«عصر» يحذر من التعويم بقرار منفرد.. من يملك قرار مصير الدينار ؟
الذهب يحمي الدينار… فمن يفتح الباب للمضاربين؟
ليبيا 24
بين احتياطي الذهب وضغوط السوق… جدل الاختصاص يعود إلى الواجهة
عصر يضع النقاط على الحروف: تعويم الدينار بقرار منفرد “لا يعقل قانوناً ولا منطقاً”… والمركزي ليس جهة اختصاص
أزمة الدولار أعمق من السياسة النقدية… خارطة طريق لإعادة بناء الدولة الاقتصادية الليبية من الأساس
في وقت تتسارع فيه التحولات النقدية في ليبيا، وتجاوز سعر صرف الدولار في السوق الموازية عتبة العشرة دنانير، عاد الجدل القانوني والاقتصادي حول شرعية قرارات البنك المركزي إلى الواجهة، هذه المرة من منصة وزير الصناعة والاقتصاد الأسبق منير علي عصر، الذي أثار تساؤلات جوهرية حول حدود صلاحيات المصرف المركزي في التعامل مع سعر صرف الدينار، معتبراً أن ما يجري من تلاعب بأسعار الصرف يفتقر إلى الأساس القانوني والمنطقي، في وقت تتزايد فيه معاناة المواطن الليبي تحت وطأة غلاء معيشي خانق وانهيار قدرته الشرائية.
سؤال الاختصاص: من يحق له تعويم الدينار؟
يقول عصر، في تصريحات نقلها عبر صفحته على أحد مواقع التواصل الاجتماعي، إن السؤال المطروح اليوم هو: هل من سلطات مجلس إدارة البنك المركزي التلاعب بأسعار الدينار مقابل الدولار والعملات الأجنبية؟
ويجيب بأن الدينار الليبي مغطى برصيد من الذهب، وأن تعويم الدينار ليس من اختصاص إدارة البنك المركزي بأي حال من الأحوال، لافتاً إلى أن التعويم يحتاج إلى جملة من الإجراءات التشريعية والتنفيذية التي تتجاوز صلاحيات المصرف المركزي المنفردة.
ويشير الوزير الأسبق إلى أن رئيس حكومة الوفاق السابقة فائز السراج فرض رسماً إضافياً على سعر الدولار ولم يمس سعر الدولار مقابل الدينار، مضيفاً أن “من أشار عليه بذلك كان ناصحاً أميناً”، في إشارة إلى أن المقاربة السابقة تعاملت مع السعر دون المساس بجوهر العلاقة بين العملتين.
أما أن يتم التعويم بقرار من المركزي لوحده، فيرى عصر أن هذا “ما لا يعقل لا منطقاً ولا قانوناً”، مؤكداً أن تغيير سعر الصرف بهذا الحجم يتطلب إطاراً تشريعياً واضحاً وآليات تنفيذية منضبطة، لا قراراً إدارياً منفرداً.
صندوق الأجيال: بديل استراتيجي لإدارة الثروة
وفي سياق متصل، يطرح عصر تساؤلاً حول جدوى تأسيس صندوق الأجيال القادمة بشكل صحيح، تكون أمواله من زيادة أسعار الطفرة النفطية وبعض الرسوم التي تُفرض على السلع الكمالية والمرفهة، على أن تُستثمر أمواله وفق خطط مدروسة داخلياً وخارجياً، وتُوظَّف نسبة من عوائد أرباحه السنوية في خطط بناء هادفة دون المساس برأس مال الصندوق.
ويبدو هذا الطرح بمثابة بديل استراتيجي لإدارة الثروة الوطنية بعيداً عن الترهل المؤسسي والإنفاق الجاري الذي يلتهم موارد الدولة دون أثر تنموي ملموس، في وقت يعاني فيه المواطن الليبي من تآكل الخدمات الأساسية وتدهور البنية التحتية.
الدولار وسوق السوداء: حين يصبح المهربون صنّاع القرار
ويحذر عصر من أنه “لا يعقل أن يتجاوز الدولار العشرة دنانير”، مشدداً على أنه يجب ألا يُطلق العنان لدولار سوق السوداء الذي وصفه بأنه “ضالة المهربين وتجار الممنوعات والعمالة غير المشرعنة”.
ويطالب بوجود خطة أمنية وطنية متكاملة للسيطرة على المنافذ والحدود، وتنظيم العمالة الوافدة بشكل قانوني، ووقف الزحف الإفريقي نحو البلاد، وتنظيم التجارة، وجملة من التدابير الأخرى التي تضع حداً للفوضى الاقتصادية والأمنية التي تستنزف الاقتصاد الوطني.
وتأتي هذه الدعوات في ظل استمرار حالة الانفلات الأمني على الحدود الجنوبية والغربية، وتحوّل بعض المنافذ إلى بوابات خلفية للتجارة غير المشروعة وتهريب العملة الصعبة.
أزمة الدولار: إصلاح المنظومة لا ترقيع الأعراض
ويذهب عصر إلى أبعد من ذلك، مؤكداً أن محاولة معالجة الطلب المتزايد على الدولار في ليبيا دون إصلاح السياسة المالية والتجارية والإدارية تشبه “معالجة أعراض المرض مع ترك أسبابه قائمة”.
ويشرح أن المصرف المركزي لا يستطيع وحده ضبط سوق النقد الأجنبي إذا كانت السياسة المالية توسّع الإنفاق دون تنسيق كافٍ، والسياسة التجارية تسمح بتشوهات في الاستيراد، ومؤسسات الدولة تعمل باختصاصات متداخلة وهياكل إدارية لا تتناسب مع متطلبات الإدارة الحديثة.
ويخلص إلى أن “المشكلة ليست في الدولار وحده، بل في غياب منظومة اقتصادية متكاملة تعمل وفق أهداف موحدة ومسؤوليات واضحة”.
مجلس قومي للسياسات الاقتصادية وفصل للاختصاصات
وفي رؤيته الإصلاحية، يدعو عصر إلى إنشاء مجلس قومي للسياسات الاقتصادية يتولى التنسيق الاستراتيجي بين السياسات النقدية والمالية والتجارية والصناعية والاستثمارية، ويعمل على إعداد إطار اقتصادي وطني موحّد يستند إلى بيانات دقيقة ومؤشرات قابلة للقياس، ويربط قرارات الدولة بأهداف الإنتاج والاستقرار النقدي وتحسين مستوى معيشة المواطن.
ويشدد على ألا يكون هذا المجلس جهازاً بيروقراطياً إضافياً، بل إطاراً مؤسسياً يمنع تضارب القرارات ويحدد الأولويات ويقيس نتائج السياسات، مع احترام استقلالية المصرف المركزي واختصاصات الجهات التنفيذية.
ويطالب بالفصل الواضح بين الاختصاصات الاقتصادية، بحيث تتولى وزارة الخزانة إدارة النقد الحكومي والحسابات والمدفوعات والتحصيل، وتتولى وزارة المالية إعداد السياسة المالية والموازنة العامة وإدارة الالتزامات والدين العام، في حين تضع وزارة الاقتصاد السياسات الاقتصادية العامة وتحسّن بيئة الأعمال وتنظم السوق وتشجع الاستثمار والإنتاج المحلي والمنافسة، وتتولى وزارة التجارة تنظيم التجارة الداخلية والخارجية وتطوير إجراءات الاستيراد والتصدير ومتابعة تدفق السلع وحماية المنافسة والمستهلك، ويبقى للمصرف المركزي إدارة السياسة النقدية والمحافظة على الاستقرار النقدي وتنظيم القطاع المصرفي والإشراف عليه، بينما تقدم المصارف التجارية الخدمات المصرفية والتمويلية ضمن قواعد الحوكمة والرقابة.
إعادة بناء الجهاز الإداري: شرط لا رفاهية
ولا يغفل عصر البعد الإداري للأزمة، داعياً إلى إجراء مراجعة وطنية شاملة للهياكل التنظيمية والملاك الوظيفي في الوزارات والهيئات والمؤسسات العامة، تشمل تحديد الاختصاص القانوني والتنفيذي لكل مؤسسة، وإعداد ملاك وظيفي واقعي يستند إلى حجم العمل الفعلي لا إلى التوسع في التعيينات، وتوصيف كل وظيفة وتحديد مسؤولياتها وصلاحياتها ومؤهلات شاغلها، وإلغاء الازدواجية والتكرار في الإدارات والوحدات التنظيمية، وربط التقييم والترقية والإنفاق التشغيلي بمؤشرات أداء واضحة، ورقمنة الإجراءات وتبادل البيانات بين المؤسسات بما يقلل فرص الفساد والمحسوبية ويعزز الرقابة والمساءلة.
ويؤكد أن “إنشاء مجلس قومي أو استحداث وزارات جديدة لن يحقق النتائج المطلوبة إذا بقيت المسؤوليات غير محددة، والبيانات غير موحدة، والقرارات غير قابلة للتقييم”.
دولة تعرف ماذا تريد
ويرى عصر أن ليبيا لا تحتاج إلى تغيير أسماء المؤسسات فحسب، بل إلى إعادة تصميم طريقة عمل الدولة اقتصادياً وإدارياً؛ من دولة تتداخل فيها الاختصاصات وتتكرر فيها القرارات، إلى دولة تعرف ماذا تريد، ومن المسؤول عن تحقيقه، وكيف تقيس النتائج، ومن يُحاسَب عند الإخفاق.
ويخلص إلى أن “إصلاح سوق الدولار يبدأ من إصلاح المنظومة التي تصنع الطلب عليه، وإصلاح الاقتصاد يبدأ من وضوح الاختصاصات، وانضباط الإنفاق، ورشد التجارة، وكفاءة الإدارة العامة”.
وفي ظل حكومة منتهية الولاية يتفاقم فيها الترهل المؤسسي وتتضارب فيها القرارات الاقتصادية، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: إلى متى يدفع المواطن الليبي ثمن غياب الإرادة السياسية لإصلاح منظومة أفلست من كل شيء إلا من وعودها؟



