ليبيا

ليبيا أمام فرصة.. من إدارة الأزمة إلى إنهائها

المبادرة الأمريكية واتفاق 4+4 يعيدان الزخم إلى الملف الليبي.. تحرك سياسي وعسكري واقتصادي ودعم دولي بين الترحيب والتحفظ

إدريس احميدليبيا 24:

بعد سنوات من الجمود والانقسام، يبدو أن الملف الليبي دخل مرحلة مختلفة مع تصاعد التحرك الأمريكي، وظهور مسارات سياسية وعسكرية واقتصادية متزامنة، وصولاً إلى اتفاق «4+4» الذي رعته الأمم المتحدة، وحظي بترحيب مجلس الأمن ودعوة واضحة إلى تنفيذه.

المشهد الجديد لا يمكن اختزاله في تحرك شخص واحد، رغم أن المبعوث الأمريكي مسعد بولس كان حاضراً بقوة خلال الأشهر الماضية. فهناك ما يشير إلى تقاطع واضح بين تحركاته ومسارات أوسع تتحرك فيها المؤسسات الأمريكية في المجالين السياسي والأمني، إلى جانب اهتمام متزايد بالاستقرار الاقتصادي والطاقة والاستثمار.

واللافت أن التحرك لم يبقَ في حدود الاتصالات السياسية، بل امتد إلى ملفات كانت لسنوات من أكثر الملفات تعقيداً في الأزمة الليبية. وهذا بحد ذاته مؤشر على أن واشنطن تتعامل مع الملف بدرجة أكبر من الجدية، وإن كان من المبكر القول إن هناك تصوراً أمريكياً مكتمل التفاصيل للحل النهائي.

تحرك متعدد المسارات

على المستوى العسكري، اكتسب التقارب بين المؤسسات والقوات الليبية في الشرق والغرب زخماً لافتاً. فقد استضافت ليبيا جانباً من المناورات العسكرية الدولية فلينتلوك 2026 في سرت، بمشاركة أكثر من 30 دولة ونحو 1500 عسكري، وبمشاركة قوات ليبية مشتركة.

الأهمية هنا لا تكمن في المناورة العسكرية بحد ذاتها، وإنما في الرسالة التي حملتها: التعامل مع فكرة المؤسسة العسكرية الليبية الموحدة باعتبارها هدفاً يمكن العمل عليه عملياً، وليس مجرد شعار سياسي.

وتعزز هذا المسار بظهور اللجنة العسكرية المشتركة «3+3» في لقاءات مع مسؤولين أمريكيين وإيطاليين، ثم مشاركة ضباط ليبيين من الشرق والغرب في أنشطة وتدريبات خارج البلاد. وهي خطوات تشير إلى أن ملف توحيد المؤسسة العسكرية بدأ ينتقل، ولو تدريجياً، من مرحلة النقاش إلى مرحلة بناء الثقة والتعاون.

اقتصادياً، جاءت الخطوة الأهم في أبريل الماضي بإقرار أول ميزانية دولة موحدة منذ أكثر من عقد، بقيمة تقارب 190 مليار دينار. وقد وصف الجانب الأمريكي الاتفاق بأنه نتيجة أشهر من التسهيل والاتصالات.

وقد تبدو الميزانية في ظاهرها إجراءً مالياً، لكنها سياسياً تحمل دلالة أكبر: الاعتراف العملي بأن ليبيا تحتاج إلى منظومة مالية واقتصادية واحدة، وأن استمرار الانقسام المؤسسي لم يعد قابلاً للاستمرار إذا كان الهدف هو بناء دولة موحدة.

ويتصل بذلك ملف الطاقة والاستثمار. فالشركات الأمريكية عادت لتبدي اهتماماً أكبر بالسوق الليبية، بينما ربطت واشنطن بصورة متكررة بين الاستقرار السياسي والمؤسسي وبين قدرة ليبيا على جذب الاستثمارات وزيادة الإنتاج وتطوير قطاع الطاقة.

وهنا يجب ألا تختزل المبادرة الأمريكية في النفط وحده، فالمصلحة الاقتصادية جزء من الصورة، لكنها ليست الصورة كلها. فالاستثمار يحتاج إلى دولة مستقرة، والدولة المستقرة تحتاج إلى مؤسسات موحدة، والمؤسسات الموحدة تحتاج إلى تسوية سياسية تضع حداً للمرحلة الانتقالية.

4+4.. الاختبار الحقيقي يبدأ بعد التوقيع

في 30 أغسطس، جاء اتفاق «4+4» ليضيف مساراً سياسياً جديداً، من خلال خارطة طريق تستهدف إجراء الانتخابات خلال 24 شهراً ومعالجة الخلافات المتعلقة بالعملية الانتخابية وإعادة تشكيل مجلس مفوضية الانتخابات.

ثم جاء موقف مجلس الأمن في سبتمبر مرحباً بالاتفاق وداعياً إلى تنفيذه، في إشارة واضحة إلى وجود دعم دولي للمسار الرامي إلى كسر حالة الجمود والدفع نحو الانتخابات.

لكن هنا تحديداً يظهر السؤال الأهم: هل تكون 4+4 مختلفة عن 6+6؟

ففي عام 2023 توصلت لجنة «6+6» إلى تفاهمات بشأن القاعدة الدستورية والقوانين الانتخابية، لكن الخلافات السياسية والمؤسسية حالت دون تحويل تلك التفاهمات إلى انتخابات.

وهذا يعني أن المشكلة الليبية لم تكن دائماً في غياب المبادرات أو الاتفاقات، بل في قدرة الأطراف على تنفيذها.

ولهذا فإن القيمة الحقيقية لاتفاق «4+4» لن تحددها مراسم التوقيع ولا البيانات المرحبة به، وإنما ما سيحدث في اليوم التالي: هل تبدأ المؤسسات في تنفيذ ما تم الاتفاق عليه؟ وهل يتم تجاوز الخلافات حول القوانين والتمثيل والضمانات؟ وهل يقبل الفاعلون السياسيون بنتائج المسار حتى عندما لا تكون في صالحهم؟

هذه هي المعركة الحقيقية.

ومن هنا يمكن فهم التحفظات التي ظهرت من بعض الأطراف الليبية، خصوصاً مع اعتراض مجلس الدولة على مشاركة عضوين منه في لجنة «4+4» وسحب عضويتهما على خلفية المشاركة والتوقيع.

ويبقى السؤال السياسي مشروعاً: هل الخلاف على مضمون الاتفاق نفسه، أم على طريقة التمثيل ومن يملك حق التفاوض والتوقيع؟

فالاختلاف السياسي أمر طبيعي، لكن الخطورة تبدأ عندما تتحول الخلافات الإجرائية إلى وسيلة لإجهاض أي تفاهم جديد قبل أن يبدأ تنفيذه.

كما أن المواقف المختلفة للمجلس الرئاسي وبقية المؤسسات لا يمكن قراءتها بمعزل عن الصراع الأوسع حول شكل المرحلة المقبلة ومن يملك إدارة الانتقال إلى الانتخابات.

دعم دولي.. واختبار ليبي

بيان مجلس الأمن بشأن «4+4» مهم لأنه يعكس مساحة واضحة من التوافق الدولي على ضرورة إنهاء حالة الجمود والانتقال نحو الانتخابات. لكنه لا يعني أن القوى الدولية الكبرى متطابقة في كل شيء.

هناك اختلاف في المقاربة والأولويات. فالولايات المتحدة وشركاؤها الغربيون يركزون بدرجة كبيرة على توحيد المؤسسات، والاستقرار الأمني، وتنفيذ المسار الانتخابي، بينما تؤكد روسيا والصين، إلى جانب مواقف عربية وأفريقية، على الملكية الليبية ورفض فرض الحلول من الخارج.

أما مصر وتركيا، فلكل منهما حساباته ومصالحه الخاصة. هناك تقاطعات مع بعض أهداف الاستقرار، لكن ذلك لا يعني تطابق الرؤية. فمصر تنظر إلى ليبيا من زاوية أمن الحدود واستقرار الجوار وطبيعة السلطة والمؤسسة العسكرية، بينما ترتبط الحسابات التركية أيضاً بالنفوذ السياسي والأمني والاقتصادي واتفاقاتها في غرب ليبيا وشرق المتوسط.

وهكذا، فإن المشهد الدولي لا يتحرك وفق رؤية واحدة، لكنه يبدو أكثر اتفاقاً من السابق على حقيقة أساسية: استمرار الوضع الانتقالي إلى ما لا نهاية لم يعد حلاً.

وهذا التطور يعيد المسؤولية إلى الداخل الليبي.

فالمواطن الليبي، بعيداً عن تفاصيل الصراع السياسي، يريد دولة موحدة، وأمناً مستقراً، وخدمات أفضل، واقتصاداً يعمل، ومؤسسات لا تتنازع الشرعية، وانتخابات تنهي حالة الانتظار.

ولهذا فإن نجاح أي مبادرة لن يقاس بعدد المؤتمرات ولا بحجم البيانات الدولية، وإنما بقدرتها على تحويل هذه المطالب إلى واقع.

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل الاعتراضات الحالية تهدف فعلاً إلى تحسين المسار وضمان نزاهته، أم أن بعضها يعكس خشية من خسارة مواقع وترتيبات سياسية قائمة؟

لا يمكن الحكم على النوايا، لكن التجربة الليبية تقول إن كل مرحلة اقتربت فيها البلاد من تفاهم سياسي ظهرت خلافات جديدة حول التمثيل والصلاحيات والقواعد والإجراءات.

وقد تستفيد بعض القوى، داخل ليبيا وخارجها، من استمرار الوضع القائم، أو من إطالة المرحلة الانتقالية التي تمنحها مساحة للحفاظ على النفوذ والمصالح. لذلك فإن إثارة أزمات جانبية كلما اقترب مسار من تفاهم قد تؤدي عملياً إلى إعادة إنتاج الأزمة، حتى لو لم يكن ذلك هو الهدف المعلن.

الفرصة لا تنتظر

الأهم الآن هو الحفاظ على زخم المبادرة الأمريكية والدعم الدولي المتزايد للملف الليبي. فهذا الاهتمام أعاد القضية إلى واجهة المشهد بعد سنوات من الجمود، وفتح مسارات سياسية وعسكرية واقتصادية لم تكن تتحرك بالوتيرة نفسها.

وأي تراجع في هذا الزخم قبل أن تتحول التفاهمات إلى خطوات عملية قد يعني العودة إلى المربع الأول؛ وهو المربع الذي أثبتت السنوات الماضية أنه يوفر بيئة مثالية لاستمرار الانقسام وتبادل الاتهامات وتأجيل الانتخابات.

المطلوب اليوم ليس مبادرة جديدة، ولا اجتماعاً جديداً، ولا بياناً جديداً.

المطلوب تنفيذ.

تنفيذ التفاهمات السياسية، وتثبيت التقارب العسكري، وحماية المسار الاقتصادي، وتوحيد المؤسسات، ثم الوصول إلى انتخابات تنهي المرحلة الانتقالية وتعيد القرار إلى الشعب.

قد تختلف واشنطن وموسكو وبكين والقوى الإقليمية حول شكل الحل وضماناته ومصالح كل منها، لكن ليبيا لا تستطيع أن تنتظر حتى تتطابق حسابات الآخرين.

فالفرصة الحالية قد لا تكون كاملة، وقد لا تكون خالية من المخاطر، لكنها بالتأكيد أفضل من الجمود الذي عاشته البلاد لسنوات.

والسؤال الذي سيحسم المرحلة ليس: من صاحب المبادرة؟ ولا من يملك النفوذ؟ بل: من يريد فعلاً أن تنتهي الأزمة؟

إذا استمر الزخم وتحولت التفاهمات إلى أفعال، فقد تكون ليبيا أمام بداية حقيقية للخروج من المرحلة الانتقالية.

أما إذا تراجعت الضغوط، وعادت الأطراف إلى شروطها القديمة، فقد نكتشف أن المشكلة لم تكن في غياب الحلول، بل في غياب الإرادة لإنهاء الأزمة.

ليبيا اليوم أمام فرصة، والفرص السياسية لا تبقى مفتوحة إلى الأبد. فإما أن يتحول هذا الزخم إلى دولة وانتخابات ومؤسسات موحدة، وإما أن تضيع اللحظة وتعود البلاد مرة أخرى إلى المربع الأول.

ليبيا لا تحتاج بعد اليوم إلى من يدير أزمتها.. بل إلى من يملك الشجاعة لإنهائها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى