
تتجه البنوك المركزية الكبرى نحو تشديد نقدي جديد، مع تصاعد المخاوف من استمرار التضخم بفعل الارتفاع الحاد في أسعار النفط والغاز المرتبط بالتوترات والحرب في الشرق الأوسط، في تحول واضح عن التوقعات التي سادت خلال الأسابيع الماضية بشأن إمكانية تراجع الضغوط السعرية.
ويأتي هذا التحول بعد تحركات متزامنة من عدد من البنوك المركزية الكبرى، إذ رفع مجلس الاحتياطي الاتحادي الأمريكي أسعار الفائدة، ولجأ البنك المركزي الأوروبي إلى التشديد، بينما اتخذ بنك اليابان خطوة مماثلة، في حين أبقى بنك إنجلترا أسعار الفائدة دون تغيير مع الإبقاء على خيار الرفع مطروحًا إذا استمرت الضغوط التضخمية.
الأسواق تضغط باتجاه مزيد من التشديد
ولا تقتصر الضغوط على قرارات البنوك المركزية الحالية، بل تمتد إلى توقعات الأسواق التي باتت تراهن على زيادات إضافية في أسعار الفائدة، في محاولة لاحتواء توقعات التضخم والحد من ارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل.
ويعكس هذا المسار مخاوف صانعي السياسة من انتقال ارتفاع تكاليف الطاقة إلى أسعار السلع والخدمات ودخول الأسر، بما قد يعيد إنتاج جزء من الضغوط التضخمية التي شهدها الاقتصاد العالمي عقب جائحة كورونا.
وفي هذا السياق، أشار محافظ بنك اليابان كازو أويدا إلى أن السياسة النقدية دخلت مرحلة جديدة، مع إبقاء البنك الباب مفتوحًا أمام مواصلة رفع تكاليف الاقتراض. كما حذر نائب رئيس البنك المركزي الأوروبي بوريس فوجيتش من أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة لفترة أطول قد يضغط على التضخم والناتج المحلي الإجمالي.
الشرق الأوسط يفرض معادلة اقتصادية جديدة
وتكشف التطورات الأخيرة عن مدى حساسية السياسة النقدية تجاه الأوضاع الجيوسياسية، بعدما أدت عودة التوترات في الشرق الأوسط وتعطل التوقعات بشأن انخفاض أسعار الطاقة إلى تغيير حسابات المستثمرين وصانعي القرار.
وتكمن المعضلة أمام البنوك المركزية في أن ارتفاع أسعار الطاقة لا يمثل مجرد صدمة تضخمية مؤقتة، إذ يمكن أن يمتد تأثيره إلى تكاليف الإنتاج والنقل والاستهلاك، وفي المقابل فإن تشديد السياسة النقدية بصورة أكبر قد يضعف الطلب ويضغط على النمو الاقتصادي.
ومن ثم، تبدو البنوك المركزية أمام معادلة دقيقة: كبح التضخم دون دفع الاقتصادات إلى تباطؤ أعمق، خصوصًا أن أسعار الفائدة تقف أصلًا عند مستويات مرتفعة مقارنة بما كانت عليه قبل دورة التشديد التي بدأت في 2022.
تشديد أقل حدة من موجة 2022
ورغم عودة الحديث عن دورة جديدة من رفع أسعار الفائدة، فإن المعطيات الواردة تشير إلى أنها قد تكون أقل حدة من الدورة السابقة، في ظل عدم ارتفاع التضخم بالمعدلات نفسها التي شهدها الاقتصاد العالمي خلال 2022 و2023.
ورفع مجلس الاحتياطي الاتحادي أسعار الفائدة بمقدار 5.25 نقطة مئوية خلال الفترة من 2022 إلى 2023، بينما تشير التوقعات الحالية إلى زيادات أكثر محدودية خلال المرحلة المقبلة.
وأظهرت التوقعات الاقتصادية المحدثة أن غالبية مسؤولي الاحتياطي الاتحادي يتوقعون رفعًا إضافيًا لا يقل عن ربع نقطة مئوية بحلول نهاية العام، في مؤشر على أن معركة التضخم لم تُحسم بعد، رغم اختلاف درجة التشدد بين صانعي السياسة.
الأسواق ترفع سقف توقعاتها
وفي بريطانيا، اتخذ بنك إنجلترا موقفًا أكثر حذرًا، إذ أبقى أسعار الفائدة دون تغيير، لكنه لم يستبعد رفعها إذا طال أمد الأزمة وازدادت الضغوط التضخمية.
ويكشف اتساع توقعات الأسواق بشأن زيادات الفائدة خلال العام المقبل عن فجوة محتملة بين تقديرات البنوك المركزية ومسار التسعير المالي؛ وهي فجوة قد تزيد تقلبات الأسواق إذا جاءت القرارات الفعلية أقل تشددًا أو أكثر حدة من المتوقع.
وبصورة عامة، فإن المشهد النقدي العالمي يتجه إلى مرحلة أكثر تعقيدًا، لا تحكمها المؤشرات الاقتصادية المحلية وحدها، بل تتداخل فيها أسعار الطاقة والتوترات الجيوسياسية وسلاسل الإمداد وتوقعات الأسواق.
وتبقى المخاطرة الأساسية أمام البنوك المركزية في قدرتها على تحقيق التوازن بين تثبيت توقعات التضخم والحفاظ على النمو، في وقت قد تتحول فيه صدمة الطاقة من عامل مؤقت إلى ضغط أكثر استمرارًا على الاقتصاد العالمي.



