ليبيا

انهيار الدينار: كيف تحوّلت زيادة المرتبات إلى فخّ اقتصادي يبتلع دخول الليبيين؟

"وهم نقدي" يضرب جيوب الليبيين: المرتبات ترتفع 248% بالدينار وتنخفض 24% بالدولار وسط صمت حكومة الدبيبة

التهريب يأكل 30% من الواردات.. وسعر الدولار يقترب من 10 دنانير: هل تحوّل الإنفاق الحكومي إلى قنبلة موقوتة؟

ليبيا 24

اقتصاد على حافة الهاوية: كيف تتحمل حكومة الدبيبة منتهية الولاية نتائج سياساتها؟

التهريب والدولار: معادلة انهيار مزدوجة

لم يعد الاقتصاد الليبي يحتمل مزيداً من العبث ففي مشهد يذكّر باقتصادات الدول المنهارة، كشف الخبير الاقتصادي الدكتور علي الشريف، أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي، عن معادلة قاتلة تُغرق البلاد في مستنقع التضخم: تضخم الإنفاق الحكومي من جهة، وتضخم الواردات الناتج عن التهريب إلى دول الجوار من جهة أخرى، ما يرفع الطلب على الدولار ويضغط بشكل مباشر على قيمة الدينار الليبي.

وتشير بيانات مصرف ليبيا المركزي إلى أن سعر الدولار في السوق الموازية سجّل 9.59 دينار في تعاملات منتصف سبتمبر 2026، مقابل 9.56 دينار في اليوم السابق، بينما استقر السعر الرسمي عند 6.35 دينار.

وتجاوز سعر الدولار حاجز العشرة دنانير في فبراير 2026، بعد تخفيض جديد لقيمة العملة بنسبة 14.7% أقره المصرف المركزي، وسط فجوة تجاوزت 60% بين السعرين الرسمي والموازي.

وفي هذا السياق، يرى الدكتور الشريف أن العودة إلى الوضع الطبيعي تتطلب ضبط الإنفاق العام وضبط الاعتمادات من خلال التنسيق الكامل مع وزارة الاقتصاد، بالإضافة إلى ضبط المنافذ الحدودية مع الدول المجاورة التي وصلت نسبة التهريب إليها أكثر من 30% من حجم الواردات.

وتشير بيانات حديثة من تقرير المنظمة الدولية للهجرة إلى أن الحركة عبر الحدود الغربية لليبيا ارتبطت بدرجة كبيرة بشبكات التجارة غير الرسمية وشبكات تهريب السلع والمركبات.

وقد تمكنت الأجهزة الأمنية مؤخراً من إحباط محاولات متعددة لتهريب السلع والبضائع عبر منافذ رأس جدير ووازن، في ظل جهود متواصلة لضبط المنافذ.

الوهم النقدي: أرقام تكشف الحقيقة المرة

وفي تحليله لملف الأجور، قدّم الدكتور الشريف أرقاماً صادمة تكشف حجم الخديعة التي يتعرض لها المواطن الليبي. فقد ارتفعت المرتبات من 21 مليار دينار في عام 2020 إلى 73 مليار دينار في عام 2025، أي بزيادة نقدية قدرها 52 مليار دينار تمثل 248% بالدينار الليبي.

لكن المفارقة تكمن في أن هذه الزيادة الضخمة بالعملة المحلية تحوّلت إلى انخفاض حقيقي عند تحويلها إلى الدولار.

فبينما كانت المرتبات تعادل 15 مليار دولار في عام 2020، انخفضت قيمتها بالدولار إلى نحو 11.4 مليار دولار في عام 2025، أي انخفاضاً قدره 3.6 مليار دولار وبنسبة 24%.

وبالتالي، فإن الزيادة الكبيرة في المرتبات بالدينار كانت اسمية بحتة، بينما انخفضت قيمتها المقومة بالدولار بنحو 24%، مما يعني أن أي زيادة في قيمة المرتبات تم تمويلها عن طريق تخفيض قيمة العملة، مما يجعل الدخل الحقيقي للمواطن ثابتاً أو حتى منخفضاً إذا كان معدل التخفيض أكبر من معدل الزيادة في الأجور.

ويؤكد تقرير المجلس الوطني للتطوير الاقتصادي والاجتماعي أن الأزمة ليست أزمة سعر صرف فحسب، بل هي أزمة هيكلية متعددة الأبعاد يقف في صدارتها الإنفاق العام ومنه الإنفاق الموازي غير المنضبط، إلى جانب تراكم الدين العام الداخلي الذي بلغ نحو 303 مليارات دينار، وتراجع الإيرادات النفطية، وغياب ميزانية موحدة في ظل الانقسام السياسي المستمر.

كما حذّر مصرف ليبيا المركزي في مخاطبة رسمية لوزارة المالية من استمرار ارتفاع فاتورة المرتبات، مؤكداً أن مواصلة هذا الاتجاه قد تؤدي إلى عجز في مخصصات الباب الأول من الميزانية العامة بنهاية السنة المالية 2026.

ووفقاً لبيانات المصرف، بلغ متوسط الاعتمادات الشهرية للمرتبات خلال عام 2025 نحو 6.113 مليار دينار، بينما ارتفع المتوسط خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026 إلى نحو 6.211 مليار دينار، مما يعني أن رواتب خمسة أشهر من عام 2026 تجاوزت رواتب عام 2025 بالكامل.

جدول المرتبات الموحد: حلّ أم فخّ جديد؟

وفي تطور بالغ الخطورة، يلوّح الدكتور الشريف بفخّ جديد ينتظر المواطن الليبي، محذّراً من أن الجدول الموحد للمرتبات إذا تم تمويله بتخفيض جديد في قيمة العملة المحلية، فكأنك يا بوزيد ما غزيت.

فالمعادلة ببساطة قاتلة: زيادة اسمية في المرتبات، يقابلها انخفاض جديد في القوة الشرائية، فتتراجع قيمة الدخول الحقيقية من جديد.

والمطلوب، كما يشدّد الدكتور الشريف، إصلاح هيكل الأجور وتمويله من إصلاح الإنفاق، لا من جيوب المواطنين عبر سعر الصرف.

وهذا يتطلب، وفقاً لتحليلات الخبراء، ضبط الإنفاق العام بما يشمل تقليص الإنفاق الموازي غير المنضبط، الذي ولّد طلباً إضافياً على النقد الأجنبي بقيمة 36 مليار دولار، وأوصل عرض النقود إلى 178.1 مليار دينار.

وقد رحّبت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بتوقيع إطار موحّد للإنفاق لعام 2026 يغطي الأبواب الأربعة للميزانية العامة بما في ذلك المرتبات، داعية إلى رقابة صارمة على الإنفاق العام في جميع أنحاء ليبيا.

لكن السؤال يبقى: هل ستُترجم هذه الاتفاقات إلى واقع ملموس، أم ستبقى حبراً على ورق في ظل حكومة منتهية الولاية؟

حكومة منتهية الولاية: من يحاسب من؟

وفي قلب الأزمة، يقف سؤال المسؤولية معلقاً فالتعديلات الوزارية التي يجريها رئيس حكومة الوحدة عبدالحميد الدبيبة لا تستند إلى أساس قانوني، ما لم تحظَ باعتماد مجلس النواب، بحسب ما أكده عضو مجلس النواب عبدالمنعم العرفي، الذي شدّد على أن حكومة الدبيبة تعد منتهية الولاية، متهماً إياها بالتحالف مع التشكيلات المسلحة من أجل نهب المال العام.

وبينما تتنصل هذه الحكومة من مسؤولياتها، يدفع المواطن الليبي الثمن غالياً. فبينما تتضخم أرقام المرتبات على الورق، تتحوّل حياة الليبيين إلى كابوس يومي مع ارتفاع الأسعار وانهيار القدرة الشرائية.

والسؤال الذي يطرح نفسه: كيف يمكن لحكومة فقدت شرعيتها أن تُدير أزمة اقتصادية بهذا الحجم؟ وكيف يمكن ضبط الإنفاق والمنافذ الحدودية في ظل غياب إرادة سياسية حقيقية؟

التحول الرقمي: بصيص أمل في نفق مظلم

وسط هذه الأجواء القاتمة، يبرز بصيص أمل واحد. فقد أعلن الدكتور الشريف عن خطوة مرتقبة تتمثل في أن الرخص التجارية لكافة المحلات التجارية ستكون مسجلة قريباً ضمن منظومة إلكترونية موحدة، بحيث يمكن الاستعلام عن بيانات الرخصة والتحقق من صحتها وصلاحيتها من خلال رمز استجابة سريعة.

وهذه الخطوة، كما يوضح الدكتور الشريف، ستسهل على كافة الأجهزة الضبطية التأكد من قانونية الرخصة، وكشف حالات التزوير أو انتهاء الصلاحية، والاطلاع على بقية البيانات المرتبطة بالنشاط التجاري.

ويشدّد الدكتور الشريف على أن التحول الرقمي في التراخيص ليس مجرد إجراء تقني، بل خطوة مهمة نحو تنظيم السوق وتعزيز الرقابة والحد من التلاعب والتزوير، معرباً عن أمله في تطبيق الإجراء في كافة مناطق البلاد.

لكن هذا البصيص يبقى هزيلاً أمام حجم التحديات، طالما استمرت السياسات الاقتصادية الخاطئة وحكومة فقدت شرعيتها في إدارة البلاد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى