ليبيا

من دمشق إلى طرابلس.. كيف تحوّل ملف “محمود فتحي” إلى ورقة تفاوضية في علاقة الدبيبة بالقاهرة؟

طرابلس تسلم القاهرة مطلوباً في قضية اغتيال النائب العام.. ودور محوري لوليد اللافي في ملف أعاد بناء الثقة الأمنية بين البلدين

ليبيا 24

ملف محمود فتحي بين دمشق وطرابلس والقاهرة.. قراءة في التسلسل الزمني لصفقة أمنية أعادت تشكيل التوازنات

واقعة اختفاء تهزّ العاصمة

في 19 يوليو 2026، انقطع الاتصال بالمصري محمود محمد فتحي بدر، المحكوم عليه غيابياً بالإعدام في مصر، وزوجته، بعد أيام قليلة من دخولهما الأراضي الليبية. كان فتحي يقيم في فندق “التوفيق” بمنطقة الظهرة في طرابلس، حين اقتحم مسلحون مقر إقامته واقتادوه إلى جهة لا تزال غامضة حتى اليوم.

لم تعلن أي جهة رسمية مسؤوليتها عن العملية، واكتفت مديرية أمن طرابلس بنفي علمها بملابسات الاختفاء، بينما خرجت منصة “تبيان” التابعة لحكومة الدبيبة منتهية الولاية لتنفي مسؤولية الحكومة والجهات المنضوية تحت شرعيتها عن توقيفه أو تسليمه.

غير أن التسلسل الزمني للأحداث، كما ترصده الباحثة في شؤون الأمن والهجرة الدكتورة ريم البركي، يطرح أسئلة أمنية وسياسية لا يمكن تجاوزها.

خلفية المطلوب: إرهاب وإعدام وملاذات متغيرة

محمود فتحي ليس شخصية عابرة في المشهد السياسي المصري. فهو مؤسس حزب “الفضيلة” السلفي في أعقاب ثورة 2011، وأحد المقربين من القيادي السلفي حازم صلاح أبو إسماعيل، وساهم في تأسيس حركة “حازمون”.

بعد الإطاحة بالرئيس محمد مرسي في يوليو 2013، فرّ فتحي إلى تركيا واستقر هناك، حيث واصل نشاطه السياسي والدعوة للتظاهر في مصر.

وفي يوليو 2017، صدر بحقه حكم غيابي بالإعدام في قضية اغتيال النائب العام المصري هشام بركات، إضافة إلى أحكام أخرى بالسجن المؤبد و15 عاماً في قضايا تتعلق بـ”كتائب حلوان” واستهداف الكمائن الأمنية. أدرجته الحكومة المصرية على قوائم الإرهاب ست مرات، وطالبت تركيا بتسليمه عبر الإنتربول، لكن أنقرة رفضت الاستجابة.

التحول السوري: ظهور فتحي إلى جانب الجولاني

في منتصف ديسمبر 2024، وبعد سقوط نظام بشار الأسد مباشرة، ظهر محمود فتحي في دمشق برفقة السياسي التركي ياسين أقطاي، مستشار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والتقى بقائد الإدارة السورية الجديدة أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني). نشر فتحي بنفسه صوراً عن اللقاء ووصفه بأنه زيارة للقيادة السورية الجديدة لتقديم “التهنئة والنصيحة”.

أثار هذا الظهور جدلاً واسعاً في الأوساط المصرية والعربية، خصوصاً في ضوء التقارب المصري-التركي الذي كان قد بدأ في التبلور.

زيارة اللافي إلى دمشق: نقطة التقاء أم صدفة؟

بعد نحو أسبوعين فقط من ظهور فتحي في دمشق، وتحديداً في 28 ديسمبر 2024، وصل وزير الدولة الليبي للاتصال والشؤون السياسية وليد اللافي إلى العاصمة السورية على رأس وفد رفيع. ضم الوفد مدير الاستخبارات العسكرية لحكومة عبدالحميد الدبيبة محمود حمزة، والتقى بالجولاني ووزير خارجيته ورئيس جهاز الاستخبارات السوري.

هنا تضع الدكتورة ريم البركي علامة استفهام كبرى: هل كانت تلك الزيارة هي اللحظة التي دخل فيها محمود فتحي إلى دائرة اهتمام الجانب الليبي؟ لا تملك البركي دليلاً يسمح لها بالجزم بذلك، لكنها لا تستبعده.

الأكيد أن تلك الزيارة أنشأت خط اتصال مباشر بين وليد اللافي والقيادة السورية الجديدة، في الوقت الذي كان فيه فتحي يتحرك في البيئة السورية نفسها ويتمتع بعلاقة وثيقة مع ياسين أقطاي، الشخصية التركية ذات العلاقات الواسعة مع التيارات الإسلامية في المنطقة.

من دمشق إلى طرابلس: فرضية الاستدراج

بعد أقل من عام على زيارة اللافي إلى دمشق، وتحديداً في يوليو 2026، دخل محمود فتحي وزوجته إلى ليبيا، وبعد أيام انقطع الاتصال بهما.

السؤال الذي تطرحه البركي: هل كان وصول فتحي إلى طرابلس عفويّاً أم أنه كان نتيجة اعتقاده بأن هناك من يستطيع توفير مظلة حماية له، في ضوء سوء العلاقات المصرية مع حكومة عبدالحميد الدبيبة؟

وهنا يصبح اسم وليد اللافي، في تقدير المحللة، جديراً بالتوقف عنده. فاللافي هو الشخصية القادرة، بعلاقاته مع أنقرة واتصاله المباشر بالسلطة السورية الجديدة ونفوذه السياسي والإعلامي داخل حكومة الدبيبة، على أن يكون حلقة الوصل بين هذه المساحات الثلاث.

وكما تقول البركي: “لم أشك يوماً في دهاء وليد اللافي، لذلك لا أستبعد، كفرضية، أن يكون قد أدرك مبكراً أن محمود فتحي قد يتحول في مرحلة ما من عبء سياسي متنقل بين تركيا وسوريا إلى ورقة يمكن استثمارها في العلاقة مع القاهرة”.

العلمين: زيارة تاريخية في توقيت دقيق

في 30 يوليو 2026، وبعد أحد عشر يوماً فقط من اختفاء محمود فتحي في طرابلس، وصل عبدالحميد الدبيبة إلى مدينة العلمين المصرية في زيارة لافتة بعد سنوات من الفتور في العلاقة مع القاهرة.

التقى الرئيس عبدالفتاح السيسي بحضور رئيس الوزراء ووزير الخارجية ورئيس المخابرات العامة المصرية. ومن الجانب الليبي، حضر إبراهيم الدبيبة بصفته مستشاراً للأمن القومي، ووليد اللافي.

لم تكن تركيبة الاجتماع عادية، ولا يمكن تجاهل تزامن هذا التوقيت مع اختفاء المطلوب المصري رقم واحد في طرابلس.

فالتسلسل الزمني يضعنا أمام وقائع متقاطعة: 19 يوليو اختفاء فتحي، 30 يوليو لقاء العلمين التاريخي، نهاية أغسطس إعلان أسرة فتحي تلقّيها معلومات تفيد بنقله إلى السلطات المصرية.

سيناريوهان أمنيان.. وأيهما الأقرب؟

إذا صحت رواية أسرة فتحي بأنه أصبح في قبضة السلطات المصرية، فمن الذي أوقفه في قلب طرابلس؟ ومن امتلك القدرة على إبقائه خارج المجال العام طوال هذه الفترة؟ ومن يستطيع إدارة نقل مطلوب بهذا الوزن الأمني من الأراضي الليبية إلى دولة أخرى؟

تطرح البركي سيناريوهين رئيسيين:

السيناريو الأول: أن جهة أمنية نافذة داخل طرابلس، لا تتحرك عبر القنوات السياسية المعلنة لحكومة الوحدة، نفذت العملية وتعاونت مباشرة مع القاهرة. وهذا يعني وجود مركز قوة داخل العاصمة يمتلك من الاستقلال والقدرة العملياتية والعلاقات الخارجية ما يسمح له بإدارة ملف أمني إقليمي بهذه الحساسية.

السيناريو الثاني: أن العملية أجرتها حكومة الدبيبة، وأن ملف محمود فتحي استُخدم ضمن عملية أوسع لإعادة بناء الثقة والتعاون الأمني مع القاهرة، مع إبقاء العملية خارج الخطاب العلني بسبب كلفتها السياسية الداخلية، وما قد تسببه من توتر مع البيئة الإسلامية التي تشكل جزءاً من شبكة تحالفاتها وداعميها في غرب ليبيا، بل الحاضنة السياسية الأثقل وزناً: تيار المفتي.

وتعتقد البركي أن السيناريو الثاني هو الأقرب للواقع، “لمعرفتنا المسبقة بانتهازية حكومة عبدالحميد”.

المفارقة الليبية: معايير مزدوجة في قراءة المشهد

تطرح الدكتورة ريم البركي مفارقة أساسية: لو نُسبت العملية نفسها إلى القيادة العامة للجيش الليبي في بنغازي، كيف كان سيُقدَّم المشهد إعلامياً؟ هل كان سيُناقش باعتباره تعاوناً أمنياً مشروعاً بين دولتين في مكافحة الإرهاب، أم كنا سنسمع فوراً حديثاً عن “الاختطاف” و”تجاوز الدولة” و”انتهاك حقوق الإنسان”؟

هنا، كما تقول البركي، تكمن المشكلة: “الدولة لا تُبنى بمعايير تتغير بتغير هوية الفاعل. إذا كان التعاون الدولي في ملاحقة المطلوبين في قضايا الإرهاب أمراً مشروعاً، فهو كذلك في طرابلس وبنغازي.

وإذا كان تجاوزاً للقانون، فهو تجاوز في طرابلس وبنغازي. أما أن يتحول الفعل نفسه إلى ‘تعاون أمني’ عندما يصدر عن طرف، وإلى ‘جريمة’ عندما يصدر عن طرف آخر، فهذه ليست دولة مدنية ولا دفاعاً عن سيادة القانون. هذه انتقائية سياسية ترتدي ثوب القانون”.

خلاصة: العدالة وإن تأخرت لا تُنسى

في ختام تحليلها، تؤكد الدكتورة ريم البركي يقينها بأن “الإرهابيين والمتطرفين، والعقول المدبّرة للهجمات الإرهابية، والأذرع الإعلامية للتطرف، لا ملاذ آمن لهم؛ طال الزمن أم قصر.

قد يطول الإفلات، وقد تتبدل العواصم والملاذات، لكن الملفات لا تُغلق، والعدالة قد تتأخر… لكنها لا تنسى”.

يبقى ملف محمود فتحي أحد الأدلة على أن ليبيا، رغم انقسامها، تظلع ساحةً للتقاطع الإقليمي، وأن ملفات الأمن القومي للدول المجاورة يمكن أن تُحسم عبر قنوات لا تعلن نفسها، في مشهد يعيد تعريف مفهوم “الدولة” في سياق ليبي معقّد، حيث تتداخل المصالح وتتشابك الولاءات، وتظل العدالة – مهما تأخرت – وجهةً لا مفرّ منها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى