ليبيا

15 أكتوبر.. ملحمة جيش رفض السقوط ومدينة نهضت من قلب النار لتصنع مجد ليبيا وتعيد للوطن بوصلته

ليبيا تحتفل بذكرى التحرير والإعمار… بنغازي تروي للعالم كيف يُصنع النصر من رحم «الانتحار العسكري»

ليبيا 24

ملحمة الجيش الذي أنقذ بنغازي… حين كتب 300 جنديٍ مجدَ ليبيا وأعادوا بوصلة الوطن

في الذكرى الحادية عشرة لانطلاق عملية تحرير المدينة، يؤكد المراقبون أن ما جرى في 15 أكتوبر 2014 لم يكن معركةً عسكرية فحسب، بل كان لحظةَ تحوّلٍ استراتيجي في مسار الدولة الليبية، حين انتقل الجيش الوطني من موقع الدفاع إلى موقع المبادرة.

أحد عشر عاماً على دخول قوات الكرامة إلى بنغازي، والمدينة التي كانت ساحةً للاغتيالات والتفجيرات باتت اليوم ورشة إعمار مفتوحة، ورمزاً لالتفاف الشعب حول مؤسسته العسكرية في مواجهة الإرهاب والتطرف.

لييبا 24

من «الانتحار العسكري» إلى ورشة الإعمار… بنغازي تحتفل بذكرى الملحمة التي غيّرت وجه ليبيا

في الخامس عشر من أكتوبر من كل عام، تعود إلى الأذهان لحظةٌ فارقة في تاريخ ليبيا الحديث؛ لحظةٌ لم تكن كغيرها من اللحظات التي مرّت على هذا الوطن المكلوم. إنها الذكرى الحادية عشرة لدخول الجيش الوطني الليبي، بقيادة القائد العام المشير خليفة أبو القاسم حفتر، إلى مدينة بنغازي، في عملية وصفها العالم آنذاك بـ«الانتحار العسكري»، لكن العزيمة والإرادة حولتها إلى انتصارٍ ساحقٍ غيّر مجرى التاريخ.

عندما ضاقت الأرض… ورفع الرجال كفنهم

في العام 2014، كانت مدينة بنغازي تعيش تحت وطأة إرهابٍ أسود لا يرحم. عصابات الاغتيال كانت تطارد ضباط الجيش والشرطة والنشطاء والإعلاميين في وضح النهار، وبلغت حصيلة الاغتيالات ذروتها عند ثمانية عشر حالة في اليوم الواحد.

فرَ البعض خارج المدينة، وامتنع آخرون عن ارتداء الزي العسكري خوفاً من التصفية الجسدية، وضاقت الأرض بأهلها بما رحبت.

في تلك اللحظة الحرجة، اتجه المواطنون إلى رجلٍ عرفوه بالقوة والصلابة: المشير خليفة حفتر. طلبوا منه إنقاذ البلاد، فقبل المهمة التي رفضها كثيرون خوفاً على حياتهم.

وضع الرجل كفنه على كتفه، وتقدم الصفوف، ولم يكن معه سوى ثلاثمئة جندي فقط، معهم الله أولاً، ثم العزيمة والإصرار. بدأ في تجهيز الجيش من العدم، والتحق به الوطنيون تباعاً، حتى وصل إلى جاهزية تامة في خمسة أشهر فقط.

يوم الأربعاء… لحظة الحسم

جاء يوم الأربعاء 15 أكتوبر 2014، الموافق للحادي والعشرين من ذي الحجة 1435 هجرية، ليكون موعداً مع التاريخ. تحركت قوات الجيش الوطني الليبي من محاور متعددة، تحت غطاء جوي أمّنته مقاتلات حربية ليبية، مستهدفةً معاقل التنظيمات المتطرفة في المدينة ومحيطها.

وفي الساعات الأولى من صباح ذلك اليوم، سُمعت انفجارات مدوية تهز أحياء بنغازي، وسط إطلاق نار متقطع. كانت القوات تتقدم بثبات، بينما شباب المدينة يتحركون في مناطقهم دعماً للجيش.

أعلن رئيس الحكومة المؤقتة آنذاك، عبد الله الثني، دخول قوات الجيش والمجموعات الشبابية المساندة إلى المدينة، مؤكداً أن المعركة ضد الإرهاب مستمرة ولن تتوقف حتى القضاء عليه.

وخلال ساعات، تمكن الجيش من السيطرة على معسكر كتيبة «17 فبراير»، الذي كان يُعد أكبر معاقل تنظيم «أنصار الشريعة» والمجموعات المتطرفة في بنغازي.

اعتبر المراقبون سقوط هذا المعسكر نقطة تحوّلٍ كبرى، إذ بدأ نفوذ الميليشيات في الانحسار تدريجياً، وبدأت المدينة تستعيد عافيتها.

انتفاضة الشباب… عندما حمل المدنيون السلاح إلى جانب الجيش

لم تكن معركة بنغازي حكراً على العسكريين وحدهم. ففي المناطق المكتظة مثل شارع عشرين والوحيشي وزواوة ورأس اعبيدة والسلماني وسيدي خليفة وبوتزيره ودريانة، حمل شباب المدينة السلاح في وجه الإرهابيين، وسطروا ملاحم بطولية ستبقى محفورة في الذاكرة الشعبية.

لقد أدرك هؤلاء الشباب أن المعركة ليست معركة الجيش وحده، بل معركة كل ليبيٍّ شريف يرفض أن تُختطف مدينته ووطنه.

تزامن ذلك مع «نزول الجيش» إلى داخل المدينة، حيث دارت معارك ضارية في كل منطقة يتقدم بها. وبعد أسبوع واحد فقط، سيطر الجيش على معظم أحياء بنغازي، وحاصر الإرهابيين في مناطق الليثي والصابري وسوق الحوت والقوارشة وبوعطني والهواري وقنفودة.

لكن الحرب لم تنتهِ عند هذا الحد. فاستمرت ثلاث سنوات كاملة، لأسبابٍ عدة؛ أبرزها تحصن الإرهابيين في مناطق سكنية واستخدامهم الأهالي كدروع بشرية، بالإضافة إلى الإمدادات التي كانت تصل إليهم عبر البحر من مدينة مصراتة وطرابلس، بدعمٍ من تنظيم الإخوان آنذاك.

دروسٌ في التلاحم الوطني

يقول المحلل السياسي عبدالعزيز الزقم لـ«لييبا 24»: «ما حدث في 15 أكتوبر لم يكن مجرد عملية عسكرية، بل كان تجسيداً حياً للعقد الاجتماعي بين الشعب وجيشه.

لقد أثبت الليبيون أنهم حين يتوحدون خلف قيادتهم العسكرية، يستطيعون تحقيق المستحيل».

ويضيف الزقم: «هذه الذكرى تذكرنا بأن الأمن لا يُبنى إلا بالتضحيات، وأن الاستقرار الذي ننعم به اليوم في بنغازي هو ثمرة دماء الشهداء الذين سقطوا من أجل أن تعيش المدينة بكرامة».

من ركام الحرب إلى واجهة الإعمار

اليوم، وبعد أكثر من عقد من الزمن على تلك الملحمة، تقف بنغازي في قمة الازدهار. تحولت من مدينةٍ كانت تُعدّ ساحةً للقتال والإرهاب، إلى ورشة عمل مفتوحة للإعمار والبناء.

إن ما تشهده المدينة اليوم من أمنٍ وأمانٍ واستقرارٍ يمثل «ثمرة سنوات من الجهود والتضحيات التي مهدت الطريق لعودة مؤسسات الدولة وانطلاق مشاريع التنمية والإعمار».

ولم تقتصر جهود الإعمار على إعادة بناء ما دمرته الحرب، بل امتدت لتشمل مشاريع ضخمة تُنفذ وفق أحدث المعايير العالمية.

فوفقاً لرئيس الحكومة الليبية، الدكتور أسامة حماد، بلغت الأعمال الإنشائية في بنغازي مراحل متقدمة، حيث تم إنجاز 60% من مطار «تيكا» الدولي، إلى جانب المرحلة الأولى من ميناء بنغازي، وبناء جسور ومرافق رياضية حديثة.

أضف إلى ذلك مشروع مجمع «اللوتس» العمراني، الذي يُعد من أكبر المشاريع المتكاملة في المدينة، ويضم فندقاً خمس نجوم، وصالات تجارية، ومكاتب، ومدرسة، ومطاعم، وصالات رياضية. كما شهدت المدينة افتتاح المرحلة الأولى من حديقة اللوتس، التي تجسد النقلة الحضارية التي تعيشها بنغازي اليوم.

أما على الصعيد الصحي، فقد وقف المشير خليفة حفتر بنفسه على سير العمل في مشروع مستشفى النساء والولادة والأطفال التخصصي بسعة 700 سرير، وتابع عمليات الصيانة وإعادة التأهيل الجارية في مستشفى الجلاء للجراحة والحوادث.

هذه المشاريع لم تكن لتتحقق لولا الأمن الذي فرضته القوات المسلحة، والذي مهد الطريق أمام الاستثمار والتنمية.

التحديات الاقتصادية… وعيون على المستقبل

لا يخلو المشهد الاقتصادي في بنغازي من تحديات. فخلال الأشهر الأخيرة من عام 2025، شهدت المدينة نقاشاً اقتصادياً محتدماً عقب إجراءات استهدفت إغلاق السوق الموازي للعملة وسحب كميات كبيرة من الدينار الليبي من خزائن التجار وإيداعها في البنوك، في مسعى لضبط سعر الصرف وتخفيف أزمة السيولة.

ويرى خبراء اقتصاديون أن هذه الإجراءات قد تحدث تراجعاً مؤقتاً في سعر الدولار، لكن أثرها يبقى هشاً إذا لم يُدعّم بإصلاحات موازية تضمن تدفقاً منظماً للنقد وتوفر الدولار عبر قنوات شرعية وشفافة.

وفي المقابل، يحذر اقتصاديون آخرون من أن تجفيف السيولة دون بدائل عملية قد يفاقم أزمة النقد ويضغط على الحركة التجارية اليومية.

ومع ذلك، تبقى المؤشرات الكلية إيجابية إلى حد كبير. فقد توقع صندوق النقد الدولي أن تحقق ليبيا أعلى معدل نمو اقتصادي عربي خلال عام 2025، بنسبة تُقدّر بـ 17.3%، مدعوماً بتسارع مشاريع الإعمار والتنمية في مختلف المناطق.

هذا النمو، وإن كان مرهوناً باستمرار الاستقرار الأمني، إلا أنه يعكس حجم الإمكانات الهائلة التي يمتلكها الاقتصاد الليبي متى توفرت البيئة المناسبة.

الجيش… درع الوطن وسياجه

في خضم كل هذه التحولات، يبقى الجيش الوطني الليبي هو الضامن الأول للأمن والاستقرار. فبعد أن أثبت جدارته في ميدان المعركة، يواصل اليوم دوره في حماية المكتسبات وتهيئة الظروف للتنمية.

ويؤكد القائد العام المشير خليفة حفتر، في مختلف لقاءاته، أن «تداعيات الأزمة السياسية في ليبيا تهدد وحدة البلاد ومستقبلها»، مشدداً على أن الحلول الحقيقية «لا تأتي إلا من إرادة الشعب الليبي، لينتزع حقه في تقرير مصيره».

هذا الخطاب يعكس قناعة راسخة بأن ليبيا لا تُدار بقرارات خارجية، بل بإرادة أبنائها. وقد تجلى هذا المبدأ بوضوح في 15 أكتوبر 2014، حين قرر الليبيون أن يأخذوا مصيرهم بأيديهم، ورفضوا الخضوع لمنطق القوة والسلاح خارج إطار الشرعية.

تحية للشهداء… وعهد للوطن

في هذه الذكرى الغالية، لا يسعنا إلا أن نترحم على شهداء ليبيا الأبرار؛ من عسكريين ومدنيين ونشطاء، سقطوا دفاعاً عن الكرامة والعزة. ونثمّن وقفة الرجال الشرفاء الذين كان لتحركهم في ذلك اليوم أثره الواضح والبارز فيما ننعم به اليوم من أمنٍ واستقرار.

إن 15 أكتوبر ليس مجرد تاريخ في التقويم، بل هو درسٌ في الصمود، وعبرةٌ في التلاحم، ورسالةٌ لكل من يحاول العبث بأمن هذا الوطن.

إنه يومٌ يذكّرنا بأن ليبيا، مهما عصفت بها العواصف، قادرةٌ على النهوض من جديد، ما دام في أبنائها من يحمل كفنه على كتفه ويسير في مقدمة الصفوف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى