ليبيا

ليبيا تمضي نحو تفعيل شبكة وطنية للرصد الزلزالي بـ16 محطة

مشروع لتعزيز الإنذار المبكر والبيانات الجيوفيزيائية وسط تحديات التنفيذ والجاهزية

تواصل ليبيا خطواتها نحو تفعيل الشبكة الوطنية للرصد الزلزالي، عبر تنفيذ أعمال ميدانية تستهدف إنشاء منظومة أكثر تطورًا لرصد النشاط الزلزالي وتحليل مخاطره، في مشروع تتضمن مرحلته الأولى تركيب 16 محطة رصد حديثة على امتداد الشريط الساحلي، بينها 6 محطات في المنطقة الشرقية.

ويأتي المشروع في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى امتلاك منظومة وطنية قادرة على توفير بيانات دقيقة وسريعة بشأن الهزات الأرضية، بما يعزز قدرة المؤسسات المختصة على تقييم المخاطر والتعامل مع تداعيات الكوارث الطبيعية، إلى جانب توفير معلومات موثوقة للجهات الحكومية والباحثين والجمهور.

رصد أدق للنشاط الزلزالي

وقال مدير مكتب الإعلام وتقنية المعلومات بالمركز الوطني للاستشعار عن بُعد، أنس المشري، إن المشروع يمثل خطوة مهمة لتعزيز قدرة ليبيا على رصد النشاط الزلزالي وتوفير البيانات اللازمة لتقييم المخاطر ودعم جهود إدارة الكوارث الطبيعية.

وأوضح أن محطات الرصد ستوفر معلومات دقيقة بشأن توقيت وقوع الهزات ومواقعها وأعماقها، إضافة إلى تحديد المركز السطحي والعمق البؤري، وهي بيانات يمكن توظيفها في إعداد خرائط للصدوع النشطة ودراسة طبيعة النشاط التكتوني في البلاد.

ولا تقتصر أهمية الشبكة على تسجيل الهزات فحسب، إذ يمكن للبيانات المتراكمة أن تشكل قاعدة أساسية لدراسة البنية الجيولوجية للأرض والطبقات السفلية من القشرة والوشاح، فضلًا عن تطوير قواعد البيانات الجيوفيزيائية الوطنية وربطها بالبيانات الدولية.

6 محطات في المنطقة الشرقية

وتشمل المرحلة الأولى تركيب 6 محطات في المنطقة الشرقية، موزعة على بنغازي وزاوية مسوس والمرج وشحات ودرنة وطبرق، في خطوة تستهدف توسيع نطاق التغطية وتحسين جودة البيانات المتعلقة بالنشاط الزلزالي.

وفي هذا السياق، تعمل الفرق الفنية التابعة لفرع المركز لعلوم الزلازل في غريان على تنفيذ عمليات تركيب لمحطات مؤقتة في عدد من المواقع بمدينة بنغازي وضواحيها، من بينها سد وادي القطارة، ومشروع غوط السلطان للدواجن والأبقار، ومبنى محطة الرصد الزلزالي التعليمية داخل جامعة بنغازي.

وتجرى هذه الأعمال بالتعاون بين مختصي المركز وأكاديميين من جامعة بنغازي، ضمن شراكة بحثية تستهدف تقييم المواقع والمنشآت ومدى ملاءمتها لاستضافة محطات الرصد مستقبلًا.

البيانات الزلزالية ودعم السلامة

وتكتسب الشبكة أهمية إضافية في مجال السلامة العامة، إذ يمكن للبيانات التي توفرها محطات الرصد أن تساعد المهندسين في تصميم وتنفيذ المنشآت الحيوية، بما يشمل المباني والسدود والجسور ومنشآت الطاقة، وفق المعايير التي تراعي المخاطر المرتبطة بالنشاط الزلزالي.

كما تساعد الأجهزة عالية الحساسية في التمييز بين الهزات الطبيعية والاهتزازات الناجمة عن بعض الأنشطة البشرية، فيما تتيح البيانات المتراكمة إجراء دراسات إحصائية طويلة المدى وتطوير النماذج المرتبطة بالنشاط التكتوني في المنطقة.

ومن الناحية الإعلامية، يمكن لوجود شبكة وطنية متطورة أن يسهم في توفير معلومات رسمية وسريعة حول الهزات المسجلة وخصائصها، وهو ما يقلل مساحة الشائعات والتفسيرات غير الدقيقة التي غالبًا ما ترافق الأخبار المتعلقة بالزلازل.

بين الطموح والجاهزية الفعلية

ورغم أهمية المشروع، فإن نجاح الشبكة لن يرتبط بمجرد تركيب المحطات، وإنما بقدرة المؤسسات المعنية على ضمان استمرارية تشغيلها وصيانة أجهزتها، وتوحيد آليات جمع البيانات وتحليلها وتبادلها بين الجهات المختصة.

وتبرز هنا الحاجة إلى النظر إلى المشروع باعتباره منظومة وطنية متكاملة، وليس مجرد مجموعة من محطات الرصد؛ إذ إن القيمة الحقيقية للبيانات تتوقف على وجود كوادر فنية مؤهلة، وبنية تقنية قادرة على معالجة المعلومات بصورة مستمرة، وآليات واضحة للاستجابة عند تسجيل نشاط زلزالي.

كما أن الحديث عن إمكانية دعم أنظمة الإنذار المبكر يظل مرتبطًا بمستوى جاهزية الشبكة والبنية التحتية المرتبطة بها، إذ يتطلب الإنذار الفعال سرعة في استقبال البيانات وتحليلها ونقل التنبيهات إلى الجهات المعنية، إلى جانب وجود خطط استجابة واضحة على الأرض.

أسبوعان للتقييم.. وموعد التدشين لم يُحسم

وبحسب المشري، فإن الأعمال الحالية تمثل مرحلة أولية ضمن مسار تفعيل الشبكة الوطنية للرصد الزلزالي، فيما يتوقع استكمال عمليات التقييم الفني للمواقع خلال أسبوعين، على أن تتبعها مرحلة تركيب المحطات من جانب الشركة المصنعة.

ويُنتظر بعد ذلك استكمال التجهيزات اللازمة تمهيدًا لتدشين الشبكة ودخولها الخدمة الفعلية، إلا أن المشروع لا يزال دون موعد نهائي معلن للتشغيل.

ويعكس ذلك أن التحدي الأساسي خلال المرحلة المقبلة لن يكون فقط في استكمال التوزيع الجغرافي للمحطات، بل في الانتقال من مرحلة الإنشاء والتجهيز إلى مرحلة التشغيل المستدام، بما يضمن الاستفادة الفعلية من البيانات وتحويلها إلى أدوات عملية في التخطيط العمراني والهندسي وإدارة المخاطر.

وفي المحصلة، يمثل مشروع الشبكة الوطنية للرصد الزلزالي خطوة مهمة باتجاه بناء قدرة علمية ومؤسسية أفضل في مواجهة المخاطر الطبيعية، غير أن تحقيق أهدافه يتطلب استمرارية التمويل والصيانة، ورفع كفاءة الكوادر، وتعزيز التعاون بين المؤسسات العلمية والتنفيذية، إلى جانب وضع آليات واضحة لتحويل البيانات الزلزالية إلى قرارات وإجراءات وقائية قابلة للتطبيق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى