المليارات تحت المطر: بن شرادة يفتح ملف الدعم… وطرقات ليبيا تفضح غياب المحاسبة
من سرت إلى بنغازي: إعمار صحي وتعليمي ملموس وامتحان الأمطار يكشف فجوة الإنفاق العام

ليبيا 24
المليارات تحت المطر: بيانان صادقان وسؤال الدعم يفتحان ملف المساءلة في ليبيا
في وقت تتواتر فيه الأرقام عن إيرادات النفط والأموال التي دخلت حسابات المصرف المركزي، خرج عضو مجلس الدولة سعد بن شرادة بمنشور قال فيه إن بيان المؤسسة الوطنية للنفط بشأن الإيرادات صادق، وإن بيان مصرف ليبيا المركزي بشأن الأموال التي دخلت حساباته صادق أيضاً، وإن البيانين يضعان الليبيين أمام حقيقة مهمة: إذا أردنا معرفة أين تكمن المشكلة فعلياً البحث في مصروفات الدعم، فهناك ستكون الإجابات عن الأسئلة المتعلقة بمصير الأموال المفقودة.
بيانان صادقان… وسؤال الدعم
يؤكد بن شرادة أن المشكلة ليست في الإيرادات المعلنة، ولا في الأموال التي دخلت حسابات المصرف المركزي، بل في المصروفات، وتحديداً مصروفات الدعم.
وهنا يتحول السؤال من الأرقام المعلنة إلى وجهة الإنفاق ومدى خضوعه للرقابة والمحاسبة. فحين تكون بيانات النفط والمركزي صادقة، فإن مصير الأموال المفقودة لا يُبحث عنه في الإيرادات، بل في أبواب الصرف ومسارات الدعم التي يفترض أنها تخفف عن المواطن، لا أن تتحول إلى ثقب أسود يبتلع المليارات.
أقنعة تسقط… ومواقف لا تكذب
وفي السياق نفسه، ذهب بن شرادة إلى أن الأحداث والمواقف تخرج ما تخفيه القلوب إلى السطح، وتكشف حقيقة النفوس التي قد تخفيها الأقنعة طويلاً.
ودعا إلى ألا يطغى سواد القلب على نقاء الدم، وألا يتحكم الحقد والكراهية في المواقف، لأن الأيام كفيلة بكشف المعادن، والمواقف وحدها تظهر حقيقة البشر. وذكّر بأن الكلمات قد تخدع، لكن المواقف لا تكذب، وما في القلوب لا بد أن تكشفه الأيام.
مجلس الأمن: قلق متكرر ونتائج غائبة
على الصعيد الدولي أشار بن شرادة إلى أن مندوب ليبيا لدى الأمم المتحدة لا يزال يطرح السؤال نفسه: متى يتوحد المجتمع الدولي حول الأزمة الليبية؟ بينما يكرر أعضاء مجلس الأمن في بياناتهم القلق بشأن حقوق الإنسان والمهاجرين، وحتى بشأن حماية الحيوانات والطيور من الصيد الجائر في ليبيا، دون أن يبدو أن حل المشكلة الليبية ضمن أولوياتهم.
وقد سئم الليبيون اجتماعات مجلس الأمن التي لا تنتهي إلى نتائج، ورفض بن شرادة اختزال الأزمة في حجة الفشل على التدخلات الخارجية وحدها، وحمّل أصحاب القرار مسؤولية تقديم التنازلات اللازمة لإنقاذ البلاد.
وأكد أن أزمة ليبيا لن تُحل بقرارات الخارج، ولا بأيدي المتشبثين بمناصبهم، بل بإرادة أبنائها الصادقين الذين يضعون مصلحة الوطن فوق مصالحهم، ويقبلون بالاحتكام إلى الشعب عبر انتخابات تنهي الانقسام وتعيد الشرعية إلى مؤسسات الدولة.
المطر يفضح المليارات
ثم ينتقل بن شرادة من السياسة إلى الشارع، حيث تتكشف المأساة بوضوح: عندما تُصرف المليارات وتغرق الطرقات بمياه الأمطار، وعندما تهطل كميات ليست بالكبيرة فتغلق الطرقات وتتعطل مصالح الناس بسبب غياب شبكات تصريف المياه أو عجزها، فإننا أمام كارثة حقيقية تتجاوز سوء التخطيط والإهمال، وتطرح تساؤلات جدية حول أوجه إنفاق المال العام ومدى خضوع المشاريع للمراقبة والمحاسبة.
وأين ذهبت المليارات؟ وأين مشروعات البنية التحتية؟ ومن المسؤول عن هذا الفشل؟ إن ما يحدث يعكس الفجوة بين الأموال التي تُنفق على الورق والواقع الذي يعيشه المواطن على الأرض، فبدلاً من أن يشعر المواطن بأن ثروة بلاده تُسخر لتحسين حياته، يجد نفسه محاصراً بالمشكلات وكأنه لاجئ في وطنه، لا يجد أبسط مقومات الحياة الكريمة ولا يرى أثراً حقيقياً لما يُنفق من أموال بلاده.
ويشدد بن شرادة على أن القضية ليست مجرد أمطار أغلقت طريقاً، بل قضية مال عام ومسؤولية وحقوق مواطنين وغياب للمحاسبة. فالدول لا تُقاس بما تعلنه من أرقام ومليارات، بل بما تنجزه من مشروعات تخدم الناس وتصمد أمام أبسط الاختبارات.
وإذا استمر الصمت واستمر المسؤولون في مواقعهم دون مساءلة حقيقية، فستتكرر المأساة وستهدر المزيد من الأموال وسيبقى المواطن هو من يدفع الثمن.
لقد آن الأوان أن يطالب المواطن بحقه وأن يرتفع صوته مطالباً بالشفافية والمحاسبة، وأن تكون المطالبة بالحقوق عبر الوسائل السلمية والقانونية، فالأوطان لا تُبنى بالصمت عن الأخطاء، ولا تُحمى بالتغاضي عن الفساد والإهمال.
وإلى متى يبقى المال العام بلا رقابة حقيقية، والمسؤول بلا مساءلة، والمواطن وحده في مواجهة الأزمات؟ إن السكوت عن ضياع الحقوق لا يحل المشكلة، بل يتركها تتفاقم، حتى يأتي يوم يصبح فيه ثمن الإصلاح أكبر، والندم بلا جدوى.
بنغازي: ما تراه العين يخالف ما تسمعه الأذن
وفي مشهد مختلف، يروي بن شرادة زيارة إلى مدينة بنغازي سبقتها رحلة برية من سرت إلى بنغازي، ويقول إن ما شاهده على طول الطريق وما وجده على أرض الواقع يختلف كثيراً عما يُتداول من أحاديث وانطباعات.
فقد شاهد مشاريع في البنية التحتية، خاصة في قطاعي التعليم والصحة، تدعو إلى التقدير والتفاؤل: جامعات بتصاميم حديثة، ومستشفيات أُعيدت صيانتها وتأهيلها، وأخرى جديدة تُنشأ وفق مواصفات عصرية تواكب متطلبات هذين القطاعين الحيويين. وخلال وجوده في بنغازي، التقى أحد مهندسي صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا، الذي استعرض المشاريع المنجزة، والمشاريع التي لا تزال قيد التنفيذ، إلى جانب المشاريع المستهدفة في المرحلة المقبلة.
وبصدق، يرى بن شرادة أن ما شاهده على الأرض يثلج الصدر، ويؤكد أن الحكم على الإنجازات لا ينبغي أن يكون من خلال ما نسمعه فقط، بل من خلال ما نراه ونلمسه بأعيننا. وقد قدّر مستوى الجاهزية في البنية التحتية لقطاعي الصحة والتعليم في بنغازي بنحو ثمانين في المائة، وتمنى أن تستمر هذه الجهود وأن تمتد مشاريع التنمية والإعمار إلى جميع المدن الليبية شرقاً وغرباً وجنوباً، فليبيا تستحق بنية تحتية حديثة تليق بأبنائها وتوفر لهم خدمات صحية وتعليمية أفضل.
فالإنجازات لا تُقاس بما يُقال عنها، بل بما يتحقق منها على أرض الواقع، وما تتركه من أثر في حياة المواطن، وكل التقدير لكل من يعمل بإخلاص من أجل إعمار ليبيا وبناء مستقبل أفضل لأبنائها.
لا شرعية ولا إنقاذ إلا بإرادة الليبيين
في المحصلة، تجمع تصريحات بن شرادة بين فتح ملف مصروفات الدعم والأموال المفقودة، وبين رفض التبرير بالتدخلات الخارجية وحدها، والتشديد على أن الإنقاذ لا يأتي بقرارات الخارج ولا بمن يتمسكون بمناصبهم، بل بإرادة الليبيين وانتخابات تعيد الشرعية.
وفي مقابل نموذج بنغازي الذي يثبت أن المال العام إذا أُدير بجدية يترك أثراً في الصحة والتعليم، يبقى مشهد الطرقات الغارقة بالمياه دليلاً على أن حكومة الدبيبة المنتهية الولاية وسياساتها الإنفاقية تحتاج إلى مساءلة شفافة، وأن المواطن الليبي المكلوم، الذي يدفع الثمن كل يوم، هو أول من يحق له أن يسأل: أين ذهبت المليارات؟ ومن يحاسب من أهدرها؟



