ليبيا

بودوارة يكشف فاتورة استيراد الوقود ويطالب بمحاسبة دولية لحكومة الدبيبة: 12 مليار دولار سنوياً تذهب أدراج الرياح

اغتيال المنصوري يعصف بمساعي الاستقرار وسط زخم دولي لإنهاء الانقسام ورفض ليبي لتقاسم السلطة

ليبيا 24

ليبيا على صفيح ساخن: بين فساد الدبيبة وجريمة اغتيال المنصوري وحراك دولي يبحث عن مخرج

بودوارة يفضح هدر المليارات ويوجه اتهامات صريحة لحكومة الدبيبة

في تطور يعكس حالة الغليان التي يعيشها الشارع الليبي، كشف عضو لجنة “الحوار المهيكل” المنبثق عن بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، أشرف بودوارة، النقاب عن أرقام صادمة فيما يتعلق بإدارة ثروة النفط، موجهاً أصابع الاتهام مباشرة إلى حكومة عبد الحميد الدبيبة، منتهية الولاية.

وطرح بودوارة، في تدوينة على منصة فيسبوك، سلسلة من الأسئلة المصيرية حول مصير عائدات النفط، متسائلاً عن جدوى إنفاق قرابة مليار دولار شهرياً على استيراد الوقود، أي ما يعادل 12 مليار دولار سنوياً، في وقت يعاني فيه المواطن الليبي من أزمات خانقة في الكهرباء والوقود والمياه.

وذهب بودوارة إلى ما هو أبعد من مجرد طرح الأسئلة، ليوجه انتقاداً لاذعاً لسياسات الحكومة التي وصفها بأنها تستنزف المليارات دون بناء أي أصول إنتاجية تذكر، قائلاً: “ثروة بهذا الحجم يا حكومة يجب أن تبني دولة، لا أن تموّل استمرار الأزمات”، مضيفاً أن هذه الثروة كان يفترض أن تجعل ليبيا من أكثر دول المنطقة استقراراً ورفاهاً، بدلاً من أن تتحول إلى سبب في فقر المواطن واضطراره للوقوف في طوابير البنزين والبحث عن الماء والكهرباء والخبز.

وتأتي هذه التصريحات في وقت تكشف فيه تقارير اقتصادية أن قيمة واردات الوقود بلغت نحو 9.23 مليارات دولار خلال عام 2024 وحده، ما يعكس فجوة هائلة بين الإنفاق العام وغياب الخدمات الأساسية.

دعوة لمحاسبة دولية ورفض لإعادة تدوير السلطة

ولم يقتصر نقد بودوارة على الجانب المالي، بل امتد ليطال الآلية السياسية برمتها، حيث دعا في تصريحات صحفية إلى تفعيل أدوات الضغط والمساءلة الدولية بحق كل من يثبت تورطه في تعطيل العملية السياسية أو عرقلة إجراء الانتخابات، مؤكداً أن الاكتفاء بالإدانة والتصريحات لم يعد مجدياً.

وشدد على ضرورة تحويل توصيات “الحوار المهيكل” إلى مسار سياسي عملي، ودمجها مع خارطة الطريق الأممية ومسار المجموعة المصغرة “4+4″، وصولاً إلى ترتيبات تنفيذية واضحة تقود إلى انتخابات حرة ونزيهة، محذراً من أن تبقى هذه التوصيات مجرد “وثيقة جديدة تضاف إلى أرشيف المبادرات”.

وأقر بودوارة بأن بعثة الأمم المتحدة لا تملك وحدها آلية تنفيذ قسرية تلزم الأطراف الليبية، مشيراً إلى أن مجلس الأمن يمتلك أدوات سياسية وقانونية يمكن استخدامها عندما تتوافر الإرادة الدولية الموحدة.

اغتيال المنصوري: من يضرب مسار الاستقرار؟

وفي تطور دراماتيكي يكشف هشاشة المشهد الأمني، يأتي اغتيال اللواء فوزي المنصوري، مدير جهاز الاستخبارات العسكرية في الجبش الوطني الليبي، إثر تفجير سيارته بعبوة ناسفة في مدينة بنغازي. وتعيد هذه الجريمة، التي هزت الرأي العام الليبي، شبح الاغتيالات إلى الواجهة، وتطرح تساؤلات خطيرة حول حجم الاختراق الأمني في معقل الجيش الوطني.

ويرى مراقبون أن توقيت الجريمة يحمل دلالات عميقة، خاصة في لحظة تشهد فيها البلاد تحركات دولية وإقليمية مكثفة لإنهاء الانقسام، وعلى رأسها المبادرة الأميركية التي يقودها مستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس، والتي تهدف إلى توحيد المؤسسات الليبية.

ويطرح بودوارة، في هذا السياق، سؤالاً مصيرياً: “من المستفيد من ضرب مسار الاستقرار في هذه اللحظة؟”، مشيراً إلى أن الرأي العام الليبي يدرك وجود دول وقوى خارجية تعبث بأمن ليبيا، وتتعامل مع الانقسام كأداة لحماية مصالحها.

وأكد أن المطلوب هو تحقيق مهني شفاف لكشف من خطط ونفذ ومول هذه الجريمة النكراء، محذراً من أن أي محاولة لإعادة ليبيا إلى مربع الفوضى يجب أن تواجه بكشف الحقيقة لا بالتستر عليها.

زخم دولي وإقليمي وسعي لمسار ليبي خالص

في غضون ذلك، يشهد الملف الليبي حراكاً دبلوماسياً لافتاً، حيث تؤكد زيارة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى ليبيا، التي شملت طرابلس وبنغازي، دخول البلاد مرحلة جديدة من التحرك الإقليمي. وتأتي هذه الزيارة في إطار دعم أنقرة للمبادرة الأميركية، مع تزايد القناعة بأن استمرار الانقسام لم يعد خياراً قابلاً للاستمرار. وتقدم تركيا نفسها كطرف إقليمي قادر على التواصل مع مختلف مراكز القوة، مستفيدة من علاقاتها الوثيقة مع طرابلس وانفتاحها الأخير على بنغازي.

وفي سياق متصل، برزت دعوات لتوسيع الدور السعودي في ليبيا، حيث يرى مراقبون أن المملكة، بثقلها السياسي ومصداقيتها الدولية، قادرة على استضافة حوار ليبي موسع تحت مظلة الأمم المتحدة، لا ليكون مساراً بديلاً، بل لدعم مخرجات الحوار المهيكل وتجميع المسارات. وتشير الدعوات إلى إمكانية إعادة تفعيل المادة 64 من الاتفاق السياسي لتشكيل لجنة حوار سياسي موسعة، تنتج توافقاً يقود إلى سلطة تنفيذية موحدة، قادرة على فك الجمود وتهيئة الطريق لانتخابات تعيد القرار إلى الشعب.

ليبيا بين فساد الداخل وتدخلات الخارج

يجمع المراقبون على أن ليبيا تقف اليوم عند مفترق طرق خطير، فهي من جهة، تعاني من استنزاف منهجي لثرواتها على يد حكومة منتهية الولاية، ومن جهة أخرى، تواجه تدخلات خارجية تبحث عن مصالحها، فيما يدفع المواطن الليبي الثمن غالياً في كل مرة.

ويبقى الرهان على قدرة الليبيين على توحيد مؤسساتهم الأمنية والعسكرية، وإنهاء المليشيات، وبناء جيش وطني قوي، كشرط أساسي لأي حل سياسي مستدام. فكما قال بودوارة، لا سبيل أمام ليبيا اليوم إلا بتوحيد مؤسساتها، وتقوية قواتها، وتأمين حدودها، وبناء مؤسسة عسكرية وطنية واحدة، يكون ولاؤها لله ثم لليبيا وشعبها.

وتظل الدعوة التي أطلقها، إلى تحويل الحراك الدولي إلى فرصة حقيقية لبناء دولة ليبية واحدة ذات مؤسسات قوية وسيادة كاملة، هي البوصلة الوحيدة لإنقاذ البلاد من مستنقع الفساد والفوضى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى