اقتصادليبيا

مخاوف من دولرة الاقتصاد الليبي مع اتساع الفجوة بين سعري الصرف

تراجع الثقة بالدينار يفتح النقاش حول استقلالية السياسة النقدية وتحديات توفير النقد الأجنبي

تتصاعد المخاوف بشأن مستقبل الدينار الليبي مع اتساع الفجوة بين سعر الصرف الرسمي والسوق الموازية، وسط تجدد النقاش حول إمكانية التوسع في استخدام الدولار داخل الاقتصاد الليبي، بين آراء ترى فيه وسيلة للحد من مخاطر تقلبات العملة، وتحذيرات من تداعياته على استقلالية السياسة النقدية وقدرة الدولة على إدارة مواردها المالية..
وتعني الدولرة اعتماد العملات الأجنبية إلى جانب العملة الوطنية أو بدلاً منها في الادخار والتسعير وتسوية المعاملات. وقد يتزايد هذا التوجه بصورة تدريجية عندما تتراجع الثقة بالعملة المحلية، دون أن يعني ذلك بالضرورة اتخاذ قرار رسمي باستبدالها.

الدولرة بين مزايا الاستقرار ومخاطر فقدان أدوات السياسة النقدية

يرى مدير مركز أويا للدراسات الاقتصادية أحمد أبولسين أن تقييم الدولرة في ليبيا يتطلب معالجة الأسباب التي دفعت الأفراد والشركات إلى زيادة الاعتماد على العملات الأجنبية، وفي مقدمتها تراجع الثقة بالدينار واختلالات إدارة الموارد والإنفاق العام.
وأوضح أن استخدام الدولار في الادخار أو تسعير بعض السلع لا يعني بالضرورة أن الانتقال إلى الدولرة الكاملة يمثل الحل الأنسب، رغم ما قد يوفره من تقليل مخاطر تقلبات سعر الصرف في بعض المعاملات.
وأشار إلى أن اعتماد الدولار على نطاق واسع قد يحد من استقلالية السياسة النقدية، ويقلص قدرة الدولة على توفير السيولة للمصارف خلال الأزمات، فضلاً عن ارتباط استمراره بقدرة الاقتصاد على توفير موارد مستدامة من النقد الأجنبي.
وفي السياق نفسه، حذر العضو السابق بمجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي امراجع غيث من أن استبدال الدينار بالدولار لن يعالج الاختلالات الاقتصادية المرتبطة بتوزيع الموارد بين المناطق والقطاعات. كما أشار إلى أن التوسع في إتاحة الدولار قد يزيد الضغط على النقد الأجنبي، ويضع الدولة أمام صعوبات في توفير السلع والخدمات والوفاء بالتزاماتها.
وطرح غيث الاقتراض من المؤسسات المالية الدولية والمصارف بضمان أصول أو موارد مالية ضمن الخيارات الممكنة لتمويل العجز، مع ضرورة تقييم كلفة الاقتراض وشروطه وقدرة الدولة على السداد.

الانقسام المؤسسي وتراجع القوة الشرائية يعززان الطلب على العملات الأجنبية

يربط أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي علي الشريف تراجع الاستقرار النقدي بالأزمات السياسية والانقسام المؤسسي وتعدد الحكومات والجهات التشريعية والرقابية، وهي عوامل يرى أنها أسهمت في زيادة الإنفاق العام وإضعاف إدارة الإيرادات والموارد ورفع مستويات الدين العام.
وأوضح أن التخفيضات المتكررة لقيمة الدينار أضعفت ثقة المواطنين بالعملة المحلية، وعززت التوجه نحو العملات الأجنبية لحفظ المدخرات، بالتزامن مع ارتباط أسعار عدد من السلع بسعر الدولار واستخدام العملات الأجنبية في بعض المعاملات الكبيرة.
وحذر الشريف من انتقال الاقتصاد تدريجياً من استخدام الدولار في التسعير والادخار إلى اعتماده وسيلة للتبادل والدفع بدلاً من الدينار، بما قد يحد من فاعلية السياسة النقدية ويزيد صعوبة إدارة الاستقرار النقدي.
من جانبه، رفض الخبير الاقتصادي عطية الفيتوري الدعوات إلى تعميم استخدام الدولار في المعاملات المحلية، معتبراً أن هذا التوجه يقلص استقلالية القرار النقدي والاقتصادي، وينقل جانباً أساسياً من التأثير في السياسة النقدية إلى الولايات المتحدة، فضلاً عن حرمان ليبيا من العوائد المرتبطة بإصدار عملتها الوطنية.
وتعكس هذه المواقف تبايناً في تقييم الدولرة، لكنها تلتقي عند أهمية معالجة الاختلالات المالية والنقدية التي تدفع إلى زيادة الطلب على العملات الأجنبية. وتبقى استعادة الثقة بالدينار مرتبطة، بتنسيق السياسات المالية والنقدية وتحسين إدارة الموارد والإنفاق العام، بدلاً من الاعتماد على تغيير العملة وحده لمعالجة الأزمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى