حقل زارات يعود للواجهة.. رهان نفطي مشترك بين ليبيا وتونس
تطوير بمليار دولار وإنتاج مستهدف 37 ألف برميل يوميًا وسط تحديات فنية واقتصادية

عاد حقل زارات البحري إلى واجهة الاهتمام النفطي في شمال أفريقيا مع طرح جولة استثمارية جديدة لتطوير الاكتشاف الواقع ضمن منطقة تتداخل فيها المصالح الليبية والتونسية، في خطوة تعيد إحياء مشروع اكتُشف قبل أكثر من ثلاثة عقود وظل لسنوات أسير التعثر الفني والمالي.
وتفتح شركة الاستكشاف والاستغلال والخدمات البترولية المشتركة جوانت أويل جولة دولية أمام الشركات المؤهلة لتطوير اكتشاف زارات النفطي والغازي، إلى جانب استكشاف بلوك بحري مشترك تبلغ مساحته نحو 3 آلاف كيلومتر مربع.
مشروع كبير بأرقام لافتة
بحسب البيانات الواردة في الطرح، تقدر الموارد المشروطة للحقل بنحو 158 مليون برميل مكافئ نفط، فيما تستهدف خطة التطوير إنتاجًا متوسطًا في السنة الأولى يصل إلى نحو 37 ألف برميل يوميًا، إضافة إلى نحو 80 مليون قدم مكعبة من الغاز يوميًا.
وتقدر الاستثمارات الرأسمالية المطلوبة للتطوير بنحو مليار دولار، على مرحلتين تبدأان بثلاث آبار ثم إضافة ثلاث آبار أخرى مع بئر احتياطية محتملة، مع الاستفادة من البنية التحتية النفطية والغازية القائمة في ليبيا وتونس.
ومن المنظور الليبي، فإن أهمية المشروع لا ترتبط فقط بحجم الاحتياطيات المتوقعة، وإنما أيضًا بقدرته على تعزيز نموذج التعاون في إدارة الموارد العابرة للمناطق البحرية، وفتح المجال أمام استثمارات جديدة في قطاع الطاقة.
تاريخ طويل من التعثر
رغم هذه الأرقام الجاذبة، فإن تاريخ زارات يفرض قدرًا من الحذر في تقييم فرص نجاح المشروع.
فالاكتشاف يعود إلى عام 1992، بينما شهدت المنطقة منذ ذلك الوقت محاولات متعددة للاستكشاف والتطوير.
كما حفرت ثلاث آبار بين عامي 1999 و2002 دون الوصول إلى اكتشافات تجارية، قبل أن تسجل شركة سوند ريسورسز الكندية اكتشافًا تجاريًا بعد حفر بئر زارات الشمالي بين عامي 2010 و2011.
وأظهرت الاختبارات آنذاك تدفقات بنحو 625 برميلًا من النفط و12 مليون قدم مكعبة من الغاز يوميًا، إلا أن الشركة انسحبت لاحقًا بعد تعرضها للإفلاس، رغم إنفاقها نحو 52 مليون دولار على المشروع.
التحديات تتجاوز التمويل
التحدي الأبرز أمام زارات لا يبدو ماليًا فقط، إذ سبق أن أشارت مراجعة فنية ومالية للبنك الدولي خلال عامي 2018 و2019 إلى صعوبات تتعلق بتحديد الامتداد الدقيق للمكمن، إلى جانب تعقيدات استخلاص النفط والغاز من التكوينات الجيولوجية.
كما برزت تحديات مرتبطة بارتفاع محتوى ثاني أكسيد الكربون، ما يعني أن الوصول إلى مرحلة الإنتاج التجاري سيحتاج إلى حلول فنية واقتصادية واضحة، وليس مجرد توفير التمويل اللازم للتطوير.
وهنا تبرز نقطة مهمة من وجهة نظر ليبية، وهي ضرورة التعامل مع الأرقام المعلنة باعتبارها تقديرات استثمارية تحتاج إلى اختبار فعلي من الشركات الدولية، عبر البيانات الفنية ودراسات الجدوى والعروض الملزمة، قبل اعتبار المشروع تحولًا مؤكدًا في الإنتاج النفطي.
حقل واحد.. وترتيبات متعددة
وتزداد تعقيدات المشروع بسبب الطبيعة العابرة للحدود لمكمن زارات، إذ لا يمكن التعامل مع أجزاء الحقل بصورة منفصلة من الناحية الجيولوجية.
ولهذا يعتمد التصور الحالي على مبدأ توحيد المكمن وإدارته كوحدة واحدة، مع تنظيم حقوق الأطراف وآليات التشغيل وتقاسم الإنتاج والتكاليف من خلال مجموعة من الاتفاقات.
ويمثل حصول المؤسسة التونسية للأنشطة البترولية على امتياز زارات شمال عام 2022 لمدة 30 عامًا تطورًا قانونيًا مهمًا، لكنه لا يلغي الحاجة إلى ترتيبات تشغيلية ومالية دقيقة تضمن وضوح الحقوق والمسؤوليات بين الأطراف.
لماذا يهم ليبيا وتونس؟
تتباين أهمية زارات بين البلدين. فبالنسبة إلى تونس، يمثل المشروع فرصة كبيرة في ظل تراجع إنتاج النفط الخام إلى نحو 25.4 ألف برميل يوميًا حتى نهاية يونيو 2026، وانخفاض معدل الاستقلال الطاقي إلى 34 في المئة.
أما بالنسبة إلى ليبيا، التي تمتلك قاعدة إنتاجية نفطية أكبر بكثير، فإن القيمة الأهم تتمثل في توسيع فرص التعاون الاستثماري مع تونس، والاستفادة من البنية التحتية القريبة، إلى جانب إمكانية تحويل مشروع متعثر منذ سنوات إلى نموذج قابل للتطبيق في إدارة الموارد المشتركة.
لكن نجاح هذا الرهان سيظل مرتبطًا بقدرة الطرفين على معالجة الملفات الفنية والقانونية والاقتصادية التي عطلت المشروع سابقًا، وبمدى اهتمام الشركات الدولية بالدخول فعليًا إلى المشروع وتحمل مخاطره.



