احتجاجات عارمة في الغرب الليبي تكشف هشاشة المشهد السياسي وتراكم الإهمال.. والدبيبة يتحرك لحماية مصالح الخارج
ليبيا تحت وطأة الاحتجاجات: عندما يتحرك المواطن من أجل البقاء ويتحرك الدبيبة من أجل الخارج
ليبيا 24
انفجار الغضب المكتوم
في مشهد يعيد إلى الأذهان سنوات الألم الليبي المتكررة، خرج آلاف المواطنين في مدن الغرب الليبي في موجة احتجاجات غير مسبوقة، لم تكن رد فعل لحظياً على انقطاع التيار الكهربائي أو نفاد السيولة المصرفية، بل كانت انفجاراً لتراكم مرير من سنوات التقاعس والإهمال وسوء الإدارة.
هذه التحركات الشعبية لم تكن مفاجئة لمن تابع نبض الشارع الليبي، لكنها كشفت مرة أخرى عن حجم الشرخ العميق بين السلطة والمواطن، وبين الخطاب الرسمي والواقع المعيشي المتردي.
المحلل السياسي الدكتور خالد محمد الحجازي، في قراءته لهذه الأحداث، وضع يده على جرح عميق يمس سيادة ليبيا ومستقبلها، كاشفاً أبعاداً خطيرة لملفات شائكة تمتد من أزمة الغاز إلى التدخل الأوكراني، ومن المحكمة الجنائية الدولية إلى سيناريوهات الحل الممكنة.
الجوع يعلن عصيانه: عندما تنهار الخدمات وتغيب الرقابة
لم تكن المظاهرات التي اجتاحت مدن الغرب الليبي وليدة اللحظة، بل كانت انفجاراً لمشكلات متراكمة بدأت بالخدمات الأساسية التي غابت عن حياة المواطن، وانتهت بفضائح صحية هزت ما تبقى من ثقة في مؤسسات الدولة.
يصف الدكتور الحجازي الحالة الليبية بعبارة بالغة الدقة: “طفح الكيل”.
فالمواطن الليبي يعاني يومياً من انقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة، وشح الوقود والمواد الغذائية، وأزمة سيولة مصرفية خانقة تمنعه من سحب مدخراته، في وقت تتحدث فيه الحكومة عن صرف مليارات على قطاع الكهرباء دون أي تحسن ملموس يذكر.
الأكثر خطورة، وفقاً للحجازي، هو ما كشف عنه النائب العام حول استخدام مواد مسرطنة في تسميد الخضراوات والفواكه، وهو ما ساهم بشكل مباشر في ارتفاع معدلات الإصابة بالسرطان بين الليبيين، الذين يضطر كثير منهم للعلاج في دول الجوار بعد أن فقدوا الثقة في المنظومة الصحية المحلية.
ويطرح الحجازي سؤالاً مشروعاً يبحث عن إجابة: أين تذهب هذه المليارات؟ ولماذا تغيب الرقابة على مؤسسات الدولة بهذا الشكل المروع؟ أسئلة تكشف عن خلل بنيوي في منظومة الحكم، حيث تبدو الأولويات معكوسة تماماً: الحديث عن الإنجازات في الإعلام، والانهيار في الواقع.
أزمة الغاز: عندما تنتصر المصلحة الإيطالية على الدم الليبي
في تطور لافت يعكس عمق الأزمة، أقدم مجموعة من الشباب على اقتحام مجمع “مليتة” النفطي وإيقاف ضخ الغاز إلى الخارج، احتجاجاً على استمرار تصدير الثروة الليبية فيما يعاني الشعب من أزمة طاقة حادة.
لكن رد فعل الحكومة كان كاشفاً بامتياز عن أولوياتها الحقيقية. يرى الدكتور الحجازي أن رئيس الحكومة منتهية الولاية عبد الحميد الدبيبة سارع بإرسال قواته لفك الحصار عن مجمع مليتة، لكنه لم يتحرك بنفس الحماس تجاه إغلاق الشباب للمصالح الحكومية أو التهديد بالدخول في عصيان مدني شامل.
الدبيبة، وفقاً لهذا التحليل، لم يتحرك خوفاً من غضب شعبه، بل خوفاً من إغضاب الخارج. فإرسال القوات جاء فوراً لفض الاحتجاج وإعادة ضخ الغاز، وكأن تدفق الغاز إلى إيطاليا وأوروبا أهم من تدفق الكهرباء إلى البيوت الليبية.
ويكشف الحجازي أن استمرار تصدير الغاز رغم الأزمة الداخلية ليس سوى تنازلات سياسية يقدمها الدبيبة لضمان دعم دولي يبقيه في السلطة، مؤكداً أن حكومة الدبيبة سقطت قولاً واحداً في نظر الشعب الليبي.
ويضيف أن أي حكومة وطنية حقيقية كانت ستوقف التصدير فوراً لحين تلبية احتياجات الشعب، لكن المشكلة تكمن في أن كل من تولى الحكم منذ العام 2011 تحوم حوله شكوك الولاءات السياسية.
فالمعادلة المقلوبة واضحة: استمرار التصدير مقابل استمرار الدعم الخارجي، والشعب يدفع الثمن من رفاهيته وصحته وكرامته.
التدخل الأوكراني والجماعات الانفصالية: ليبيا ساحة لصراعات لا تعنيها
أحد أخطر الملفات التي تناولها الحوار هو التدخل الأوكراني في الشأن الليبي، ودعمها لجماعات انفصالية في الجنوب، فضلاً عن تزويد حكومة الدبيبة بالخبراء والطائرات المسيرة.
يوضح الحجازي أن الحرب الروسية الأوكرانية امتدت إلى ليبيا، حيث باتت الأخيرة ساحة لضرب المصالح الروسية، خاصة بعد أن تحولت الشواطئ الليبية إلى منصة لإطلاق مسيرات على سفن روسية، ما جعل ليبيا طرفاً في صراع لا ناقة لها فيه ولا جمل.
ويرى الحجازي أن أوكرانيا، بتوجيهات أوروبية، باتت تدعم الإرهاب في ليبيا وأفريقيا، مستشهداً باستهداف ناقلات نفط روسية في المنطقة.
ويؤكد أن هذا التدخل يهدد الأمن القومي الليبي ويحول البلاد إلى مسرح لصراعات دولية لا تعني الليبيين في شيء.
فليبيا، التي تبحث عن الاستقرار، تجد نفسها محشورة في لعبة كبرى تتقاطع فيها المصالح الروسية والأوروبية والأمريكية، بينما المواطن الليبي يدفع الثمن من أمنه واستقراره.
المحكمة الجنائية الدولية: بين النيات والإجراءات
في ملف آخر بالغ الحساسية، يثير الحجازي إشكالية تعامل ليبيا مع المحكمة الجنائية الدولية، رغم أن ليبيا لم توقع على نظام روما الأساسي، في حين أن دولاً كبرى مثل الولايات المتحدة ترفض التعامل معها.
ويتساءل: لماذا تصر حكومة الدبيبة على تسليم الليبيين لمحكمة خارجية بينما القضاء الليبي قادر وكفء لمحاكمة المتهمين في قضاياهم؟
ويشير إلى حادثة متهم لوكربي التي قدمتها حكومة الدبيبة كهدية للأميركيين، معتبراً أن هذه الحكومة تعمل لصالح واشنطن، ومستعدة للتضحية بالشعب الليبي كله من أجل البقاء في السلطة.
ويؤكد أن المجتمع الدولي والأمم المتحدة ليسوا في ليبيا لحل المشكلة، بل لإدارتها بما يخدم مصالح الغرب في استنزاف ثروات البلاد.
فليبيا، بموقعها الاستراتيجي وثرواتها النفطية، باتت ساحة لصراع النفوذ، والمحكمة الجنائية الدولية ليست سوى أداة ضغط في هذا الصراع.
مخرج واحد: مصالحة وطنية وخروج أجنبي
يرى الدكتور خالد الحجازي أن الحل الوحيد لأزمة ليبيا يمر بأربع مراحل أساسية: انطلاقاً من مصالحة وطنية شاملة تجمع كل الأطراف الليبية دون استثناء، ثم توحيد الحكومة والجيش والشرطة في مؤسسة واحدة تعبر عن السيادة الوطنية، وتوحيد الحكومة سيؤدي بالتبعية إلى وقف التدخل الأجنبي بكل أشكاله، سواء من الغرب أو الشرق، والعمل على توعية الشعب بخطورة مؤسسات المجتمع المدني التي تخترقها أجهزة مخابرات أجنبية لزرع الفتن.
ويختم الحجازي تصريحاته برسالة تفاؤل حذر، مؤكداً أن ما يقال عن رفض أهالي مصراتة للحل الوطني غير دقيق، فهناك شخصيات وطنية من داخل مصراتة ترفض الوضع الحالي، لكن أصواتها مغلوبة على أمرها من قبل من يحملون السلاح.
ويدعو ليبيا إلى الانغلاق على نفسها لحين حل مشكلاتها الداخلية، ثم الانفتاح مرة أخرى على العالم من موقع قوة، لا من موقع الضعف والتبعية.
ليبيا بين الألم والأمل
ما تعيشه ليبيا اليوم ليس مجرد أزمة سياسية أو اقتصادية عابرة، بل هو أزمة وجودية تمس هوية الدولة ومستقبلها. الاحتجاجات الشعبية في الغرب الليبي ليست سوى تعبير عن وجع متراكم، والتحركات الحكومية المشبوهة ليست سوى دليل على غياب الإرادة الوطنية.
بين مصالح الخارج وأطماع الداخل، يبقى المواطن الليبي هو الضحية الأكبر، يبحث عن كهرباء تضيء بيته، ودواء يعالج مرضه، وكرامة تعيد له إنسانيته.
الحل، كما يقول الحجازي، ليس مستحيلاً، لكنه يحتاج إلى إرادة حقيقية وإلى قيادة وطنية تضع مصلحة ليبيا فوق كل اعتبار.
فالمصالحة الوطنية ليست خياراً، بل ضرورة. والخروج الأجنبي ليس ترفاً، بل شرط للسيادة. والتوعية الشعبية ليست رفاهية، بل حصانة ضد الاختراق. ليبيا تستحق أن تعود إلى الليبيين، لا أن تبقى ساحة للآخرين.


