جدل الإيرادات النفطية في ليبيا يفتح ملف الإنفاق العام
871 مليون دولار بين بيانات المؤسسات ومطالب التحقيق في مصروفات الدعم

تتصاعد التساؤلات بشأن إدارة الإيرادات النفطية في ليبيا، مع تباين البيانات الصادرة عن مصرف ليبيا المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط حول التدفقات المالية، وسط مطالبات بتحديد مصير الأموال ومراجعة أوجه الإنفاق العام، خصوصًا ملف دعم المحروقات.
تضارب البيانات يثير تساؤلات حول الإيرادات
أعاد الجدل بشأن الإيرادات النفطية في ليبيا فتح النقاش حول آليات إدارة الموارد العامة، وحدود التنسيق والرقابة بين المؤسسات المالية والنفطية، بعدما كشفت البيانات المتبادلة عن فجوة بين قيمة الإيرادات التي تقول المؤسسة الوطنية للنفط إنها أحالتها، والمبالغ التي يؤكد مصرف ليبيا المركزي وصولها إلى حساباته.
وقال أستاذ الاقتصاد بجامعة درنة، صقر الجيباني، إن الخلاف بين المؤسستين بشأن القيمة الفعلية للإيرادات النفطية يعكس أزمة في إدارة الملف الاقتصادي، معتبرًا أن السوق السوداء من أبرز المستفيدين من استمرار هذا الوضع، في وقت يتحمل فيه المواطن تداعيات تراجع مستوى المعيشة وانخفاض قيمة الدينار.
وأعرب الجيباني عن أسفه إزاء الأنباء المتعلقة بوجود فساد واسع في ملف دعم المحروقات، التي أثيرت في سياق التصريحات الصادرة عن المبعوثة الأممية إلى ليبيا، هانا تيتيه، مشددًا على أهمية تحرك النائب العام للتحقيق في الملفات المطروحة، في ظل ما وصفه باستمرار صمت المصرف الليبي الخارجي.
871 مليون دولار تحت مجهر المساءلة
من جانبه، رأى الإعلامي خليل الحاسي أن مسألة الأموال محل الجدل تتصل بثلاث مؤسسات رئيسية، هي مصرف ليبيا المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط والمصرف الليبي الخارجي، مشيرًا إلى التباين بين البيانات المعلنة بشأن الإيرادات النفطية خلال أكتوبر 2026.
وأوضح الحاسي أن مصرف ليبيا المركزي أفاد بأن الإيرادات النفطية التي وردت فعليًا إلى حساباته خلال الفترة من الأول إلى الرابع عشر من أكتوبر لم تتجاوز 361 مليون دولار، في حين قالت المؤسسة الوطنية للنفط إن قيمة الإيرادات المحالة إلى المصرف الليبي الخارجي بلغت 1.23 مليار دولار.
واعتبر الحاسي أن هذا التباين يستدعي توضيحًا رسميًا بشأن مسار الأموال ومراحل انتقالها بين المؤسسات المعنية، مشيرًا إلى مطالبة المؤسسة الوطنية للنفط بإجراء تحقيق شامل ومستقل يشمل المصرف المركزي والمصرف الليبي الخارجي، لتحديد مصير الأموال وأسباب عدم توريدها، وفق ما ورد في تصريحاته.
ولا يقتصر جوهر القضية على اختلاف الأرقام المعلنة، بل يمتد إلى ضرورة التحقق من الفارق بين الإيرادات المحالة والمبالغ التي دخلت الحسابات فعليًا، وتحديد المسؤوليات الإدارية والمالية في كل مرحلة، استنادًا إلى سجلات التحويل والتسوية والمراجعة.
مصروفات الدعم في قلب الأزمة
وفي سياق متصل، وضع عضو المجلس الأعلى للدولة، سعد بن شرادة، ملف الإنفاق العام أمام مزيد من التساؤلات، معتبرًا أن بياني المؤسسة الوطنية للنفط ومصرف ليبيا المركزي يقدمان معطيات مهمة تستوجب البحث في أوجه صرف الأموال العامة، مع التركيز على مصروفات الدعم.
وقال بن شرادة إن البيانات الصادرة عن المؤسستين، تتيح أساسًا لفهم حركة الأموال، مشيرًا إلى أن التدقيق في مصروفات الدعم قد يساعد في الوصول إلى إجابات بشأن أوجه الإنفاق ومصير الأموال التي يثار الجدل حولها.
وتكتسب هذه الدعوة أهمية في ظل ما يحيط بملف دعم المحروقات من تساؤلات بشأن حجم المخصصات، وآليات توجيهها، ومدى وصول أثرها إلى المستفيدين، وهي مسائل تتطلب مراجعة الوثائق المالية والبيانات الرسمية قبل استخلاص نتائج نهائية بشأن وجود مخالفات أو تحديد المسؤولية عنها.
أزمة تتجاوز الخلاف المحاسبي
تعكس التطورات أن الخلاف حول الإيرادات النفطية يتجاوز مسألة اختلاف البيانات إلى اختبار أوسع لفاعلية منظومة الرقابة المالية في ليبيا، وقدرتها على ضمان تتبع الإيرادات العامة ومطابقة التحويلات بين المؤسسات، وصولًا إلى بيان أوجه الإنفاق والجهات المسؤولة عن إدارة الأموال.
وفي اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على عائدات النفط، فإن غياب تفسير واضح للفوارق بين الأموال المحالة والمبالغ الموردة يفاقم الشكوك بشأن كفاءة إدارة الموارد، ويزيد أهمية نشر بيانات مالية قابلة للتحقق، وإخضاع ملفات الإيرادات والدعم والإنفاق لمراجعة مستقلة.
وتبقى الخطوة الحاسمة مرتبطة بكشف السجلات ذات الصلة، وتوضيح المسار المالي للأموال محل التساؤل، وإعلان نتائج أي تحقيق رسمي للرأي العام. فحسم الجدل لا يتحقق بتبادل الاتهامات، بل بتحديد الوقائع بالأدلة، ومساءلة الجهات المختصة وفق نتائج التدقيق والتحقيق.



