«مسار قرطاج» يتحوّل إلى سراب: كيف أجهضت سلطة المنفي وارتهانات الدبيبة حلم ليبيا الإقليمي؟
الجزائر تنتظر «قراراً سياسياً» من طرابلس... وقمة ثلاثية تذبل في مهب العجز والانقسام
ليبيا 24
«مسار قرطاج» بين الحلم والوهم: كيف أجهضت سلطة المنفي وارتهانات الدبيبة حلم ليبيا الإقليمي؟
وعدٌ لم يتحقق
في السابع عشر من أكتوبر عام 2024، وقف الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في مؤتمر صحافي عقده بمناسبة زيارة رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي إلى العاصمة الجزائرية، ليعلن بحماس عن مشروع لقاء ثلاثي يجمع قادة الجزائر وتونس وليبيا في طرابلس، ضمن ما أصبح يُعرف بـ«مسار قرطاج».
قال تبون حينها بصراحة: «نحن على وشك الالتقاء بليبيا في إطار التشاور الثلاثي، ونحن في انتظار تحديد موعد لذلك من قبل الرئيس المنفي».
كانت الكلمات تحمل أملاً في إحياء حلم مغاربي طالما راود الشعوب، لكنها سرعان ما اصطدمت بواقع ليبي أكثر تعقيداً مما تتصوره العواصم الإقليمية.
حلم ثلاثي… ومؤسسات غائبة
لم يحدد موعد، ولم يعقد اللقاء، ولم يتحقق أي شيء مما وُعد به. لم تسمح ظروف الحالة الليبية المتأزمة بترتيب قمة ثلاثية كان مقرراً أن تكون الثالثة بعد تلك التي جمعت تبون والمنفي والرئيس التونسي قيس سعيّد في تونس في إبريل 2024، وفي الجزائر في نوفمبر من العام نفسه.
كان ذلك المسار الثلاثي مشروعاً طموحاً لبناء شراكات سياسية واقتصادية، وفتح المعابر التجارية، وتنشيط حركة تنقل الأفراد، وتأمين الحدود وتنميتها، والتفاهم على آليات مشتركة لمواجهة الهجرة غير النظامية، وصياغة موقف موحد تخاطب به الدول المغاربية الطرف الأوروبي.
لكن كل هذه الأهداف السامية اصطدمت بغياب «القرار السياسي» القادر على تحويلها إلى واقع ملموس، وهو قرار لا يمكن أن يصدر إلا عن دولة ذات مؤسسات ناظمة وقوية، وهو ما يغيب بشكل صارخ في الحالة الليبية.
لقاءات وزيرية بلا روح سياسية
صحيح أنه عقدت لاحقاً سلسلة لقاءات بين حكومات الدول الثلاث. اجتمع وزراء الداخلية في تونس لمناقشة قضايا الهجرة وتدفقات المهاجرين والأمن الحدودي، وعقد اجتماع لوزراء التجارة في الجزائر ناقش ملف التبادلات والمعابر التجارية وفكرة المناطق التجارية الحرة، كما عُقد اجتماع ثالث لهيئات رجال الأعمال بحث خطة تطوير المناطق الحدودية المشتركة عبر إقامة مناطق للتبادل الحر وإنشاء مناطق صناعية ذكية فيها، واستقطاب المشاريع المشتركة، لدعم مقومات الأمن والاستقرار في المناطق الحدودية.
لكن هذه الاجتماعات، رغم إيجابيتها الظاهرية، بقيت حبيسة الأدراج، لأنها كانت بحاجة إلى قرار سياسي، والقرار السياسي بحاجة إلى دولة مستقرة، والدولة بحاجة إلى مؤسسات ناظمة وقوية، وهذا يغيب بشكل كبير في الحالة التونسية المتأرجحة، وفي الحالة الليبية المتأزمة.
المنفي والدبيبة: مسؤولية العجز والارتهان
من منظور ليبي خالص، لا يمكن تحميل الجزائر أو تونس مسؤولية تعطّل هذا المسار. فالمشكلة الجوهرية تكمن في العاصمة طرابلس، حيث يرأس محمد المنفي مجلساً رئاسياً يفتقر إلى أي سلطة فعلية على الأرض، بينما يتربع عبد الحميد الدبيبة على كرسي رئاسة حكومة منتهية الولاية، لا تملك شرعية تمثيلية ولا قدرة على اتخاذ قرارات استراتيجية.
كيف يمكن لمن يفتقر إلى الشرعية الدستورية أن يجلس على طاولة قمة ثلاثية ويقدم ضمانات لشراكات إقليمية؟ وكيف يمكن لمؤسسات منقسمة أن تترجم الاتفاقات إلى سياسات فعلية على الأرض؟
إن المواطن الليبي، الذي يعاني من إغلاق المعابر وتدهور الخدمات وتراجع فرص العمل، يدفع ثمن هذا الفراغ السياسي الذي يتحمل مسؤوليته المنفي والدبيبة معاً، لأنهما يحتكمان إلى كراسي السلطة أكثر مما يحتكمان إلى مصلحة الشعب الليبي المكلوم.
درس مغاربي قاسٍ
يكشف هذا التعطّل إلى أي حد تصبح المسائل أكثر تعقيداً في الشراكات الإقليمية عندما يفقد البلد، أي بلد كان، بنية الدولة وخطها الاستراتيجي ومؤسساتها المركزية، بغض النظر عن ضعفها المرحلي أو قوتها، وعن طبيعة النظام القائم.
وكيف تتعطل المسارات والمشاريع البينية الحيوية لأسباب بالية أو معقدة، حتى وإن كانت تملك كل أسباب التنفيذ وعوامل النجاح المتعددة.
وكيف تغيب الرؤية عندما تصبح الخطوات السياسية والاقتصادية بين مد وجزر، وإلى أي حد يسقط الحمل والثقل كله على بلد واحد، مثل الجزائر، قد لا يكون مستعداً بالضرورة لتحمل الأعباء والمسؤوليات الإقليمية، أو يُجبر على التعامل مع تداعياتها وتعقيداتها.
إضعاف الدولة يضيع الفرص
يقدم ذلك درساً بليغاً لكل الأطراف والفواعل، سواء الحاكمة أو ذات علاقة بالقرار، وللقوى والاتجاهات السياسية في أي بلد، وبخاصة تونس وليبيا ضمن السياق المغاربي، مفاده أن إضعاف الدولة أو ضعفها، أو التغييرات الهيكلية غير المدروسة على قاعدة الواقع المحلي واستحقاقاته كمحدد أساسي، لا ينعكس على الأوضاع الداخلية للبلد والدولة فحسب، لكنه يحد من قدرتها على المضي في شراكات بينية، ويضعف موقفها التفاوضي في القضايا الحيوية، ويفاقم هشاشة حدودها الجغرافية والسياسية، ويفوّت على كل المنطقة، دولاً وشعوباً، فرصاً سياسية واقتصادية، لم تكن أبداً مستحيلة حتى بالحد الأدنى من العقل السياسي.
فليت المنفي والدبيبة يدركان أن ما يُهدر اليوم في طرابلس ليس مجرد موعد قمة، بل مستقبل شعب كامل ينتظر من ينصفه.



