ليبيا

انهيار الدينار واستنزاف الاحتياطيات.. حكومة الدبيبة تدفع ليبيا نحو الهاوية الاقتصادية

9.15 دينار للدولار.. فجوة 40% تكشف فشل حكومة الدبيبة في ضبط الإنفاق الموحد

ليبيا 24

اتفاق التوحيد.. وعدٌ براق ونزيفٌ مالي يتواصل.. والدينار ينهار والدولار يقترب من 10 دنانير

اتفاق بلا روح.. والإنفاق ينزف بلا رقيب

في أبريل الماضي، احتفلت حكومة عبدالحميد الدبيبة منتهية الولاية بتوقيع “اتفاق تاريخي” لتوحيد الإنفاق العام، برعاية دولية وإشراف مصرف ليبيا المركزي. وكانت الأطراف الموقعة – وفي مقدمتها حكومة الدبيبة – قد تعهدت بالالتزام بسقف إنفاق لا يتجاوز الإيرادات، في محاولة لإنهاء 13 عاماً من الانقسام المالي والإنفاق المزدوج.

غير أن المؤشرات الميدانية تقول غير ذلك. فبرغم تغييب البيانات المالية – أو حجبها بتعبير أدق – تشير مؤشرات سوق الصرف بوضوح إلى أن الإنفاق الفعلي يتجاوز الإيرادات بفارق كبير، وفق ما يؤكده الخبير الاقتصادي إدريس الشريف في منشور له عبر صفحته على فيسبوك.

وبعبارة أكثر صراحة: الاتفاق الذي كان يفترض أن يكون طوق نجاة للاقتصاد الوطني، تحول إلى مجرد وثيقة شكلية، فيما استمر نزيف الإنفاق المنفلت بلا حسيب ولا رقيب.

فجوة 40%.. عندما يتحدث السوق louder من التصريحات

الترمومتر الحقيقي لاقتصاد أي بلد هو سعر صرف عملتها. وفي ليبيا، يتحدث هذا الترمومتر بلغة الأرقام الصادمة. فقد سجل سعر الدولار في السوق الموازية اليوم 9.15 دينار، بفارق يتجاوز 40% عن السعر الرسمي البالغ 6.33 دينار. وقبل أيام فقط، كان الدولار قد بلغ 9.32 دينار، في موجة صعود متصلة تعكس عمق الأزمة.

هذه الفجوة ليست مجرد رقم في بورصة العملات، بل هي انعكاس مباشر لخلل هيكلي في السياسة المالية للدولة.

فإيرادات الحكومة التي تموّل الإنفاق العام تأتي – بنحو 98% – من بيع دولارات النفط إلى المصرف المركزي بالسعر الرسمي. وطالما أن الإنفاق يتحرك في حدود الإيرادات، يبقى سوق الصرف أكثر توازناً. ولكن عندما يتجاوز الإنفاق الإيرادات، يضطر المصرف إلى خلق دينارات جديدة لتغطية العجز، وفق ما يوضحه الشريف.

دينارات بلا غطاء.. والمضاربة تلتهم العملة

المشكلة تبدأ عندما تُضخ دينارات إضافية في الاقتصاد من دون أن تقابلها دولارات إضافية أو إنتاج حقيقي بالقدر نفسه.

وفي اقتصاد منكشف يعتمد على الخارج في توفير معظم السلع والخدمات، تتحول نسبة كبيرة من هذه الدينارات إلى طلب على الدولار. ثم يحدث الأخطر: عندما يبدأ الدينار في فقدان قيمته، لا يبقى الطلب على الدولار طلباً تجارياً فقط، بل يظهر طلب المضاربة للاستفادة من فروق الأسعار، وطلب التحوط لحماية المدخرات من التآكل.

وهكذا يصبح انخفاض قيمة الدينار نفسه مولّداً لمزيد من الطلب على الدولار، في حلقة مفرغة تستنزف الاحتياطيات وتعمّق الأزمة. وقد حاول المصرف المركزي احتواء الفجوة بضخ دولارات إضافية من الاحتياطيات، بعد أن جرب سابقاً تخفيض قيمة الدينار ثلاث مرات وفرض رسوم على بيع الدولار. لكن هذه الإجراءات – مهما أخرت المشكلة – لا تعالج أصل المرض.

تحذيرات المركزي.. وإنذار بكارثة الرواتب

في تطور يكشف حجم الكارثة، وجّه مصرف ليبيا المركزي رسالة تحذيرية إلى وزارة المالية بشأن استمرار ارتفاع فاتورة المرتبات، محذراً من أن هذا المسار قد يؤدي إلى عجز في مخصصات الباب الأول من الميزانية العامة بنهاية السنة المالية 2026.

وكشف المصرف أن متوسط الاعتمادات الشهرية للرواتب ارتفع من 6.113 مليار دينار في 2025 إلى نحو 6.211 مليار دينار خلال الأشهر الخمسة الأولى من 2026.

هذا التحذير الرسمي من المؤسسة النقدية ذاتها يؤكد أن الإنفاق المنفلت لم يعد مجرد اشتباه، بل حقيقة مثبتة تهدد بانهيار المالية العامة للدولة. فكيف يمكن الحديث عن إصلاح اقتصادي شامل في ظل استمرار الإنفاق الممول بالدين العام؟!

وقف النزيف أولاً.. ثم علاج المرض

هنا يتدخل الخبير الاقتصادي عدنان نفو برؤية نقدية واضحة، إذ يرفض فكرة تأجيل ضبط الإنفاق لحين توفر خطة إصلاح شاملة، معتبراً أن “تقليص الإنفاق غير المنضبط هو بداية الإصلاح.. وطبعاً ليس نهايته”.

ويضرب نفو مثلاً بليغاً: “القول إن ضبط الإنفاق المنفلت الممول بالدين العام يجب أن يكون ضمن عملية اصلاح شاملة، يشبه من يرفض إيقاف النزيف بحجة أن المريض يحتاج إلى عملية كاملة. أوقف النزيف أولاً ثم عالج المرض!”

فالمشكلة – كما يوضح – ليست مجرد أرقام في موازنة، بل هي جهاز وظيفي متضخم، وتشوه في سعر الصرف، واستنزاف للموارد والاحتياطيات، واقتصاد ريعي يعتمد على النفط. لكن معالجة كل هذه الاختلالات تظل مستحيلة مع استمرار الإنفاق المنفلت الممول بالدين.

من يدفع الثمن؟ المواطن المكلوم

في كل هذه المعادلات المعقدة، يبقى طرف واحد يدفع الثمن: المواطن الليبي المغلوب على أمره. فارتفاع الدولار يعني ارتفاع الأسعار، وتآكل المدخرات، وتراجع القوة الشرائية.

وفي وقت تتراوح فيه مرتبات شريحة واسعة من الليبيين بين 900 و2000 دينار فقط (ما يعادل 150 إلى 300 دولار)، أصبح شراء احتياجات الحياة الأساسية أمراً بالغ الصعوبة.

والأكثر إيلاماً أن هذا الواقع المأساوي يتزامن مع تصريحات رسمية تبارك الاتفاقات وتحتفي بها، بينما المؤشرات الميدانية تتحدث عن انهيار متسارع. فالمواطن لا يهمه وعود السياسيين بقدر ما يهمه سعر الخبز والدواء والوقود.

والمؤشر الحقيقي – كما يقول الشريف – هو مستوى الأسعار، وترمومتر القياس هو سعر الصرف في السوق. وهذا الترمومتر اليوم يشير إلى أن البلاد في حالة خطر اقتصادي حقيقية.

غياب البيانات.. وحجب المعلومات

أما الخبير الاقتصادي عمر البربار فيطرح سؤالاً محورياً: “المفترض أن اتفاق توحيد الإنفاق وإعداد ميزانية موحدة تضم كل نفقات الدولة وإيراداتها قد عالج كل ما ذكرت”. لكنه يعترف بأن الجميع في انتظار نشر البيانات المالية للتحقق من مدى الالتزام.

وهذا بالذات هو جوهر المشكلة: غياب البيانات أو حجبها يمنع أي رقابة حقيقية على أداء الحكومة، ويحول دون محاسبتها على ما تقترفه من تجاوزات. ففي غياب الشفافية، يصبح الاتفاق مجرد حبر على ورق، وتصبح الوعود مجرد كلام في الهواء.

من المسؤول؟

السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: من قرر الإنفاق الزائد والمنفلت؟ ومن موّل العجز؟ ومن سمح بخلق دينارات جديدة دون موارد حقيقية تقابلها؟

الإجابة – وفق ما يستخلص من تحليل الخبراء – تشير بوضوح إلى حكومة الدبيبة منتهية الولاية، التي وقعت على الاتفاق ثم نقضته بالممارسة، واستمرت في سياسة الإنفاق المتهور رغم التحذيرات المتكررة من المؤسسات النقدية والاقتصادية.

لكن الأهم من تحديد المسؤولية هو وقف النزيف. ففي كل الأحوال، تأكيد الالتزام بالاتفاق أو نفيه يكون بعد نشر بيانات الإنفاق والإيرادات. والمواطن الليبي – الذي يئن تحت وطأة الأسعار المرتفعة والدولار الصاعد – ينتظر من الحكومة ما هو أبعد من التصريحات البراقة: ينتظر أفعالاً تُوقف نزيف الاقتصاد، وتحمي ما تبقى من مدخراته، وتعطي أملاً في مستقبل أفضل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى