بين شرعية الأمم المتحدة و«شرعية» أنقرة: من يملك حق تقرير مصير الليبيين؟
البيان المشترك يغفل الإشارة إلى مخرجات «4+4».. ومخاوف من التفاف جديد على إرادة الليبيين
ليبيا
أنقرة تشعل الصراع على الشرعية: هل تتحول لجنة «6+6» إلى مقبرة اتفاق «4+4» الذي رعاه مجلس الأمن؟
في تطور يعيد خلط أوراق المشهد السياسي الليبي، استضافت العاصمة التركية أنقرة لقاءً جمع رئيس مجلس النواب عقيلة صالح ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة، أسفر عن بيان مشترك أعلن استئناف عمل لجنة «6+6» لاستكمال القوانين الانتخابية، في خطوة تثير تساؤلات جوهرية حول مصير اتفاق «4+4» الذي رعته بعثة الأمم المتحدة وحظي بترحيب مجلس الأمن الدولي.
البيان المشترك، الذي لم يتضمن أي إشارة مباشرة إلى مخرجات «4+4»، جاء ليكشف عن حجم التناقض بين مسارين يتصارعان على الشرعية: مسار أممي دولي يحظى بإجماع القوى الكبرى، ومسار ثنائي يبحث عن شرعية بديلة عبر بوابة أنقرة.
فخ الشرعية الموازية
يمكن قراءة هذا التحرك باعتباره محاولة مكشوفة من رئيسي المجلسين لاستعادة مركزية القرار السياسي بعد أن شعرا بأن اتفاق «4+4» — الذي ضم أربعة ممثلين عن الشرق ومثلهم عن الغرب — قد جردهما من دورهما المحوري في رسم ملامح المرحلة الانتقالية.
وهو ما يطرح سؤالاً مشروعاً لدى المواطن الليبي: لماذا يصر مجلسان فشلا على مدار أكثر من عقد في إنتاج إطار دستوري توافقي على إعادة إنتاج نفسيهما كآلية وحيدة لتقرير مستقبل البلاد؟ والأخطر من ذلك، أن البيان المشترك ركز على «توحيد المناصب السيادية والسلطة التنفيذية»، وهو ما يثير مخاوف حقيقية من أن يكون الهدف الحقيقي هو تقاسم المغانم لا إنجاز الاستحقاق الانتخابي.
«4+4»: المسار الذي أراده الليبيون
لا يمكن إغفال حقيقة أن لجنة «4+4» جاءت كنتاج مباشر لخارطة الطريق الأممية، ووقعت اتفاقها في 30 أغسطس الماضي برعاية بعثة الأمم المتحدة، وتحديداً في شأن إعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات وتعديل الإطار الانتخابي.
وقد رحب مجلس الأمن بهذا الاتفاق ووصفه بأنه «خطوة أساسية ومهمة نحو إجراء انتخابات وطنية حرة ونزيهة وشفافة وجامعة». بل إن مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، دعا صراحة إلى «البناء على اتفاق 4+4 والمضي في تنفيذه».
هذا الزخم الدولي الواسع يضع أي محاولة لاستبدال هذا المسار أو تجاوزه في مواجهة مباشرة مع الإرادة الدولية، ويجعل من لقاء أنقرة خطوة محفوفة بالمخاطر قد تدفع البعثة الأممية إلى البحث عن آليات بديلة لتجاوز عرقلة المجلسين.
تحليل الفنيش: التوقيت والخيارات الثلاثة
وفي هذا السياق، يقول المحلل السياسي حسام الفنيش، إن البيان المشترك الصادر عن رئيس مجلس النواب ورئيس المجلس الأعلى للدولة عقب اجتماعهما في أنقرة يفتح متغيراً جديداً في المشهد السياسي الليبي يتجاوز في دلالاته مجرد إعادة تفعيل لجنة سبق أن تعثرت.
ويضيف الفنيش في منشورات له عبر صفحته على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك ورصدته ليبيا 24، أن الأهم هو دلالة التوقيت؛ فاللقاء يأتي بعد ترحيب مجلس الأمن بمخرجات «4+4»، وفي لحظة يفترض أن تنتقل فيها تلك المخرجات من مرحلة التوافق إلى مرحلة الاختبار والتنفيذ.
ومن هنا، يطرح الفنيش سؤالاً جوهرياً: هل عودة «6+6» امتداد للمسار الذي حظي بترحيب دولي، أم إعادة فتح للمسار التشريعي من زاوية مختلفة؟
ويوضح الفنيش، أن «4+4» كانت تمهيداً للانتقال من مرحلة تحديد اللاعبين إلى مرحلة تشكيل قواعد اللعبة السياسية للمرحلة القادمة. أما عودة «6+6» فتطرح ثلاثة احتمالات: أن تكون امتداداً لمخرجات «4+4» من خلال توسعة الطاولة بإضافة لاعبين وقضايا جديدة، أو أن تتحول إلى مدخل لإعادة مركزية القرار لدى مجلسي النواب والدولة، أو أن تكون مساراً موازياً لمسار البعثة الأممية بعد إعلان نتائج مخرجات «4+4».
اختبار مجلس النواب وأعضاء «4+4»
ويرى الفنيش أن مجلس النواب أمام اختبار سياسي مهم: هل يذهب أعضاؤه بنصاب قانوني كافٍ مع عقيلة صالح في إعادة تفعيل «6+6» في ظل إعلان أكثر من مئة نائب سابقاً تأييدهم لمخرجات «4+4»؟ وهل سينظر إلى اللجنة باعتبارها استكمالاً للمسار أم بديلاً عنه؟
وفي المقابل، يقول الفنيش إن موقف أعضاء «4+4» سيكون مهماً، إذ قد يعتبر بعضهم أي تجاوز لمخرجات اللجنة أو استبدالها بـ«6+6» التفافاً على المسار الذي شاركوا فيه وعن إرادة أطراف الأمر الواقع والقوى الفاعلة على الأرض.
حضور تركيا
ويضيف الفنيش، أن استضافة تركيا لاجتماعات «6+6» تمنحها دوراً مؤثراً دون أن يعني ذلك بالضرورة نشوء «مسار تركي» مستقل. ويطرح هنا السؤال الأمريكي: هل جاءت استضافة أنقرة في إطار تفاهم أو تنسيق أمريكي–تركي أوسع، أم أنها مبادرة تركية تتحرك وفق حسابات أنقرة وعلاقاتها مع مختلف الأطراف الليبية؟
ويشير الفنيش إلى أنه لا توجد حتى الآن معطيات علنية كافية تسمح بالحسم في هذا الاتجاه.
الاختبار الدولي القادم
ويؤكد الفنيش أن الاختبار الأهم الآن سيكون دولياً: كيف ستتعامل البعثة الأممية والمجتمع الدولي مع لقاء أنقرة؟ وهل ستتعامل معه باعتباره مساراً مكملاً لـ«4+4»، أم ستتركه في إطار تفاهم ثنائي بين رئيسي المجلسين إلى حين اتضاح مواقف المؤسسات والأطراف الأخرى؟
ويقول إن البيانات والمواقف القادمة للبعثة الأممية والعواصم المؤثرة، وكذلك موقف المستشار الأمريكي مسعد بولس، ستكون مؤشراً مهماً على موقع «6+6» في الخريطة السياسية الجديدة. فإذا حظي المسار بقبول دولي وجرى إدماجه في خارطة الطريق الأممية، فقد يصبح أداة لتوسيع الطاولة واستكمال ما بدأته «4+4».
أما إذا جاء التعاطي الدولي معه باعتباره مساراً منفصلاً أو بديلاً عن المخرجات التي حظيت بترحيب مجلس الأمن، فقد يجد نفسه أمام اختبار صعب يتعلق بالشرعية الدولية وقابلية تنفيذ مخرجاته.
ويخلص الفنيش إلى أن اللحظة الحاسمة ليست انعقاد «6+6» في تركيا، وإنما ما سيأتي بعد لقاء أنقرة: ماذا ستقول البعثة؟ ماذا سيكون موقف المجتمع الدولي؟ وكيف ستتعامل واشنطن وبولس مع هذه الخطوة؟
ومن هنا، يقول إن السؤال الحقيقي ليس: هل عادت «6+6»؟ بل: هل ستصبح حلقة جديدة في المسار الدولي للتسوية، أم ستظل تفاهماً بين المجلسين دون اعتراف دولي، بل قد تواجه الاستبعاد كمسار موازٍ ومعرقل؟
من سيبقى في المشهد؟
وفيما يتعلق بالتباين بين رئيس الحكومة منتهية الولاية عبد الحميد الدبيبة ورئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، يقول الفنيش، إن حالة التنافر بين الرجلين لا يمكن فصلها عن التحولات التي يشهدها المشهد السياسي الليبي، خاصة مع انخراط الدبيبة في مسار سياسي تدفع الولايات المتحدة باتجاهه، ويتضمن ترتيبات رئيسية تتصل بإعادة ترتيب المشهد السياسي والتوازن بين شرق ليبيا وغربها.
