حكومة الدبيبة تراهن على إجراءات شكلية.. وليبيا تغرق في غياب الرؤية وطوابير الوقود
ليبيا 24
بين وعود التنظيم وطوابير الوقود.. ليبيا ترسم مستقبلها بعينين مغمضتين والمواطن يدفع الثمن
ضبابية المستقبل.. حين يصبح الأسبوع المقبل مجهولاً
بينما تمتد استراتيجيات دول العالم لعقود قادمة، تظل ليبيا أسيرة لحظة راهنة ضبابية، يعجز صناع قرارها عن تقديم رؤية واضحة لأسبوع واحد فقط. هذا ما يطرحه بإلحاح أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي الدكتور علي الشريف، في منشور له عبر صفحته على فيسبوك، ليضع يده على جرح اقتصادي ينزف منذ سنوات دون علاج.
فالمشهد الليبي اليوم يعكس تناقضاً صارخاً: أزمات متلاحقة تختنق فيها مفاصل الدولة، بينما يتحدث المسؤولون عن خطط إصلاحية لا تجد طريقها إلى أرض الواقع. ويبقى السؤال الأوجع: كيف يمكن بناء مستقبل في غياب رؤية للحاضر؟
طوابير الوقود.. لغز ينتظر تفسيراً من البريقة
في مشهد يعيد إلى الأذهان سنوات الحصار، تواصل أزمة طوابير الوقود استنزاف وقت الليبيين وأعصابهم، رغم تأكيدات المسؤولين باستمرار تزويد السوق بالمحروقات. هذا التناقض الصارخ – بحسب الشريف – “مناقض للمنطق”، مما يضع شركة البريقة أمام مسؤولية تفسير هذا اللغز الذي يبدو بلا حلول.
فكيف لملايين اللترات من الوقود أن تتبخر في متاهات التوزيع، بينما يقف المواطن لساعات تحت الشمس للحصول على احتياجه الأساسي؟ الإجابة قد تكون أبعد من مجرد اختناقات لوجستية، لتصل إلى فساد في منظومة التوزيع، أو تهريب منظم للوقود المدعوم إلى الأسواق المجاورة، في مافيا تستنزف الدعم الحكومي وتدفع المواطن ثمن فاتورة تزيد عن مليار دولار سنوياً.
1.5 مليار دولار فقط.. حصيلة النفط التي لا تكفي
تكشف الأرقام الصادرة عن المؤسسة الوطنية للنفط، وفق ما يشير إليه الشريف، عن واقع مرير: إيرادات النفط بلغت 2.55 مليار دولار، لكن صافيها بعد خصم فاتورة توريد المحروقات المتجاوزة للمليار دولار لا يتعدى 1.5 مليار دولار تقريباً.
هذا الرقم المحدود، في مواجهة حجم الالتزامات ومتطلبات المرحلة الراهنة، يضع مصرف ليبيا المركزي أمام مأزق حقيقي في تغطية الطلب المتزايد على النقد الأجنبي والوفاء بالاحتياجات الأساسية للاقتصاد. وبينما كان من المفترض أن تكون عوائد النفط رافعة للتنمية، تحولت إلى مجرد أرقام تتبخر في متاهات الفساد والإنفاق المنفلت، وسط ارتفاع متواصل في حجم الإنفاق العام الذي يلتهم أي فائض محتمل.
اجتماعات وتنسيقات.. هل تحل أزمة الاعتمادات؟
في خطوة توصف بالإيجابية، جمع اجتماع محافظ مصرف ليبيا المركزي ووزير الاقتصاد بحكومة الوحدة الجهود لتنظيم السوق وضبط منظومة الاعتمادات. ويعبر الشريف عن أمله في أن تنعكس هذه الخطوة على توجيه الاعتمادات نحو توريد الاحتياجات الفعلية للسوق، والحد من الطلب غير المبرر على العملة الأجنبية الناتج عن الاعتمادات الوهمية التي استنزفت احتياطيات الدولة لعامين متتاليين.
لكن الأمل يبقى معلقاً على ما هو أبعد من الاجتماعات. فاستمرار التنسيق بين الجهات المعنية هو حجر الأساس لأي جهود جادة لتحقيق استقرار السوق، لكنه دون رقابة صارمة ومحاسبة حقيقية سيبقى مجرد واجهة شكلية. فالسؤال المطروح: هل ستنجح هذه التنسيقات في كشف الاعتمادات الوهمية ومنعها، أم ستظل مجرد وعود تتبخر عند أول اختبار؟
قرار منع الاستيراد خارج النظام المصرفي.. خطوة أم سراب؟
إصدار وزير الاقتصاد في الحكومة الليبية قراراً يتوافق مع نظيره في حكومة الوحدة بشأن منع الاستيراد خارج النظام المصرفي، يعد – وفق قراءة الشريف – خطوة مهمة نحو توحيد الإجراءات وتنظيم التجارة الخارجية. ويعزز هذا التنسيق من فرص نجاح هذه الإجراءات، خاصة إذا ما تبعته إجراءات رقابية صارمة على المنافذ البرية والبحرية والجوية.
لكن الشريف لا يغفل عن العامل الحاسم: المنافذ الحدودية. فهي – كما يؤكد – العامل الأكبر في تعزيز فاعلية القرار. ففي غياب السيطرة الفعلية على الحدود، وغياب الإرادة السياسية لوقف التهريب، تظل هذه القرارات حبراً على ورق. وتظل الأسواق الموازية تزدهر، وتظل العملة الصعبة تتسرب من خزائن الدولة إلى جيوب المهربين.
حلم الحكومة الواحدة.. قرار واحد بدلاً من اثنين
الأمل الأكبر، كما يراه الشريف، هو أن يكون توحيد قرارات وزارتي الاقتصاد بنفس المواد، خطوة أولى نحو توحيد الحكومات، وصولاً إلى قرار واحد يصدر عن حكومة واحدة. فهذا التوجه نحو التقريب بين المؤسسات في الشرق والغرب يحمل في طياته أملاً حقيقياً في تجاوز حالة الانقسام التي أرهقت البلاد.
لكن الواقع يقول غير ذلك. فالتنسيق بين وزارتين في حكومتين متنازعتين يبقى موقتاً وهشاً، ما لم يتبعه حل سياسي شامل يعيد بناء مؤسسات الدولة على أسس وطنية بعيداً عن المحاصصة والفساد. وحتى ذلك الحين، يظل المواطن الليبي رهينة قرارات مزدوجة ووعود لا تنفذ.
بلومبيرج تحذر.. 120 دولاراً وفساد يعيق الاستفادة
في تحذير يضع ليبيا أمام مرآة واقعها، تتوقع وكالة بلومبيرج الأمريكية ارتفاع أسعار النفط إلى 120 دولاراً للبرميل. لكن الوضع السياسي الهش، كما يشير الشريف، سيعيق أي استفادة من هذا النمو المتوقع في الإيرادات، بسبب الفساد المصاحب لهذه الهشاشة.
هذه الرؤية المستقبلية القاتمة تضع النقاط على الحروف: ليبيا تملك ثروة نفطية هائلة، لكنها تعجز عن تحويلها إلى تنمية حقيقية. فالفساد المستشري، والحكومة المنقسمة، وضعف المؤسسات، كلها عوامل تحول دون استفادة البلاد من أي ارتفاع في أسعار النفط. وكما حذر الشريف، فإن العوائد الإضافية لن تصل إلى جيوب الليبيين، بل ستذوب في متاهات الفساد والإنفاق غير الرشيد.
من يدفع الثمن؟ المواطن في الطوابير وأمام المحلات
في كل هذه الأزمات المتشابكة، يبقى المواطن الليبي هو الضحية الأكبر. فهو من يقف في طوابير الوقود لساعات، وهو من يعاني ارتفاع الأسعار جراء تدهور قيمة الدينار، وهو من يدفع ثمن فاتورة الاستيراد التي يتحكم فيها فاسدون ومحتكرون.
فبينما تتحدث الحكومة عن إجراءات تنظيمية وتنسيقات بين مؤسساتها، يبقى المواطن يئن تحت وطأة غياب الرؤية واضطراب السياسات. وفي غياب الشفافية والمحاسبة، ستظل كل هذه الإجراءات مجرد مسكنات لا تعالج المرض، بينما تنهش الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي ما تبقى من قدرة شرائية للمواطن المكلوم.
خلاصة مؤلمة.. طريق طويل نحو الإصلاح
ما يطرحه الدكتور علي الشريف ليس مجرد تحليل أكاديمي، بل هو قراءة واقعية لوضع اقتصادي يمر بأسوأ مراحله. فغياب الرؤية الاستراتيجية، واستمرار أزمة الوقود رغم توافره، وهشاشة الإيرادات النفطية، وفشل الإجراءات التنظيمية في كبح جماح السوق الموازية، كلها عوامل ترسم صورة قاتمة لمستقبل الاقتصاد الليبي.
ويبقى الأمل معقوداً على إرادة سياسية حقيقية تضع مصلحة المواطن فوق كل اعتبار، وتعمل على توحيد المؤسسات، ومحاربة الفساد، ووضع استراتيجية واضحة تمتد لعشرين عاماً بدلاً من الضياع في ضبابية اليوم والغد. فالمسألة لم تعد رفاهية، بل ضرورة وجودية لإنقاذ ما تبقى من دولة ومجتمع.



