ليبيا

الدينار ينهار والمحتكر يتحكم.. حكومة منتهية الولاية تترك المواطن الليبي وحيداً في مواجهة جحيم الأسعار

بين اتفاق 4+4 المنسي واقتصاد احتكار القلة.. ليبيا تدفع فاتورة صراع البقاء في السلطة

ليبيا 24

“اقتصاد احتكار القلة”.. حين تتحول أزمة الثقة إلى كارثة وطنية

في بلد يمتلك أكبر احتياطي نفطي في أفريقيا، يعيش أكثر من 30% من مواطنيه تحت خط الفقر. ليست مفارقة تاريخية عابرة، بل نتيجة حتمية لمنظومة سياسية اختارت البقاء على حساب الناس.

منذ أن انتهت ولاية حكومة عبدالحميد الدبيبة، وهي تدير البلاد بمنطق “تصريف الأعمال” الذي تحول إلى تصريف مقدرات وطن بأكمله.

لا ميزانية موحدة، لا رقابة برلمانية حقيقية، لا مؤسسات دولة فاعلة. كل ما تبقى هو كرسي في طرابلس، ومجموعة محتكرين يتحكمون في سعر الدولار كما يشاؤون.

حين يصبح المحتكر هو واضع السياسة النقدية

الخبير الاقتصادي محمد درميش وضع يده على الجرح حين قال إن “سوق اقتصاد ليبيا احتكار قلة متغول فيه المحتكر يضع سعر الدولار في السوق كما يريد، في غياب تام لمؤسسات الدولة كبنك مركزي ووزارة اقتصاد”.

المحتكر لا يرفع السعر عبثاً. إنه يرفعه ليخلق بيئة خصبة للبنك المركزي كي يضرب صفقاته في الدولار المخزن.

“كل سنتان صفقة” كما يقول درميش. وفي غياب أدوات السياسة الاقتصادية الثلاث — المالية والنقدية والتجارية — التي تتداخل وتتكامل في بكج واحد لتسيير خطوط موازية مع السياسة العامة للدولة، يتحول الاقتصاد الليبي إلى ساحة حرب مفتوحة على المواطن وحده.

والدليل الأرقام: الدولار في السوق الموازية قارب حاجز العشرة دنانير، بينما السعر الرسمي لا يزال عند 6.42 دينار.

فارق يزيد على ثلاثة دنانير ونصف — فجوة تلتهم القدرة الشرائية للمواطن، وتضخم أسعار السلع والخدمات، وتدفع بجيل كامل نحو حافة الفقر المدقع. نحو 30% من الليبيين يعيشون تحت خط الفقر، وفق تقديرات مستقلة، مع توقعات بارتفاع هذه النسبة في حال استمرار الانقسام الحكومي.

البنك المركزي.. غائب عن دوره، حاضر في الصفقات

القانون رقم 1 لسنة 2005 حدد بدقة دور مصرف ليبيا المركزي: تطوير القطاع البنكي، المساهمة في التمويل والاستثمار، التنسيق مع أدوات السياسة الاقتصادية والتجارية والمالية لمسايرة الأحداث. لكن ما يحدث على الأرض شيء آخر تماماً.

المصرف المركزي، بدلاً من أن يكون ركيزة الاستقرار، تحول إلى بيئة خصبة لاحتكار القلة وتغولهم على السوق السوداء. تخفيضات متكررة للدينار بإجراءات أحادية، دون تنسيق فعلي بين السياسة النقدية والمالية والتجارية، أدت إلى نتائج عكسية على استقرار السوق ومستويات الأسعار.

استنزاف مدخرات المواطنين، واتساع دائرة الفقر، وتآكل العائد على الاستثمار لدى المصارف، وخسائر في الأصول المقومة بالدينار — كلها نتائج مباشرة لغياب الدور الحقيقي للمصرف المركزي.

درميش كان واضحاً: “المشكلة ليست في سعر الصرف، المشكلة في من يقرر ويضع ويدير سعر الصرف. هنا مربط الفرس.”

المواطن المكلوم.. من يسمع صوته؟

الشرعية ليست مجرد أوراق يتنازع عليها السياسيون في قاعات مكيفة. الشرعية الحقيقية هي أن يجد المواطن دواءه، وكهرباءه، ووقوده، ورغيف خبزه. وفي ليبيا اليوم، كل هذه ضرورات الحياة الأساسية تحولت إلى رفاهية.

عام كامل من التقنين الكهربائي أجبر الملايين على النوم في الظلام والحر. إعانة اجتماعية أقل من منحة تُمنح للاجئين.

مطر خفيف يغرق شوارع المدن. الأزمة ليست في نقص الموارد — الجعب موجود والآلات موجودة والمهندسين تبارك الله والأسمنت موجود والقطران موجود — بل في غياب الإرادة السياسية وغياب المساءلة. السؤال الذي يطرحه درميش يبقى معلقاً بلا جواب: “لماذا نحن هكذا؟”

الحكومة منتهية الولاية ترفض تسليم السلطة. مجلس النواب سحب الثقة منها منذ زمن. المفوضية الوطنية العليا للانتخابات أعلنت جاهزيتها للاستحقاق الانتخابي. ومع ذلك، يستمر الوضع الراهن لأن من يمسك بالسلطة يخشى أن يخسرها.

والمفارقة أن هذه الحكومة نفسها هي التي حذرت من أن الإنفاق الموازي تجاوز 300 مليار دينار خلال ثلاث سنوات فقط. مبلغ كافٍ لبناء ليبيا جديدة، لكنه ذهب أدراج الرياح.

اتفاق 4+4.. مخرج سياسي أم مجرد ورق؟

في خضم هذا الانهيار الاقتصادي الممنهج، يبرز اتفاق 4+4 الذي وُقّع في 30 أغسطس 2026 برعاية بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، كمسار رسم خطوات لمعالجة الخلافات الانتخابية والمؤسساتية بهدف الوصول إلى انتخابات وطنية وتوحيد مؤسسات الدولة.

الاتفاق يحظى بدعم دولي واسع — من مجلس الأمن، والولايات المتحدة، والصين، ودول الجوار — ويضع مساراً قابلاً للتنفيذ تحت مظلة سلطة تشريعية وتنفيذية موحدة.

لكن المشكلة تكمن فيمن يعطّل. المجلس الأعلى للدولة رفض الاتفاق بحجة تجاوزه الأطر القانونية الوطنية, وفق ما أعلنته المبعوثة الأممية هانا تيتيه.

والسؤال المشروع: أي أطر قانونية تلك التي أنتجت الوضع الحالي المأساوي؟ أي مؤسسة شرعية تلك التي أصبحت معظمها أدوات في أيدي قوى الأمر الواقع؟

اتفاق 4+4 ليس حلاً سحرياً. لكنه، على الأقل، يشكل مخرجاً تفاوضياً يرفض التمترس خلف الشرعية المزيفة، ويفتح الطريق أمام انتخابات تخرج البلاد من عنق الزجاجة.

وإذا كانت بعض الأطراف ترفض هذا الاتفاق، فالسؤال البديل هو: ما البديل الذي تطرحه؟ استمرار الوضع الراهن؟ احتكار القلة؟ السوق السوداء؟ فقر يتفاقم يوماً بعد يوم؟

النفط.. لعنة لم تُستثمر

الاقتصاد الليبي يعتمد بشكل شبه كامل على إيرادات النفط لتمويل النفقات العامة. درميش حذّر من أن شح التمويل وتراجع الاستثمارات في القطاع النفطي بات يشكل ضغطاً متزايداً على استمرارية الإنتاج وقدرة الدولة على الحفاظ على تدفق الإيرادات.

تراجع الصادرات النفطية يهدد الإيرادات، والاقتصاد يعاني من شح التمويل والانقسام السياسي الذي يعيق اتخاذ قرارات استراتيجية طويلة الأجل.

وفي المقابل، ليبيا تمتلك فرصاً اقتصادية كبيرة غير مستغلة: موارد طبيعية متنوعة، رأس مال عامل يقدّر بعشرات المليارات من العملات الأجنبية، سيولة كبيرة بالعملة المحلية. لو وظفت هذه الموارد بشكل فعال، لكانت ليبيا في مصاف الاقتصادات الصاعدة.

لكن هذا يحتاج إلى إرادة سياسية، وإلى مؤسسات دولة حقيقية، وإلى رقابة شعبية. وكلها غائبة اليوم.

إعادة الهيكلة: وصفة مهجورة

درميش لا يكتفي بالتشخيص، بل يطرح حلولاً عملية. إعادة هيكلة قطاع النقل البحري واستحداث وزارة له، على سبيل المثال، ستساهم في فتح فرص عمل كثيرة وزيادة الدخل القومي. كذلك، فإن التطوير التنظيمي في كل المجالات العامة ضروري، لكنه “لا وجود له في التنظيمات الإدارية في ليبيا نهائياً”.

ويوصي درميش مركز بحوث العلوم الاجتماعية بإجراء دراسات حول تداعيات القرارات الاقتصادية التي أدت إلى انخفاض مستوى دخل الفرد واستنزاف مدخراته: ضريبة الواردات، ضريبة شراء العملة، توحيد سعر الصرف على سعر غير عادل.

كل هذه القرارات التي زادت الفقر وكثرة الجريمة وكثرة الطلاق، تحتاج إلى بحث علمي جاد، لا إلى قرارات ارتجالية.

مشروعات الشباب.. استخفاف أم أمل؟

لا يمكن الحديث عن الاقتصاد الليبي دون الحديث عن الشباب، الذين يشكلون العمود الفقري لأي نهضة حقيقية. لكن ما يقدم لهم اليوم ليس إلا استخفافاً مقنّعاً: مشروعات خاسرة وفاشلة، ووعود لا تُنفذ.

درميش كان صريحاً: “المشروعات الحقيقية للشباب هي التربية والتعليم والتأهيل المهني المخطط، وليست المشروعات الخاسرة والفاشلة. كفاكم استخفافاً بالشباب.”

الشباب الليبي لا يحتاج إلى مشروعات صورية لامتصاص الغضب. يحتاج إلى تعليم حقيقي، إلى تأهيل مهني يحترم آدميته، إلى فرص عمل تليق بطموحه. يحتاج إلى دولة تراه مواطناً لا رقماً في إحصائية فقر.

الشعب ينتظر

الوضع في ليبيا ليس مستعصياً. لكنه يحتاج إلى إرادة سياسية تضع مصلحة المواطن فوق كل اعتبار. حكومة منتهية الولاية تدير البلاد بمنطق “تصريف الأعمال” منذ سنوات، لا تنتج إلا الفقر والتضخم والظلام. اتفاق 4+4 يمثل مخرجاً سياسياً يجب دعمه والبناء عليه، ليس لأنه كامل، بل لأنه أفضل من الفراغ والانقسام.

المواطن الليبي المكلوم لا ينتظر خطابات ولا معجزات. ينتظر فقط أن يشعر أن هناك من يحكم من أجله، لا من أجل كرسي السلطة.

وفي غياب ذلك، سيستمر سعر الدولار في الارتفاع، والكهرباء في الانقطاع، والفقر في الزحف، حتى يدفع الجميع الثمن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى