50% من شباب ليبيا عاطلون عن العمل.. والمرتبة الرابعة عالمياً في مؤشر البطالة تضاعف أزمة المستقبل
صراع السياسات يُغرق الاقتصاد الليبي.. ودعوات لاستبدال السلاح بالإنتاج ومحاسبة الفاسدين
ليبيا 24
ليبيا تواجه أزمة بطالة تاريخية وانهياراً في المؤسسات.. والشباب يدفعون الثمن
في مشهد يعكس عمق الأزمة الهيكلية التي تعصف بالدولة الليبية، كشفت بيانات منظمة العمل الدولية عن تسجيل ليبيا معدل بطالة بين الشباب بلغ 50.1% خلال عام 2025، لتحتل المرتبة الرابعة عالمياً بين 187 دولة، في رقم صادم يعيد إلى الواجهة التساؤلات المصيرية حول مستقبل جيل كامل يدفع ثمن سنوات الصراع والانقسام والفشل الإداري المتراكم؟
هذا المؤشر المأساوي، الذي لم تسبقه إليه سوى جيبوتي (76.8%) وجنوب أفريقيا (59.9%) وإسواتيني (54.3%)، يضع ليبيا في موقع متقدم ضمن قائمة الدول الأكثر معاناة من بطالة الشباب، متجاوزاً بكثير المعدلات المسجلة في دول المغرب العربي، حيث بلغت النسبة في تونس 38.1%، وفي الجزائر 29.4%، وفي المغرب 21.9%؟.
وتشير البيانات إلى أن الفئة العمرية الأكثر تضرراً هي 15-24 عاماً، أي شريحة تمثل عماد المستقبل وأمل أي نهضة تنموية حقيقية.
الشباب بين السلاح والعمل.. دعوات لإعادة التوجيه
في خضم هذه الأرقام القاتمة، يبرز صوت عقلاني يدعو إلى مراجعة جذرية للمسار الذي سلكته البلاد.
ففي منشور له على منصة “فيسبوك”، طرح عضو مجلس الدولة الاستشاري “سعد بن شرادة” رؤية مختلفة، معتبراً أن الحل يبدأ من الأسرة والمجتمع، قبل أن يكون مؤسسياً أو سياسياً.
وكتب بن شرادة: “لو أقنع كل أب ابنه بأن السلاح ليس طريق المستقبل، وأن العمل والإنتاج هو الطريق الحقيقي لبناء حياته ووطنه، لتغير الكثير في ليبيا”.
ولم يكتفِ بن شرادة بالتحليل، بل قدّم مخرجاً عملياً، مشيراً إلى أن الشاب الليبي قادر على التوجه إلى العمل الخاص وتأسيس مشروع أو مهنة توفر له دخلاً محترماً قد يصل إلى 5000 دينار شهرياً، مساهماً في الوقت نفسه في توفير فرص العمل التي تذهب اليوم للعمالة الأجنبية في مختلف المجالات.
وهنا يبرز التناقض الصارخ: بلد يمتلك ثروات هائلة، ويعاني من بطالة تلامس 50%، مع استمرار تدفق العمالة الأجنبية إلى وظائف كان يمكن لليبيين شغلها.
لكن بن شرادة ذهب إلى ما هو أبعد من الأرقام، محمّلاً البيئة المحيطة بالشاب الليبي جزءاً كبيراً من المسؤولية، ومشيراً إلى أن “المشكلة ليست فقط فيمن يسرق أموالنا أو يعبث بمقدراتنا، بل في البيئة التي تسمح له بذلك”.
وفي عبارة تعكس عمق المأساة، أضاف: “ومن المؤسف أن من يحمي بعض هؤلاء هم أبناءنا، وهم أنفسهم الذين يدفعون ثمن الفساد والانقسام وضياع مقدرات الوطن”.
ودعا بن شرادة إلى إعادة توجيه الأبناء من السلاح إلى العمل، ومن الحماية إلى الإنتاج، ومن الفوضى إلى بناء المستقبل.
وأكد أن ليبيا لا ينقصها المال والثروات، وإنما تحتاج إلى عقول تعمل وأيدٍ تبني، وإرادة تضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.
التعليم يترنح.. ومشاكل سنوية بلا حلول
وفي موازاة أزمة البطالة، يواصل القطاع التعليمي نزيفه المزمن، مع تكرار المشاكل ذاتها عاماً بعد عام
المحلل الاقتصادي “إدريس الشريف” أطلق تساؤلاً محقاً عبر حسابه على “فيسبوك”: “أقل من شهر يفصلنا عن انطلاق عام دراسي جديد.. هل سنشهد مجدداً المشاكل ذاتها التي تؤخر انطلاق الدراسة؟”.
وأشار الشريف إلى قائمة المشاكل المتكررة: نقص الكتب المدرسية، نقص المعلمين، نقص الفصول، أعمال الصيانة والتجهيز غير المنجزة، واكتظاظ المدارس.
وتساءل بمرارة: “ماذا أُنجز حتى الآن؟ وما هي الاستعدادات التي اتخذتها الجهات المعنية لضمان بداية منتظمة ومستقرة للعام الدراسي؟”.
هذا العجز المتواصل في توفير أبسط متطلبات التعليم يغذي بدوره أزمة البطالة، إذ يخرج جيل جديد من الشباب غير مؤهل لسوق العمل، في حلقة مفرغة تبدو بلا نهاية.
السياسة النقدية بين إدارة الأزمة والفشل المعلن
على الجانب الاقتصادي، تدور معركة موازية حول أداء مصرف ليبيا المركزي وسياساته النقدية، وسط تباين حاد في التقييمات بين من يبررون الوضع بظروف استثنائية، ومن يصفون السياسات الحالية بالفشل والتضليل.
في زاوية، يطرح أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي، “أيوب الفارسي”، رؤية تبدو دفاعية عن أداء المصرف المركزي، معتبراً أن تقييم السياسة النقدية وفق معايير الدول المستقرة “يمثل تجنياً علمياً وعملياً”.
وأكد الفارسي أن المصرف يعمل في بيئة معقدة تفرض عليه إدارة الأزمات وتقليل الأضرار أكثر من البحث عن حلول مثالية، مشيراً إلى أن تراجع القوة الشرائية للدينار يجب أن يُقرأ في سياق الانقسام المؤسسي، والانكشاف الخارجي الكبير للاقتصاد، والقيود التشريعية.
واعترف الفارسي بوجود “بعض الأخطاء والإخفاقات”، لكنه رأى أن السياسة النقدية الليبية ارتكزت خلال السنوات الماضية على “إدارة الأزمة وتقليل الأضرار”، معتبراً أن عنوان المرحلة الحالية هو: “السياسة النقدية في ليبيا.
معركة لدرء الأسوأ لا لصنع المثالية”
لكن هذا التبرير يصطدم بموقف حاد من الخبير المصرفي “إبراهيم عمر الحداد”، الذي نفى بشكل قاطع أي علاقة للمصرف المركزي بمصروفات الدولة أو عجز الميزانية، مؤكداً أن “المرتبات وإيرادات ومصروفات الدولة وأي عجز يحدث في الميزانية كلها من شأن واختصاص ومهام وزارة المالية ولا علاقة للمصرف المركزي بها إطلاقاً”.
وشدد الحداد على أن المصرف المركزي هو “سلطة نقدية ومصرفية” فقط، معتبراً أن الشروط التي وضعها المحافظ للعدول عن استقالته، بضرورة إعادة النظر في الإنفاق التنموي والمرتبات، “من غير ذات صفة ولا اختصاص لا قانوناً ولا نظاماً.
ووصف الحداد هذه الخطوة بأنها “هروب من مسؤولية الفشل وعدم القدرة على الوفاء بالعهود والوعود التي قطعها على نفسه”.
اتهامات بالفساد و”تبييض” السياسات
وذهب الخبير المالي “رافع الشاوش” إلى أبعد من ذلك، متحدثاً عن “روايات” يسوّقها بعض المسؤولين في المصرف المركزي لتحميل غياب السياسات المالية وزر ارتفاع سعر الدولار، في محاولة لـ”تبييض سياساتهم النقدية وتبرير عجزهم التراكمي”.
ووصف الشاوش هذه الذريعة بأنها “واهية وغير متسقة مع الحقائق المالية والرقمية المتاحة”، مشيراً إلى وجود “إشكالية هيكلية أعمق في إدارة الاحتياطيات الأجنبية وسياسات الإنفاق السيادي”.
وطالب الشاوش المصرف المركزي بتقديم مستندات مالية تفصيلية، تشمل جدولاً مقارناً للإنفاق الفعلي خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2026 مقابل الفترة ذاتها من 2025، مع تفصيل للإنفاق الجاري والرأسمالي، وجدولاً مقارناً للإيرادات العامة متضمناً الإيرادات النفطية وغير النفطية، وكشفاً بحجم الاعتمادات المستندية المفتوحة.
وفي اتهام خطير، أكد الشاوش وجود “فساد مصرفي مستشرٍ” و”عجز المصرف المركزي عن كبح جماح سعر الصرف”، محمّلاً المصرف مسؤولية “الفساد الممنهج في القطاع المصرفي وغياب السيطرة على إدارات العديد من المصارف، حيث تهيمن عمليات تلاعب بالاعتمادات المستندية، وتسريب وتهريب للنقد الأجنبي، وعمليات خلق نقود وائتمان وإقراض تجاري يزيد من الكتلة النقدية، كل ذلك دون رقابة فعالة”.
البورصة بين الجمود والانكماش
وفي مؤشر آخر على وهن الاقتصاد الليبي، كشف الباحث الاقتصادي “عبدالعظيم الأزرق” عن واقع مأساوي لسوق الأوراق المالية، حيث لم تتجاوز التداولات في آخر جلسة 13 صفقة بقيمة 46.5 ألف دينار فقط.
وأشار إلى أن التداولات في جلسة 4 يناير 2026 لم تتجاوز 12.4 ألف دينار من خلال 6 صفقات فقط.
وبمقارنة صادمة، أشار الأزرق إلى أن تداولات السوق السعودي بلغت نحو 2.6 مليار ريال في نفس الفترة، أي أكبر من السوق الليبية بنحو 210 آلاف مرة تقريباً.
وأكد أن المشكلة ليست في حجم المؤشر أو عدد الشركات المدرجة، بل في “غياب السيولة وندرة التداول وضعف قدرة السوق على أداء وظيفتها الأساسية: تحريك رأس المال واكتشاف الأسعار”. وخلص إلى أن البورصة الليبية أصبحت “أقرب إلى سجل للشركات منها إلى سوق حقيقية لرأس المال”.
مقترحات للخروج من عنق الزجاجة
في محاولة لتقديم حلول عملية، طرح المحلل الاقتصادي “نعمان البوري” نموذجاً لإنشاء صندوق أو شركة قابضة سيادية، تحمل اسم Libya Sovereign Investment & Development Corporation، تكون مهمتها إيجاد مصادر لتمويل التنمية من خارج إيرادات النفط.
وتتمثل الفكرة في وضع مجموعة من الأصول القابلة للتقييم والتسييل، مثل حصص الحكومة في شركات ناجحة، ومشاريع بنية تحتية مدرة للدخل، وأصول عقارية، مع إصدار صكوك قابلة للتحويل تتيح للمستثمر خيار تحويل جزء من قيمتها إلى حصص في مشاريع حكومية محددة.
ورأى البوري أن هذا النموذج يجعل المستثمر ينظر إلى قيمة الأصول والمشاريع المستقبلية، وليس فقط إلى قدرة الحكومة على السداد، ويمكن أن يكون جزءاً من برنامج لإعادة هيكلة ملكية الدولة.
أزمة متشابكة تبحث عن إرادة
ما تقدمه قراءة متأنية لهذه التصريحات والبيانات هو صورة مركبة لأزمة ليست اقتصادية فحسب، بل سياسية واجتماعية وأمنية بامتياز.
فالبطالة المرتفعة ليست نتيجة حتمية لتراجع النفط، بل هي انعكاس لسياسات فاشلة، وفساد مستشرٍ، وانقسام مؤسسي، وغياب للرؤية المستقبلية.
فبينما يعاني الشباب من بطالة تاريخية، تستمر العمالة الأجنبية في ملء الفراغ، وتستمر أموال النفط في التدفق دون أن تلمس حياة المواطن العادي، وتستمر المؤسسات في التنصل من المسؤولية، وتستمر البورصة في جمودها، والمدارس في نقصها، والكهرباء في انقطاعها.
المقترحات التي يطرحها البوري وبن شرادة وغيرهما تظل حبراً على ورق ما لم تتوفر الإرادة السياسية الحقيقية لتطبيقها، وما لم يتحقق الوعي الشعبي بضرورة محاسبة الفاسدين، واستبدال ثقافة السلاح والولاءات الضيقة بثقافة العمل والإنتاج والمواطنة.
ليبيا، كما قال بن شرادة، لا ينقصها المال والثروات، بل تحتاج إلى عقول تعمل وأيدٍ تبني، وإرادة تضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.
والسؤال الذي يبقى معلقاً: هل سيكون عام 2026 عام التغيير الحقيقي، أم سيكون مجرد حلقة أخرى في مسلسل الأزمات المتكرر؟



