ثقب النفط الأسود يتسع.. والدبيبة وحكومته منتهية الولاية في سبات عميق بينما المواطن يدفع وحده ثمن الانهيار
الشريف: المسؤولية عن تبديد إيرادات النفط مشتركة.. والمصرف المركزي ومؤسسة النفط يتبادلان الاتهامات بينما الخزانة تفرغ
ليبيا 24
الشريف يحذر: الدولرة تعني التخلي عن السيادة النقدية.. والتأمين الطبي امتياز للبعض وحرمان للأغلبية في ظل غياب العدالة في الأجور
حين يصمت المسؤولون.. يصرخ المواطن
في مشهد بات متكررا ومملا، تتوالى التصريحات والاتهامات المتبادلة بين المصرف المركزي ومؤسسة النفط بشأن التدني الحاد في الإيرادات النفطية، رغم الارتفاع الاستثنائي في الأسعار العالمية واستقرار مستويات الإنتاج قرابة مليون وأربعمئة ألف برميل يوميا.
وبينما تتبادل المؤسسات الاتهامات، يقف المواطن الليبي المكلوم وحيدا يدفع ثمن فشل جماعي لا ذنب له فيه.
الأستاذ إدريس الشريف، أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي، لم يكتف بتحليل المشهد من برجه الأكاديمي، بل نزل إلى الساحة عبر صفحته على فيسبوك ليقول ما يعرفه كل ليبي: “جميعكم مسؤولون! وتبادل الاتهامات لن يعفي أحدا من المسؤولية!”
المسؤولية المشتركة.. لا مفر منها
يرى الشريف أن المسؤولية عن هذا الخلل المدمر مشتركة، لكن لكل جهة نصيبها وفق اختصاصها. فمؤسسة النفط مسؤولة عن سوء إدارة القطاع وعدم حماية الإيرادات من الفقد والهدر والتسرب في مختلف مراحل الإنتاج والتصدير والتحصيل.
وأي تجاوزات أو ضياع للإيرادات من المنبع بأي وجه أو شبهات فساد تستوجب التحقيق والمساءلة.
أما المصرف المركزي، فهو مسؤول عن سوء إدارة النقد الأجنبي وعجزه عن ضبط استخداماته، خصوصا الاعتمادات والحوالات، فضلا عن مسؤوليته عن تمويل الإنفاق المنفلت بالعجز خارج ميزانية معتمدة وتراكم الدين العام.
لكن المسؤولية الأوسع – كما يؤكد الشريف – تشمل جميع الجهات التنفيذية والتشريعية والرقابية وحتى القضائية التي سمحت باستمرار هذه الاختلالات الكبيرة وعجزت عن فرض الانضباط المالي وضمان الشفافية والمحاسبة.
من البئر إلى الخزانة.. أين تذهب إيرادات النفط؟
النفط ملك الليبيين وركيزة اقتصادهم الوحيدة، وإيراداته حق لهم. وأي ضياع أو تبديد لها يجب أن يُكشف ويُحاسب المسؤولون عنه دون استثناء أو انتقائية.
يطالب الشريف بكشف واضح للإيرادات من البئر إلى الخزانة، وللمصروفات من الاعتماد إلى المستفيد. فبغير الشفافية والمساءلة والمحاسبة ستظل الاتهامات تتبادلها المؤسسات بينما يدفع المواطن وحده ثمن الفشل والانهيار.
ويكشف الشريف عن مفارقة صادمة: بالرغم من تجاوز الأسعار لحاجز المائة دولار للبرميل واستقرار مستوى الإنتاج، يعلن المصرف المركزي أن ما حولته المؤسسة إليه هو فقط 361 مليون دولار إيرادات عن الأسبوعين الأولين من شهر أكتوبر 2026. “الحكومات والبرلمان في سبات عميق وكأن الأمر لا يعنيهم من قريب أو بعيد!”
الدولرة.. معالجة أم تعميق للأزمة؟
يطرح الشريف سؤالا جوهريا: هل الدولرة في ليبيا معالجة للأزمة أم تعميق لها؟ ويوضح أن الدول القليلة التي لجأت إلى الدولرة الكاملة لم يكن قرارها اختيارا سهلا، فقد واجهت اختلالات اقتصادية هيكلية وأزمات نقدية عجزت كل الحلول الأخرى عن احتوائها، كما ارتبطت بدرجات متفاوتة بالاقتصاد الأمريكي تجاريا وماليا ومؤسساتيا.
لكن اللجوء إلى الدولرة ليس نتيجة حتمية لانهيار عملة البلد. فهناك دول تعرضت لانهيارات نقدية وحروب واحتلالات لكنها لم تتخل نهائيا عن عملاتها الوطنية.
ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى شهدت انهيارا تاريخيا غير مسبوق للمارك بلغ حد التضخم المفرط، ومع ذلك لم تعتمد الدولرة الكاملة بل اتجهت إلى إصلاح نقدي ومؤسسي.
وبعد الحرب العالمية الثانية، ورغم الدمار الشامل، أعادت ألمانيا بناء نظامها النقدي على أساس إصلاح العملة لا استبدالها بالدولار.
واليابان التي خرجت من الحرب باقتصاد مدمر واحتلال كامل حافظت على الين. والعراق رغم الحروب والاحتلال والانهيار الحاد في قيمة الدينار لم يتجه إلى الدولرة الكاملة.
في ليبيا، الاختلال النقدي ليس أصل الأزمة بل نتيجة لأزمة سياسية ومؤسساتية مستمرة أفرزت انقسام السلطات واضطراب إدارة الإنفاق العام وضعف الانضباط المالي والفساد وسوء إدارة الموارد.
فكيف يمكن للدولرة أن تعالج اختلالا سياسيا ومؤسساتيا لم تنجح محاولات السلطة النقدية في احتواء نتائجه؟
إن استبدال الدينار بالدولار لن ينهي العجز المالي ولن يوقف الهدر والفساد ولن يضمن استقرار الأسعار، بل سيجرد الدولة من كل أدواتها النقدية ويجعل توفير السيولة محليا مرهونا بتوافر الدولار.
ومع استمرار نفس السياسات وأسلوب إدارة البلد والفساد، قد تتحول أزمات نقص السيولة محليا إلى أزمات اقتراض ودين خارجي وتراكم متأخرات، ما قد يؤدي في النهاية إلى رهن أصول البلد ومقدراته ولفترات طويلة.
التخلي عن الدينار.. هل هو بداية التخلي عن السيادة؟
رغم ما يعانيه الدينار الليبي من تراجع وفقدان للثقة، فإن الدعوة إلى استبداله بالدولار في التعاملات المحلية تعني عمليا التخلي عن أحد أركان سيادة الدولة ورموز استقلال قرارها الاقتصادي.
لقد فقد الدينار جانبا كبيرا من وظيفته كمخزن للقيمة، وأصبح مهددا بفقدان وظيفته كمعيار للقيمة. فهل يكون الحل بإلغاء وظيفته رسميا كوسيط للتبادل أيضا؟
بدلا من معالجة أسباب انهيار الدينار نلغي دوره ونستسلم لنتائج الانهيار.
الحل يكمن في استعادة استقرار الدينار وتعزيز الثقة به عبر إصلاح السياسة المالية والنقدية وضبط الإيرادات والإنفاق ومعالجة الاختلالات التي تستنزف موارد الدولة وتضغط على العملة الوطنية.
والأخطر أن التخلي عن السيادة النقدية لن يكون إجراء اقتصاديا معزولا بل سابقة تفتح الباب واسعا للتفريط فيما تبقى من رموز الاستقلال والسيادة الوطنية.
فحتى العراق بعد غزو عام 2003 أصدر دينارا جديدا بدل استبدال عملته بالدولار.
العملة الوطنية ليست مجرد أوراق نقدية، والسيادة لا تُصان بالتخلي عن أدواتها حين تتعرض للأزمات بل بإصلاحها واستعادة الثقة بها.
التأمين الطبي.. امتياز للبعض وحرمان للأغلبية
ينتقل الشريف إلى الجانب الاجتماعي ليكشف مفارقة مؤلمة: إذا كان التأمين الطبي لم تصدر بشأنه قرارات وإجراءات تنفيذية شاملة ومكتملة من مجلس الوزراء ولم تُعتمد مخصصاته في الميزانية، فكيف يتمتع به العاملون في بعض الجهات الممولة من الخزانة العامة بينما يُحرم منه الغالبية في جهات أخرى ممولة من نفس المصدر ويظلها نفس القانون؟
ألا ينص الإعلان الدستوري على أن المواطنين الليبيين متساوون في الحقوق والواجبات؟ والمفارقة أن غالبية المستفيدين هم من أصحاب جداول المرتبات المرتفعة، بينما يُترك أصحاب الدخول المحدودة لمواجهة ودفع تكاليف العلاج والدواء والخدمات الطبية من جيوبهم.
فإذا كانت الدولة عاجزة عن تمويل التأمين الطبي الشامل لجميع المواطنين بسبب الإنفاق العام الضخم على مستشفيات القطاع العام، فالأولى أن تتجه إلى نظام عادل يشمل الجميع وفق معايير موحدة مع إعطاء الأولوية للأشد حاجة، بدلا من منح امتيازات غير مبررة لفئات معينة دون غيرها.
فالمال العام حق للجميع، والرعاية الصحية ليست امتيازا تمنحه الجهة التي يعمل بها الموظف بل حق ينبغي أن تحكمه العدالة وتكافؤ الفرص.
العدالة في الأجور.. شرط للعدالة في المطالبة بالعطاء
وفي ظل استمرار هذا التفاوت الهائل وغير المبرر في المرتبات والمزايا بين العاملين بالوظيفة العامة، والذي تجاوز عشرين ضعفا في بعض الحالات، لا يمكن مطالبة الفئات المغبونة بالتضحية بوقتها وجهدها من أجل تقديم خدمة عامة في التعليم وغيره بجودة وكفاءة مقابل مرتبات وأجور لا تكفل لهم ولأسرهم حتى الحد الأدنى من الحياة الكريمة.
كان على متخذي القرار أن يدركوا أن العدالة في الأجر شرط للعدالة في المطالبة بالعطاء قبل إصدار قرارات معيبة تتجاهل هذا الخلل ثم تحميل تبعاته لمن لم يتسببوا فيه.
المواطن يدفع الثمن
في النهاية، يبقى السؤال الأكثر إلحاحا: إلى متى سيظل المواطن الليبي وحده يدفع ثمن فشل مؤسساتي متراكم؟ بينما حكومة منتهية الولاية تغرق في صراعاتها، وبرلمان في سبات عميق، ومؤسسات تتبادل الاتهامات، ينتظر الليبيون كشفا واضحا للإيرادات من البئر إلى الخزانة، وللمصروفات من الاعتماد إلى المستفيد.
وبغير الشفافية والمساءلة والمحاسبة ستظل الاتهامات تتبادلها المؤسسات بينما يدفع المواطن وحده ثمن الفشل والانهيار.



