ليبيا

نصف شباب ليبيا بلا وظيفة.. البنك الدولي يفضح نموذج “توزيع الريع النفطي عبر الوظيفة العامة” في ظل حكومة منتهية الولاية

ليبيا تدفع فاتورة نموذج اقتصادي أنهكته حكومة منتهية الولاية: ريع النفط يوزّع الوظائف ولا يصنعها

ليبيا 24

الدين العام يتضاعف إلى 146% والعجز يلامس 30% من الناتج.. صندوق النقد يحذر: استمرار الإنفاق فوق المستويات المستدامة يضغط على النقد الأجنبي والتضخم والقوة الشرائية

في مشهد اقتصادي يلامس حدود الانهيار الهيكلي، تتكشف يوماً بعد يوم حقيقة مرّة مفادها أن الاقتصاد الليبي، بعد أكثر من عقد من الفوضى السياسية وتوالي الحكومات غير المنتخبة، لم يعد قادراً على استيعاب شبابه ولا على حماية المواطن من موجات تضخم متصاعدة.

آخر ما كشفته بيانات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي يرسم صورة قاتمة: بطالة الشباب قفزت إلى 50.1% خلال عام 2025، وهي الأعلى في منطقة شمال أفريقيا بفارق واضح عن تونس (38.1%) والجزائر (29.4%) والمغرب (21.9%) ومصر (18.3%)، بينما يبلغ المعدل العالمي عند 12.4% فقط.

وبعبارة أدق، فإن واحداً من كل شابين ليبيين داخل سوق العمل لا يجد وظيفة، في بلد يملك أكبر احتياطات نفطية في القارة الأفريقية.

اقتصاد يوزّع الريع ولا يصنع الوظائف

لم يعد خافياً على أحد أن النموذج الاقتصادي السائد في ليبيا تحوّل إلى ما وصفه البنك الدولي بدقة “شكل من أشكال توزيع الريع النفطي عبر الوظيفة العامة”، إذ لا يستوعب القطاع الخاص سوى 14% من القوة العاملة، بينما يستحوذ التوظيف العام على نحو 86.5% من العاملين، وترتفع النسبة بين النساء إلى 95%، فيما تتوزع النسبة الباقية بين العمل لحساب الذات والمشاريع العائلية.

هذه الدائرة المفرغة التي يصعب كسرها تعني أن النفط يموّل الدولة، والدولة تدفع الرواتب، والوظيفة الحكومية تصبح وسيلة رئيسة لتوزيع الثروة، فيما يبقى القطاع الخاص أصغر من أن يحمل عبء خلق الوظائف الجديدة.

والأمر لا يتوقف عند هذا الحد، إذ رصد البنك الدولي شبكة تضم نحو 190 مؤسسة مملوكة للدولة تعمل في قطاعات تمتد من النفط والمال إلى المرافق والبنية التحتية، ويرى أن ضعف حوكمة بعض هذه الشركات والخسائر والإفراط في العمالة في بعضها يخلقان اختلالات في السوق ويزاحمان القطاع الخاص ويحدان من المنافسة والابتكار.

أرقام صادمة عن الإنفاق والدين

على الجانب المالي، تصطدم التطمينات الرسمية الصادرة عن حكومة منتهية الولاية في طرابلس بواقع أكثر قسوة. فقد قدّر صندوق النقد الدولي فاتورة أجور القطاع العام في ليبيا بنحو 30% من الناتج المحلي الإجمالي، ووضعها بين الأعلى عالمياً، وإذا أضيف إليها دعم الطاقة الذي يقدّره الصندوق بنحو 20% من الناتج، يظهر حجم الموارد التي تبتلعها بنود الإنفاق الجاري.

وفي عام 2025، بلغ عجز المالية العامة نحو 30% من الناتج، بينما وصل الدين العام إلى 146% من الناتج بعد أن تضاعف تقريباً خلال عامين فقط. وحذّر خبراء الصندوق من أن “استمرار الإنفاق فوق المستويات المستدامة يضغط على النقد الأجنبي والتضخم والقوة الشرائية”.

وتزداد الصورة قتامة مع مؤشر الحرية الاقتصادية لعام 2026 الذي وضع ليبيا في المرتبة 174 من أصل 176 دولة، مصنّفاً إياها كاقتصاد “مكبوت”، مع معدلات تضخم تجاوزت 56%، لتصبح ليبيا من بين أعلى الدول عالمياً في ارتفاع الأسعار.

رهان على النفط ومخاطر الإغلاقات

لا تزال المحروقات تحدد اتجاه الاقتصاد كله، ويتوقع البنك الدولي أن يبلغ متوسط إنتاج النفط نحو 1.35 مليون برميل يومياً بنهاية العام الحالي، غير أنه رصد تباطؤ النمو إلى 4.5% عام 2026، ويتوقع أن يصل إلى حدود 4% عام 2027، في مؤشر إلى استمرار ارتباط النمو بحركة النفط.

ووفق هذه الأرقام يصبح إغلاق حقل أو ميناء أو خط أنابيب، مثلما حدث في حقل الشرارة الذي تبلغ طاقته الإنتاجية 300 ألف برميل يومياً وتجاوزت خسائر إغلاقه مع المنشآت النفطية الأخرى لأربعة أشهر 5 مليارات دولار، ضربة موجعة لمصدر الإيرادات الذي يمول نموذج التوظيف والإنفاق ذاته.

جيل جديد يدفع ثمن أخطاء النخبة

المفارقة الأكثر قسوة أن نسبة 29.6% من الشباب الليبيين خارج العمل والتعليم والتدريب معاً، أي أن ثلاثة من كل عشرة شباب تقريباً لا يعملون ولا يدرسون ولا يتلقون تدريباً يؤهلهم لسوق العمل، وفقاً لبيانات البنك الدولي.

وتتركز الكتلة الأكبر من الباحثين عن العمل في غرب ليبيا الذي سجل نحو 98 ألف باحث، مقابل نحو 68 ألفاً في المنطقة الشرقية، حيث يمثل الغرب أكثر من 40% من إجمالي الباحثين المسجلين عن العمل في البلاد.

في المقابل، ساهمت حركة إعادة الإعمار و توسع مشروعات البنية التحتية في بنغازي في تنشيط قطاعات البناء والهندسة والنقل والخدمات، ما يعكس مساراً اقتصادياً مختلفاً يعتمد بدرجة متزايدة على الإنفاق التنموي والمشروعات الجديدة، وهو مسار يبدو بعيداً كل البعد عن نموذج الاقتصاد الريعي الذي أرسلته حكومة طرابلس خلال سنوات ولايتها المنتهية.

موجات احتجاجية تعمّ البلاد

تعيش ليبيا حالياً على وقع موجات احتجاجية متصاعدة، ففي مصراتة أعلن موظفو مجمع النيابات والمحاكم الدخول في اعتصام مفتوح وتعليق العمل بشكل رسمي حتى تنفيذ القانون رقم (2) لسنة 2025 بشأن المعاملة المالية لموظفي وزارة العدل والهيئات القضائية.

وتوالت وقفات احتجاجية في الزاوية وقصر بن غشير وتاجوراء وسوق الجمعة، حيث عمد الموظفون إلى تعليق العمل كلياً أو جزئياً للمطالبة بتنفيذ القانون.

 لكن هذه المطالب المشروعة تصطدم بحقيقة اقتصادية قاسية: أي زيادة واسعة في الرواتب تضيف التزاماً دائماً إلى اقتصاد مثقل بالالتزامات، تعتمد إيراداته بصورة كبيرة على سلعة واحدة تتقلب أسعارها وإنتاجها.

صحيح أن الموظفين يستحقون رواتب تمكنهم من العيش الكريم في ظل تضخم يتجاوز 56%، إلا أن النموذج الاقتصادي ذاته الذي أفرز هذه الأزمة هو ما يجعل أي زيادة مرهونة بحركة النفط ورضا المتحكمين في صمامات الإنتاج. وهنا يبرز جوهر المشكلة: حكومة منتهية الولاية تتشبث بالسلطة عبر الإنفاق والوظائف، دون أن تمتلك رؤية حقيقية لتنويع الاقتصاد أو تمكين القطاع الخاص أو خلق فرص عمل مستدامة.

خلاصة: تصحيح جذري أم انهيار محتوم؟

في المحصلة النهائية، تقف ليبيا اليوم أمام مفترق طرق تاريخي. فالنموذج الاقتصادي القائم، الذي تغذيه حكومة منتهية الولاية وشرعيتها المفقودة منذ سنوات، لم يعد قادراً على الاستمرار. الشباب الليبي، الذي قاتل من أجل الحرية والكرامة، يجد نفسه اليوم أسيراً لنظام اقتصادي يوزع الفتات عبر الوظائف الحكومية ويحتكر الثروة في أيدي قلة تتحكم في النفط والموانئ والقرار السياسي.

إن التصحيح الجذري يستلزم أولاً وقبل كل شيء إنهاء حالة انعدام الشرعية التي ترزح تحتها طرابلس، وتمكين الشعب الليبي من اختيار قيادته عبر انتخابات حرة ونزيهة.

كما يستلزم تفكيك شبكة الشركات المملوكة للدولة البالغ عددها 190 شركة، وتحرير القطاع الخاص من قيود الميليشيات والبيروقراطية والفساد، وبناء منظومة اقتصادية متنوعة لا تكون فيها الوظيفة الحكومية سوى خيار من بين خيارات.

إن الوضع الراهن الذي يصفه صندوق النقد الدولي بـ “الديناميكية المعاكسة” والذي يجعل ليبيا في ذيل قائمة الحرية الاقتصادية العالمية، هو نتاج مباشر لسياسات الإقصاء والفساد وإهدار المال العام.

 وإذا لم يتوقف هذا النزيف، فإن الجيل القادم لن يجد وطناً فحسب، بل سيجد أطلالاً اقتصادياً تخيّم عليها ظلال الريع والنفوذ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى