إيران تتحدى واشنطن وتتمسك بالسيطرة على مضيق هرمز
توقف شبه كامل لحركة الناقلات يرفع أسعار النفط ويعمق كلفة الحرب

تتسع الفجوة بين إيران والولايات المتحدة مع تعثر مسار التفاوض بشأن إنهاء الحرب، في وقت تتمسك طهران بفرض قيود مشددة على حركة الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، بينما تصر واشنطن على مواصلة الضغط العسكري والاقتصادي.
وقال نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب أبادي إن فتح المضيق أو إغلاقه لن يتم إلا بقرار إيراني، رافضا ما وصفه بمحاولات فرض السيطرة على الممر الاستراتيجي بالقوة العسكرية أو التصريحات السياسية.
وتعكس هذه التصريحات، إلى جانب غياب مؤشرات واضحة على استئناف مفاوضات السلام، أن الصراع لا يزال يتحرك في اتجاه التصعيد، بما يهدد باستمرار الاضطراب في أسواق الطاقة والتجارة العالمية.
شلل الملاحة يضغط على أسواق الطاقة
وبحسب بيانات شركة كبلر لتتبع حركة السفن، لم تعبر مضيق هرمز أمس الجمعة سوى سفن محدودة، في تراجع حاد مقارنة بأكثر من 130 سفينة كانت تعبره يوميا قبل اندلاع الحرب.
ورغم احتمال عبور بعض السفن دون تشغيل أجهزة التتبع، فإن مستوى الحركة الحالي يعكس اضطرابا كبيرا في أحد أهم شرايين تجارة النفط العالمية، إذ كانت تمر عبر المضيق نسبة كبيرة من صادرات النفط العالمية قبل الحرب.
كما تعرضت سفن لهجمات أثناء عبورها المضيق، ما يزيد مخاطر التأمين والشحن ويضع شركات الطاقة والملاحة أمام تكلفة إضافية تتجاوز ارتفاع أسعار الخام نفسه.
ترامب يهيئ الأمريكيين لارتفاع الوقود
في المقابل، دعا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأمريكيين إلى تقبل ارتفاع محدود في أسعار البنزين، معتبرا أن تكلفة الطاقة تمثل ثمنا ضروريا لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي.
لكن هذا الموقف يضع الإدارة الأمريكية أمام مفارقة سياسية واقتصادية واضحة، إذ يتعارض ارتفاع أسعار الوقود مع وعود انتخابية سابقة بخفض تكاليف الطاقة، فيما يسعى الديمقراطيون إلى تحويل تداعيات الحرب الاقتصادية إلى قضية رئيسية في انتخابات التجديد النصفي.
النفط يدفع فاتورة التصعيد
انعكس اضطراب الملاحة سريعا على أسواق النفط، حيث ارتفعت العقود الآجلة للخام بنحو دولار إضافي للبرميل، بينما اتجه خام برنت وغرب تكساس الوسيط لتحقيق مكاسب أسبوعية قوية.
وتشير هذه التطورات إلى أن استمرار إغلاق المضيق فعليا لا يهدد إيران والولايات المتحدة فقط، بل يوسع دائرة المتضررين لتشمل المستهلكين وشركات النقل والصناعة والدول المستوردة للطاقة.
طهران تواجه ضغوطا اقتصادية متزايدة
ورغم خطاب التحدي الإيراني، تظهر مؤشرات على أن طهران تتحمل كلفة اقتصادية متصاعدة نتيجة تقييد الملاحة والعقوبات المفروضة على صادرات النفط.
وقال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إن ارتفاع التضخم يرتبط بالحصار والعقوبات، بينما توعدت واشنطن بمزيد من الإجراءات المالية ضد إيران خلال الفترة المقبلة.
وهنا تبرز مفارقة الصراع: فإيران تستخدم المضيق كأداة ضغط استراتيجية، لكنها في الوقت نفسه تتحمل جزءا من التداعيات الاقتصادية الناجمة عن تعطيل حركة التجارة، في حين تواجه الولايات المتحدة ضغوط أسعار الطاقة وتكاليف الحرب.
توسع المخاطر إلى البحر الأحمر والخليج
ولا تقتصر تداعيات التصعيد على مضيق هرمز، إذ أثارت هجمات الحوثيين في اليمن مخاوف من اتساع نطاق المواجهة إلى ممرات بحرية أخرى.
وأعلنت الحكومة اليمنية مقتل أربعة مدنيين جراء هجمات صاروخية على ميناء المخا، فيما نقل إعلام الحوثيين اتهاما للجماعة باستهداف منشأة تابعة لشركة أرامكو في نجران بطائرة مسيرة.
وتعني هذه التطورات أن الحرب لم تعد مجرد مواجهة مباشرة بين واشنطن وطهران، بل باتت تهدد شبكة أوسع من الممرات التجارية والمنشآت النفطية في المنطقة.
لا سلام في الأفق
ومع انهيار الاتفاق المبدئي الذي كان قد طرح في يونيو لإنهاء الحرب، لم تظهر حتى الآن مؤشرات جدية على عودة المفاوضات.
وأكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي عدم اتخاذ قرار بشأن استئناف التفاوض، رغم استمرار اتصالات قطر وباكستان مع طهران وتبادل الرسائل.
وبذلك يبقى مضيق هرمز في قلب معادلة الصراع، بين رغبة إيران في استخدامه كورقة ضغط، وإصرار واشنطن على مواصلة الضغط عليها، بينما تتحمل الأسواق العالمية والمستهلكون جزءا متزايدا من فاتورة التصعيد.



