض القانون بصورة متساوية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى