تصاعد الخلاف بين المنفي والدبيبة يهدد توازنات السلطة في طرابلس
تفاهمات «4+4» والمبادرة الأميركية تعيدان رسم خريطة النفوذ السياسي

تشهد ليبيا تصاعداً ملحوظاً في التوتر بين رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي ورئيس حكومة «الوحدة منتهية الولاية» عبد الحميد الدبيبة، في تطور يعكس هشاشة الترتيبات السياسية التي أفرزها ملتقى الحوار السياسي الليبي في جنيف عام 2021، ويكشف في الوقت ذاته عمق الاختلال في موازين القوى داخل مؤسسات السلطة في العاصمة طرابلس.
فما بدا خلال السنوات الماضية شراكة سياسية بين الرجلين، تحول تدريجياً إلى علاقة يغلب عليها التنافس وتباين المصالح، خصوصاً مع بروز تحركات دولية جديدة، من بينها ما يعرف بـ«المبادرة الأميركية»، بالتزامن مع التفاهمات التي توصلت إليها لجنة «4+4». وتفتح هذه التطورات الباب أمام إعادة تشكيل السلطة التنفيذية في ليبيا، وسط أحاديث عن ترتيبات سياسية قد تؤدي إلى خروج بعض الشخصيات الحالية من المشهد، وفي مقدمتها المنفي.
شراكة فرضتها تسوية جنيف
تشكلت السلطة التنفيذية الحالية في ليبيا وفق صيغة سياسية قامت على توزيع الأدوار بين شرق البلاد وغربها، بحيث يتولى رئيس المجلس الرئاسي شخصية من الشرق، بينما يأتي رئيس الحكومة من الغرب. وبذلك لم تكن العلاقة بين المنفي والدبيبة قائمة بالأساس على تحالف سياسي متماسك، بقدر ما كانت نتاجاً لتسوية فرضتها ظروف المرحلة الانتقالية.
ويرى عضو مجلس النواب الليبي علي التكبالي أن العلاقة بين الطرفين تحكمها المصالح أكثر من كونها تحالفاً سياسياً حقيقياً، مشيراً إلى أن التحركات الدولية الراهنة قد تدفع نحو تشكيل سلطة جديدة تضم أطرافاً رئيسية من شرق ليبيا وغربها.
وتعكس هذه القراءة طبيعة الأزمة السياسية الليبية، حيث لم تنجح الترتيبات السابقة في بناء مؤسسات موحدة قادرة على تجاوز الانقسام، بل أبقت السلطة رهينة لتوازنات محلية وإقليمية ودولية متغيرة.
«4+4» يغير حسابات المرحلة المقبلة
اكتسبت التفاهمات التي تم التوصل إليها برعاية أممية أهمية خاصة، بعدما تضمنت مساراً يستهدف تشكيل سلطة تنفيذية موحدة تمهد لإجراء الانتخابات خلال عامين.
وتكمن أهمية هذا المسار في أنه ينقل النقاش الليبي من مجرد إدارة الانقسام القائم إلى البحث عن صيغة جديدة لإعادة توزيع السلطة، كما أن مشاركة ممثلين عن المعسكرين الشرقي والغربي في التفاهمات تمنحها وزناً سياسياً، وإن كان نجاحها سيظل مرتبطاً بقدرة الأطراف على تحويل التفاهمات إلى ترتيبات عملية قابلة للتنفيذ.
وفي هذا السياق، يبدو موقع المنفي أكثر تعقيداً، خصوصاً إذا اتجهت الترتيبات المقبلة إلى صيغة تستند إلى موازين القوى الحالية بدلاً من الاكتفاء بالتوزيع الجغرافي الذي قامت عليه سلطة جنيف.
اختلال واضح في موازين النفوذ
ويشير مدير مركز «صادق» للأبحاث أنس القماطي إلى أن العلاقة بين المنفي والدبيبة كانت منذ البداية محكومة بتفاوت كبير في الصلاحيات والقدرات الفعلية.
فالمنفي، رغم توليه رئاسة المجلس الرئاسي، لم يمتلك نفوذاً عسكرياً موازياً، بينما امتلك الدبيبة أدوات نفوذ أكثر مباشرة، مستفيداً من موقعه على رأس الحكومة وقدرته على إدارة الموارد المالية للدولة، فضلاً عن ارتباطه بمدينة مصراتة وما تتمتع به من ثقل عسكري وسياسي.
ويشير الباحث في المعهد الملكي للخدمات المتحدة جلال حرشاوي إلى أن هذا الاختلال في موازين القوة كان قائماً حتى قبل تولي الرجلين مسؤولياتهما، وهو ما انعكس على طبيعة العلاقة بينهما طوال السنوات الماضية.
محطات الخلاف تكشف هشاشة التوافق
لم تكن الخلافات بين المنفي والدبيبة وليدة التطورات الأخيرة، بل سبقتها محطات كشفت تدريجياً عن حدود التفاهم بين الطرفين.
ومن أبرز تلك المحطات قضية مقتل عبد الغني الككلي، رئيس جهاز «دعم الاستقرار»، في مايو 2025، وما أعقبها من قرار الدبيبة حل الجهاز، مقابل إبقاء المنفي عليه وتعيين رئيس جديد له.. واعتُبرت تلك الخطوة مؤشراً على اتساع التباين بين مؤسستي المجلس الرئاسي والحكومة.
كما برز تقارب المنفي مع قيادات جهاز «الردع» بعد تلك الأحداث، في وقت بقيت فيه قدرة المجلس الرئاسي على ممارسة نفوذ فعلي على الأجهزة الأمنية محدودة، نتيجة ارتباط جانب كبير من مواردها المالية بحكومة «الوحدة الوطنية».
ومع ذلك، شهدت العلاقة بين الرجلين محطات توافق، من بينها دعمهما إزاحة الصديق الكبير من رئاسة مصرف ليبيا المركزي، وهو ما يؤكد أن العلاقة لم تكن صدامية بصورة مستمرة، وإنما تحكمت فيها في كثير من الأحيان طبيعة الملفات ومصالح كل طرف.
المنفي أمام تضاؤل أدوات التأثير
أدت هذه التراكمات إلى وضع أكثر صعوبة أمام المنفي مع بروز التفاهمات الجديدة.. فبحسب التحليلات الواردة، يواجه رئيس المجلس الرئاسي منافسة سياسية محتملة على موقعه، في وقت يمتلك فيه الدبيبة أدوات مالية وإدارية أكبر، بينما يمتلك المعسكر الشرقي أوراقاً عسكرية وسياسية مؤثرة.
لكن هذه السيناريوهات تظل مرتبطة بمسار التفاوض الدولي وقدرة الأطراف الليبية على التوصل إلى صيغة تحظى بقبول واسع، ولا يمكن اعتبارها نتيجة محسومة في ظل الطبيعة المتغيرة للمشهد السياسي الليبي.
الرهان على القوى المسلحة.. ورقة محفوفة بالمخاطر
في المقابل، قد يجد المنفي نفسه مضطراً إلى الاعتماد على القوى الرافضة لتفاهمات «4+4»، ولا سيما بعض التشكيلات المسلحة في غرب ليبيا، باعتبارها قادرة على التأثير في مسار تنفيذ أي ترتيبات سياسية جديدة.
غير أن هذا الخيار يحمل مخاطر كبيرة؛ لأن تحويل التنافس السياسي إلى مواجهة بين القوى المسلحة قد يعيد ليبيا إلى مربع التصعيد، ويقوض أي مسار يستهدف توحيد المؤسسات وإجراء الانتخابات.
كما أن حجم التأثير الأميركي والدولي سيكون عاملاً حاسماً في تحديد قدرة الأطراف الرافضة على تعطيل الاتفاقات الجديدة. فإذا تحولت الضغوط الدولية إلى إجراءات سياسية واضحة، فقد تتراجع قدرة القوى المحلية على فرض شروطها منفردة.
ليبيا أمام اختبار إعادة بناء السلطة
تكشف الأزمة المتصاعدة بين المنفي والدبيبة عن مشكلة أعمق من الخلاف الشخصي بين مسؤولين، تتمثل في طبيعة النظام السياسي الانتقالي الذي لم ينجح حتى الآن في بناء توازن مؤسسي مستقر في ليبيا.
فاستمرار اعتماد العملية السياسية على التوافقات المؤقتة وتقاسم النفوذ بين القوى المحلية يجعل أي تغير في موازين القوة قادراً على إعادة فتح ملفات الخلاف من جديد.
كما أن ارتباط المسار السياسي بالتفاهمات الدولية يزيد من صعوبة بناء توافق ليبي مستدام إذا لم يصاحبه اتفاق داخلي واضح حول شكل المؤسسات وصلاحياتها وآليات الوصول إلى الانتخابات.