ويضيف أن الدبيبة والمنفي جاءا أصلاً ضمن قائمة واحدة لإدارة السلطة التنفيذية، لكن تطورات المرحلة أظهرت تبايناً متزايداً في الرؤية والحسابات السياسية، إلى جانب غياب التنسيق بين الحكومة والمجلس الرئاسي في عدد من الملفات، وهو ما عمّق حالة التباعد بين الرجلين.
ويشدد الفنيش على أن المسألة تتجاوز الخلاف الشخصي لتصل إلى سؤال أكبر يتعلق بمن سيبقى في المشهد السياسي ومن سيغادر؛ فالمسار الذي يجري الدفع به دولياً يقود إلى إعادة تشكيل السلطة التنفيذية وتغيير المجلس الرئاسي، ليكون ذلك أحد مخرجاته الرئيسة.
ويبرز أن مستقبل العلاقة بين الدبيبة والمنفي سيتحدد، إلى حد كبير، وفق مآلات هذا المسار. وإذا اتجهت الترتيبات نحو تغيير المجلس الرئاسي أو إعادة تشكيل السلطة التنفيذية، فقد نكون أمام نهاية سياسية للشراكة التي جمعت الرجلين، أكثر من كونها مجرد خلاف عابر بينهما.
مجلس الأمن يرحب بالمسار.. هل يصادق المجلسان على مخرجات «4+4»؟
ويعود الفنيش ليؤكد أن ترحيب مجلس الأمن بمخرجات لجنة «4+4» يمكن قراءته باعتباره تطوراً سياسياً في ملف مخرجات اللجنة ومسار البعثة، ليس فقط من حيث الدعم الذي يمنحه للاتفاق، وإنما من حيث إنه يضع هذه المخرجات داخل سياق دولي أكثر وضوحاً باعتبارها إحدى الأدوات المطروحة لتحريك العملية السياسية الليبية.
ويقول إن الانعكاس الحقيقي لهذا الموقف سيظهر في الأيام القادمة، وتحديداً في كيفية تعامل مجلسي النواب والدولة مع المخرجات. فالمجلسان يظلان جزءاً أساسياً من المعادلة السياسية، لكن استمرار الخلاف أو تعطيل مسار الاعتماد يسرع البعثة الأممية في التوجه إلى خيارات أخرى للتعامل مع حالة الجمود، خصوصاً بعد ترحيب مجلس الأمن بمخرجات الاتفاق ودعوته للإسراع في تنفيذه.
ويجزم الفنيش بأنه في حال عدم تصديق المجلسين على مخرجات الاتفاق خلال أيام أو أسابيع، فإن البعثة ستتجه بالتنسيق مع الأطراف الدولية إلى إيجاد آلية أخرى لتنفيذ أو اعتماد العناصر التي تم التوافق عليها، بدل السماح باستمرار حالة التعطيل.
ولا يعني ذلك بالضرورة تجاوز مجلسي النواب والدولة بصورة مباشرة، وإنما قد يعني إعادة ترتيب أدوات المسار السياسي بحيث لا يصبح أي طرف قادراً على إبقاء العملية بأكملها رهينة للخلاف حول آليات الاعتماد.
وفي هذا السياق، يقول إن ترحيب مجلس الأمن يكتسب أهمية خاصة؛ لأنه يوفر للمخرجات مظلة سياسية دولية، وقد يجعل أي آلية أممية لاحقة تستند إلى «4+4» أكثر قابلية للحصول على الدعم الدولي بدل البدء من مسار جديد.
وبالتالي، فإن النقاش في المرحلة المقبلة قد ينتقل تدريجياً من سؤال: هل تقبل المخرجات؟ إلى سؤال أكثر عملية: متى سيتم اختيار الآلية البديلة لاعتمادها وتنفيذها؟
ويخلص الفنيش إلى أن أمام مجلسي النواب والدولة فرصة للحفاظ على جزء من دورهما في صياغة المرحلة المقبلة من خلال التعامل الإيجابي مع المخرجات، بينما قد يؤدي استمرار التعطيل إلى إسراع البعثة الأممية إلى تجاوز المجلسين ككيانات سياسية والتعامل مع أعضائهما غير المعترضين ضمن آليات بديلة، خاصة مع وجود موقف داعم من مجلس الأمن.
فالترحيب الدولي، كما يقول، لا يعني أن الطريق أصبح مفتوحاً بالكامل أمام الانتخابات، لكنه يعني أن مخرجات «4+4» أصبحت نقطة ارتكاز يصعب تجاهلها، وأن المرحلة المقبلة ستكون اختباراً لقدرة الأطراف الليبية على تحويل هذا التوافق إلى خطوات تنفيذية.



