ليبيا

اتفاق 4+4 يختبر فرص توحيد السلطة في ليبيا وسط ضغوط دولية

واشنطن تدفع نحو التنفيذ.. والتوافق الليبي يظل مفتاح الانتخابات والإصلاح الاقتصادي

يتجه الملف الليبي إلى مرحلة أكثر حساسية مع تصاعد الضغوط الدولية لتنفيذ اتفاق لجنة 4+4 واستكمال خارطة الطريق الأممية، وسط تباين المواقف بشأن آليات التسوية ومستقبل السلطة التنفيذية، واستمرار الانقسام المؤسسي الذي يضع فرص توحيد الدولة أمام اختبار سياسي واقتصادي جديد.

من التفاهمات إلى التنفيذ

أكد عضو مجلس النواب ومراقب المجلس، صالح أفحيمة، أن اتفاق لجنة 4+4 يمكن أن يشكل مدخلًا للحل السياسي في ليبيا، شريطة معالجة الملاحظات القانونية والسياسية عبر الحوار والتوافق، بعيدًا عن الإقصاء وفرض الأمر الواقع.

وشدد أفحيمة، تعليقًا على إحاطة المبعوثة الأممية هانا تيتيه أمام مجلس الأمن، على ضرورة احترام الإرادة الوطنية والمؤسسات القائمة والأطر الدستورية والقانونية، وصولًا إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية حرة ونزيهة ومتزامنة.

وتتقاطع هذه الدعوة مع قراءة المحلل السياسي حسام الفنيش، الذي يرى أن حصيلة جلسة مجلس الأمن تعكس توجهًا دوليًا نحو الانتقال من التفاهمات السياسية إلى التنفيذ العملي، مع بروز الدور الأمريكي في الدفع باتفاق 4+4، الموقّع في 30 أغسطس، باعتباره إحدى حلقات استكمال خارطة الطريق الأممية.

وبحسب الفنيش، فإن إشارات واشنطن إلى أهمية الاتفاق والتلويح بمساءلة المعرقلين تعكسان محاولة لرفع كلفة تعطيل التسوية، ودفع الأطراف الليبية نحو استحقاقات تتجاوز التوافقات المبدئية إلى إعادة تشكيل السلطة التنفيذية وتوحيد مؤسسات الدولة.

تحركات دولية واختبار للتوافق

وأشار الفنيش إلى ما وصفه بنتائج دبلوماسية ملموسة، من بينها إقرار أول ميزانية وطنية موحدة لليبيا منذ أكثر من عقد، إلى جانب مناورات عسكرية مشتركة شاركت فيها قوات من الشرق والغرب تحت قيادة موحدة، معتبرًا أن هذه التطورات تعكس إمكان تحقيق تقدم في مساري توحيد المؤسسات المالية والعسكرية.

ويرجّح المحلل السياسي أن تكثف واشنطن تحركاتها خلال الفترة المقبلة لدفع الأطراف نحو استكمال مراحل خارطة الطريق، مستندة إلى أن الاتفاق يحدد سقفًا زمنيًا يصل إلى 24 شهرًا لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية.

غير أن هذا التوجه لا يلغي تباين المواقف الدولية؛ إذ لفت الفنيش إلى تمسك روسيا بضرورة احترام التوافقات السابقة والأطر المؤسسية القائمة، ورفض فرض ترتيبات جديدة من دون توافق ليبي، مع التحذير من أن استبعاد مؤسسات مؤثرة قد ينعكس سلبًا على الاستقرار طويل الأمد.

الإصلاح المالي.. استحقاق يتجاوز تشكيل الحكومة

لا تقتصر التحديات على إعادة ترتيب السلطة السياسية؛ إذ يضع الفنيش توحيد الميزانية العامة، وإقرار جدول موحد للمرتبات، وضبط الإنفاق التنموي ضمن أبرز الملفات التي تتطلب معالجة متزامنة مع المسار السياسي.

فتوحيد الميزانية يمكن أن يعزز الرقابة على الإيرادات والمصروفات ويحد من آثار الازدواجية المالية، بينما يمثل توحيد المرتبات خطوة لمعالجة التفاوت في الأجور بين العاملين في مؤسسات الدولة. أما الإنفاق التنموي، فيحتاج إلى قواعد واضحة وشفافة لتحديد الأولويات ومتابعة المشروعات، بما يقلل مخاطر توظيف الاعتمادات العامة لخدمة المصالح السياسية أو الجهوية.

وفي ملف النفط، لا يستبعد الفنيش امتداد الضغوط الدولية إلى إدارة الإيرادات العامة ومكافحة تهريب النفط والوقود، مع احتمال اتخاذ إجراءات بحق الجهات المتورطة في تقويض الإنتاج أو استنزاف المال العام، متى توافرت الأسس القانونية اللازمة.

وبذلك، تدخل خارطة الطريق مرحلة تتجاوز اختبار الدعم الدولي إلى اختبار القدرة على التنفيذ. فواشنطن تستطيع زيادة الضغط، والأمم المتحدة تستطيع توفير إطار للتفاوض، لكن تحويل هذه التحركات إلى نتائج مستدامة يظل مرتبطًا بمدى استعداد الأطراف الليبية لتقديم تنازلات متبادلة، واحترام الأطر القانونية، والاتفاق على سلطة موحدة تقود البلاد نحو الانتخابات.

وفي المحصلة، لا تكمن أهمية اتفاق 4+4 في كونه تفاهمًا سياسيًا جديدًا فحسب، بل في قدرته على فتح مسار عملي لإنهاء الانقسام. أما معيار النجاح الحقيقي، فيبقى إنهاء حالة الجمود المؤسسي، وإدارة موارد الدولة بشفافية، ووضع المواطن في صدارة أولويات المرحلة المقبلة، بدلًا من تحميله كلفة إضافية نتيجة تعثر التسوية والإصلاح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى