علاوة الحصة.. “وعود معلّقة” وحقوق مسلوبة: هل يدفع الطلاب ثمن استمرار أزمة المعلمين في ليبيا؟
· تصعيد نقابي غير مسبوق: المعلمون يغلقون أبواب المدارس وحكومة الدبيبة تلوّح بالوعود
ليبيا 24
من طرابلس إلى بنغازي: إضراب مفتوح يشل قطاع التعليم وحقوق المعلمين رهينة التجاذبات السياسية
في خطوة تعكس اتساع رقعة الغضب الشعبي ضد سياسات حكومة الدبيبة منتهية الولاية، دخل آلاف المعلمين في مختلف المدن الليبية في اعتصام مفتوح، معلنين رفضهم القاطع لسياسة المماطلة والتسويف التي تنتهجها الحكومة برئاسة عبد الحميد الدبيبة تجاه مطالبهم المشروعة.
وفيما تتمسك الوزارة بموعد انطلاق العام الدراسي الجديد، يجد أولياء الأمور والطلاب أنفسهم في مواجهة مصير مجهول، يدفعون ثمنه من مستقبلهم وأعصابهم في ظل أزمة اقتصادية خانقة وتراجع حاد في القدرة الشرائية.
حقوق مشروعة.. ومسؤولية قانونية وأخلاقية
إن مطالب المعلمين ليست ترفاً ولا منّة من أحد، بل هي حقوق قانونية وأخلاقية كفلتها التشريعات الليبية. صرف علاوة الحصة، وصرف الفروقات المالية المستحقة بموجب القانون رقم (4)، وتفعيل منظومة التأمين الصحي، وإصدار قانون حماية المعلم — كلها مطالب لا يجوز التقليل منها أو تصوير أصحابها وكأنهم يقفون ضد الوطن.
المعلم مواطن قبل أن يكون موظفاً، وله بيت وأبناء والتزامات، ويواجه الغلاء كما يواجهه الجميع.
ومن باب المسؤولية القانونية، فإن تأخير صرف المستحقات المالية يمثل مخالفة صريحة للتشريعات النافذة، ويضع الحكومة في موضع المساءلة أمام الرأي العام والقضاء.
حكومة تنسف المعلم ولا تنصفه
الأرقام تتحدث عن نفسها. بحسب بيانات رسمية، عدد المعلمين الذين لديهم جداول حصص يبلغ نحو 195 ألفاً، وهو رقم ضخم لا يمكن تجاهله أو التلاعب بحقوقه.
ورغم أن الدبيبة أعلن في مناسبات عدة عن إحالة علاوة الحصة للمعلمين، إلا أن التنفيذ الفعلي لا يزال يراوح مكانه في كثير من المراقبات التعليمية. بل إن حكومة الدبيبة منتهية الولاية لا تتردد في إطلاق تصريحات استفزازية بحق المعلمين، من قبيل اتهامهم بتعاطي المخدرات، وهو تعميم ظالم يهدم الثقة بين الوزارة والمعلمين.
فبدلاً من إصلاح بيئة التعليم ودفع الرواتب المتأخرة، يُوجّه الاتهام لمن ضحوا بحياتهم داخل الفصول في أصعب الظروف.
الشارع الليبي: من يدفع الثمن؟
على منصات التواصل الاجتماعي، تتصاعد موجة الغضب الشعبي ضد حكومة الدبيبة. يقول أحد المعلمين في طرابلس: “المعلم يطالب بعلاوة الحصة وهي من صميم عمله، فهل من المعقول أن يبقى رهين وعود لا تنفذ؟”.
وتضيف معلمة من مصراتة: “مافيش كيف نوصلو المدرسة من قلة البنزينة، يتحسن الوضع نمشو، ولو ما تحسنش ترتح ع الطالب”.
أما أحد الناشطين من بنغازي فيقول: “الطالب يعاني لسنوات من معلمين عديمي المسؤولية، لكن مش مهم شن ايطلعوا، توا عندك ناس تخدم ومن حقها اتطالب بحقوقها. اعطيهم حقوقهم بعدين دير حملة لفصل المدرسين الغير أكفاء”. ويرى آخر من سبها أن “التعميم في مثل هذه القضايا يهدم الثقة بين الوزارة والمعلمين”.
التسويف.. سيناريو مألوف
من بنغازي إلى طرابلس، ومن مصراتة إلى سبها، تتكرر المأساة ذاتها. نقابات المعلمين في المنطقة الوسطى أعلنت تعليق انطلاق العام الدراسي لمدة 15 يوماً، مع السماح باستمرار الأعمال الإدارية فقط، في خطوة تصعيدية تهدف إلى الضغط على الجهات المختصة لتنفيذ الالتزامات المالية المتأخرة.
وفي طرابلس، لوّح نقيب المعلمين أشرف أبو راوي بعدم فتح المدارس أبوابها، مؤكداً وجود “تراكمات لمشكلات وظيفية ومالية لم تجد طريقاً للحل”.
ماذا بعد؟
السؤال الذي يفرض نفسه: إلى متى سيبقى المعلم الليبي رهينة وعود حكومة منتهية الولاية؟ وإلى متى سيدفع الطالب الليبي ثمن التجاذبات السياسية والتسويف الإداري؟ إن استمرار هذا الوضع سيؤدي حتماً إلى مزيد من التآكل في المنظومة التعليمية، وتهديد مستقبل أجيال كاملة من أبناء ليبيا.
الحل يكمن في صرف حقوق المعلمين فوراً دون تأخير أو مماطلة، ثم فتح ملف إصلاح التعليم بمعايير مهنية واضحة بعيداً عن الحسابات السياسية الضيقة. الوطن أكبر من أي حكومة، ومستقبل أبنائنا يستحق معلمين ينصفون، لا معلمين يدفعون الثمن.



