
ليبيا 24
لم يعد الحصول على الخبز في ليبيا مهمة يومية بسيطة، في ظل معاناة المواطن للبحث عن مخبز لا يزال مفتوحا، ورغيف متاح، وسعر يمكن تحمله، في ظل موجة من ارتفاع تكاليف الإنتاج وإغلاق عدد من المخابز وتراجع المعروض .
وخلال نحو أسبوعين، تضاعف سعر الخبز في عدد من المخابز، بعدما كان المواطن يحصل على 3 قطع مقابل دينار واحد، ليصل سعر القطعة الواحدة في بعض المناطق إلى نصف دينار، في وقت لم تعد فيه الأزمة مرتبطة بالسعر وحده، بل امتدت إلى صعوبة الحصول على الخبز نفسه.
المخابز أمام كلفة تشغيل متصاعدة
وتكشف معطيات السوق أن أزمة الرغيف تأتي نتيجة تراكم ضغوط متزامنة تبدأ من ارتفاع أسعار مدخلات الإنتاج، ولا تنتهي عند أزمة الكهرباء والوقود.
وأغلقت مخابز عدة أبوابها خلال الفترة الأخيرة، نتيجة الانقطاعات المتكررة للكهرباء، وصعوبة توفير الوقود وارتفاع أسعاره، إلى جانب الزيادة الكبيرة في أسعار الدقيق والمواد الأساسية.
ورغم عودة بعض المخابز إلى العمل، فإن استئناف الإنتاج جاء مصحوبا بأسعار جديدة، فيما يواجه أصحاب المخابز معادلة صعبة بين ارتفاع التكاليف والحفاظ على القدرة الشرائية للمواطن.
الدقيق والمواد الأساسية ترفع كلفة الرغيف
وتظهر أرقام الأسعار حجم الزيادة في مدخلات صناعة الخبز؛ إذ ارتفع سعر قنطار الدقيق من نحو 190 دينارا في يناير إلى ما بين 310 و315 دينارا حاليا، بينما ارتفع في حالات أخرى من نحو 232 دينارا إلى 280 دينارا قبل أن يصل إلى نحو 300 دينار.
كما ارتفع سعر الخميرة من 165 إلى 245 دينارا، والزيت من 90 إلى 137 دينارا، والسكر من 155 إلى 210 دنانير، فيما صعد سعر الزبدة من 125 إلى 180 دينارا.
أما الأكياس فسجلت الزيادة الأكبر، إذ ارتفع سعرها من 165 إلى 360 دينارا، بزيادة تقارب 94 بالمئة، ما يضيف عبئا جديدا على تكلفة التشغيل.
الكهرباء والديزل.. أزمة فوق أزمة
ولا تقف الضغوط عند أسعار المواد الخام، إذ أصبحت الكهرباء والوقود عنصرين أساسيين في تحديد قدرة المخبز على الاستمرار.
ومع تراجع كميات الديزل التي كانت تصل إلى بعض المخابز عبر البلديات بأسعار مدعومة، اضطر أصحابها إلى اللجوء للسوق الموازية، حيث يصل سعر اللتر إلى نحو 7 دنانير.
وتعكس طوابير المواطنين أمام محطات الوقود، إلى جانب حمل عبوات لتزويد المولدات، حجم الاعتماد المتزايد على مصادر الطاقة البديلة في مواجهة انقطاع الكهرباء.
وبالنسبة للمخابز، تتحول كل ساعة إضافية من انقطاع التيار الكهربائي إلى تكلفة تشغيل جديدة، مع الحاجة إلى تشغيل المولدات وشراء الوقود، وهي تكلفة تجد طريقها في النهاية إلى سعر الرغيف.
المواطن يدفع فاتورة الأزمة
ولا تتوقف تداعيات الأزمة عند ارتفاع الأسعار، إذ شهدت بعض المناطق تقلصا في حجم الرغيف، إلى جانب نفاد الكميات سريعا وإغلاق عدد من المخابز.
ويضع ذلك الأسر، ولا سيما الكبيرة منها، أمام ضغوط إضافية، إذ قد تضطر إلى إعادة ترتيب إنفاقها والتخلي عن بعض الاحتياجات لتوفير الغذاء الأساسي.
وفي المقابل، يواجه أصحاب المخابز مخاطر مالية متزايدة، إذ تصل قيمة رأس مال بعض المشروعات إلى نحو 600 ألف دينار، بينما يستمر ارتفاع تكلفة التشغيل ويهدد هامش الربح وقدرة المشروع على الاستمرار.
تدخل مطلوب قبل اتساع الأزمة
وتحتاج أزمة الخبز إلى معالجة تتجاوز ضبط سعر الرغيف، لتشمل كامل سلسلة الإنتاج، بدءا من توفير الدقيق والمواد الأساسية بأسعار مناسبة، مرورا بضمان إمدادات مستقرة من الكهرباء والوقود، وصولا إلى تشديد الرقابة على أسعار مدخلات الإنتاج.
كما تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في تسعيرة الخبز بما يوازن بين قدرة المواطن على الشراء وتكلفة الإنتاج الفعلية، مع وضع آليات تضمن وصول الدعم إلى مستحقيه وتمنع تحوله إلى عبء إضافي على السوق.
وبين طوابير الخبز ومحطات الوقود، تبدو أزمة الرغيف انعكاسا مصغرا لأزمة اقتصادية أوسع؛ كهرباء متقطعة، ووقود أكثر كلفة، ومدخلات إنتاج ترتفع أسعارها، ومخابز تقلص إنتاجها أو تغلق أبوابها، فيما تصل الفاتورة في النهاية إلى المواطن.



