ليبيا

«دينارٌ بلا غطاء.. ووطنٌ بلا حسيب».. حين تُدار أزمة الدولار من فوق أطلال مؤسسات منتهية الولاية

من «صندوق الأجيال» إلى «ثقب المحروقات»: كيف تُبدَّد الثروة النفطية بين صمت البرلمان وغلاءٍ يعصر المواطن

ليبيا 24

«لا سياسة نقدية تُنقذ ما أفسده الانفلات»: قراءة في فاتورة الفشل التي يدفعها الليبي وحده

لم يكن ارتفاع الدولار في السوق الموازية إلى ما يقارب العشرة دنانير مجرد رقم عابر، بل صار علامةً يومية على أن الدولة التي يُفترض أنها تحمي المواطن قد تخلّت عن أبسط وظائفها.

وهنا يطرح السؤال نفسه: من يحكم الاقتصاد الليبي في هذه اللحظة؟ والإجابة الصادمة أن حكومة منتهية الولاية، يترأسها عبد الحميد الدبيبة، تدير أزمةً نقديةً طاحنة بلا شرعية دستورية وبلا خطة إنقاذ، بينما يقف المواطن الليبي المكلوم وحده أمام فاتورة أخطاء لا ذنب له فيها.

«الدينار مغطى بالذهب».. رأي قانوني تصطدم به الوقائع

يطرح منير علي عصر، وزير الصناعة والاقتصاد الأسبق، سؤالاً مصيرياً: هل من سلطات مجلس إدارة المصرف المركزي التلاعب بأسعار الدينار مقابل الدولار والعملة الأجنبية؟

ويستند إلى أن الدينار الليبي مغطى برصيد ذهبي، وأن تعويم الدينار ليس من اختصاص إدارة المصرف المركزي بأي حال، لأنه يحتاج إلى جملة إجراءات تشريعية وتنفيذية.

ويذكّر بأن السراج فرض رسماً إضافياً على سعر الدولار ولم يمس سعر الدولار مقابل الدينار، وأن من أشار عليه بذلك كان ناصحاً أميناً. أما أن يتم التعويم بقرار من المركزي وحده، فهذا — كما يقول — ما لا يعقل لا منطقاً ولا قانوناً.

وهنا يأتي رأي إدريس الشريف، أستاذ الاقتصاد بالجامعات الليبية، ليدعم جانباً من هذا الطرح ويرد على جانب آخر.

فهو لا ينكر اختصاصات المصرف المركزي، لكنه يرى أن المسؤولية عن الخلل المدمر مشتركة: مؤسسة النفط مسؤولة عن سوء إدارة القطاع وعدم حماية الإيرادات من الفقد والهدر والتسرب في مراحل الإنتاج والتصدير والتحصيل، والمصرف المركزي مسؤول عن سوء إدارة النقد الأجنبي وعجزه عن ضبط استخداماته، خصوصاً الاعتمادات والحوالات، فضلاً عن تمويل الإنفاق المنفلت بالعجز خارج ميزانية معتمدة وتراكم الدين العام.

ويضيف أن المسؤولية الأوسع تشمل جميع الجهات التنفيذية والتشريعية والرقابية وحتى القضائية التي سمحت باستمرار هذه الاختلالات وعجزت عن فرض الانضباط المالي والشفافية والمحاسبة.

ويرى أن النفط ملك الليبيين وركيزة اقتصادهم الوحيدة، وأن إيراداته حق لهم، وأي ضياع أو تبديد لها يجب أن يُكشف ويُحاسب المسؤولون عنه دون استثناء أو انتقائية.

ويطالب بكشف واضح للإيرادات من البئر إلى الخزانة، وللمصروفات من الاعتماد إلى المستفيد.

لكن مفارقة كبيرة تظهر هنا: فبينما يتحدث عصر عن دينار مغطى بالذهب وعن عدم قانونية التعويم المنفرد، يعلن المصرف المركزي بيع نحو 2.1 مليار دولار خلال نصف شهر واحد فقط، بينما لم تتجاوز الإيرادات النفطية الموردة في الفترة نفسها 410 ملايين دولار.

ويروي إدريس الشريف أن المصرف المركزي أعلن أن ما حولته المؤسسة إليه هو فقط 361 مليون دولار إيرادات عن الأسبوعين الأولين من شهر أكتوبر 2026، بالرغم من تجاوز الأسعار حاجز المائة دولار للبرميل واستقرار مستوى الإنتاج قرابة 1.4 مليون برميل يومياً.

وهنا يتساءل المواطن: إذا كان الدينار مغطى بالذهب، فلماذا ينهار؟ وإذا كانت الإيرادات ضعيفة، فمن يبيع هذا الكم من الدولار؟ ولماذا لا يُحاسب أحد؟

صندوق الأجيال.. رأي يطرحه عصر ويرد عليه أبو سنينة

يطرح عصر بديلاً واضحاً: تأسيس صندوق للأجيال القادمة بشكل صحيح، تكون أمواله من زيادة أسعار الطفرة النفطية وبعض الرسوم التي تفرض على السلع الكمالية والمرفهة، وتُستثمر أمواله بشكل صحيح وفق خطط مدروسة في الداخل والخارج، وتُوظَّف نسبة من عوائد أرباحه السنوية في خطط بناء هادفة دون المساس برأس مال الصندوق.

ويضيف أن الدولار لا يعقل أن يتجاوز العشرة دنانير، ويجب ألا يُطلق العنان لدولار سوق السوداء الذي هو ضالة المهربين وتجار الممنوعات والعمالة غير المشرعنة، مع وجود خطة أمنية وطنية متكاملة للسيطرة على المنافذ والحدود، وتنظيم العمالة الوافدة بشكل قانوني، ووقف الزحف الإفريقي نحو البلاد، وتنظيم التجارة، وجملة من التدابير الأخرى.

وهنا يدعم محمد أبو سنينة، الخبير الاقتصادي، فكرة أن المشكلة ليست في الدينار في حد ذاته كعملة وطنية، ولكنها في من يدير المشهد ويبدر الموارد والمقدرات الوطنية والسياسات التي وأدت الدينار.

لكنه يرد على أي حل يبدو تقنياً فقط، فيقول إن اعتراض الاقتصاديين على طرح الدولرة أو اعتماد الدولار بدلاً من الدينار يرجع إلى أن الأساس الاقتصادي لطرح الفكرة يفتقر للأساس الاقتصادي السليم، كما أن هناك جوانب ثقافية وأخلاقية لا ينبغي تجاهلها، وفيها تكريس للسياسات الاقتصادية الخاطئة التي تطبق حالياً والأوضاع المأزومة، وتفتح الباب أمام موجة من التضخم الجامح في الأسعار وانهيار المنظومة المصرفية وعلى رأسها المصرف المركزي.

ويرى أن المشكلة تكمن في المؤسسات القائمة التي تعاني من الفساد وانعدام الحكومة وتأسست على المحاصصة، وكونها مؤسسات إقصائية، والتي ستستمر في نفس النهج في ظل أي نظام نقدي، بل ستجد غايتها في العبث بما تبقى من مقدرات، وسيشاركها في إدارتها طرف أجنبي لصالحه.

ويؤكد أن الدعوة إلى التخلي عن الدينار وسيادة الدولة لمدة خمس سنوات، مع اعتماد الدولار الذي لا يوجد ما يضمن توفره وتدفقه بشكل منتظم، تفتقر لبعد النظر وتعرض الاقتصاد لمخاطر نظامية كبيرة، وليبيا ليست حقل تجارب، والموضوع لا يحتمل المجاملة، وهم يرفضونه رفضاً تلقائياً لأسباب اقتصادية بحتة وفوقها السيادة.

ويدعم هذا الرفض تحذير الناشط السياسي أنس الزيداني من أن هناك عملاً يدرس من قبل محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى على أن يعدل سعر الصرف من المركزي بـ 8.25 وذلك بسبب إعطائه اعتمادات دون تغطية مالية، ويتوقع أن نشهد ارتفاعاً جنونياً للدولار وانهياراً كبيراً في العملة الليبية.

فاتورة المحروقات.. حيث يتقاطع إدريس الشريف وحسني بي ويختلفان مع علي الشريف

يطرح إدريس الشريف رأياً صارماً: حين يدفع الليبيون فاتورة الغلاء العالمي ولا يستفيدون من طفرة أسعار النفط، فإن ارتفاع أسعار النفط عالمياً انعكس على ارتفاع فاتورة المحروقات وتكلفة الواردات بفعل التضخم العالمي دون أن يقابله ارتفاع ملموس في الإيرادات النفطية.

أي أن الليبيين يتحملون أعباء وتكلفة الغلاء العالمي دون أن يجنوا ثمار ارتفاع أسعار أهم مورد لاقتصادهم.

ويضيف: حين ترتفع الأسعار العالمية ندفع الثمن، وحين ترتفع أسعار النفط لا نلمس العائد، إنها فجوة ضخمة وخلل كبير في إدارة ثروة البلد الوحيدة لا يجوز أن يستمر على حساب اقتصاد البلد ومعيشة مواطنيه.

ويدعم حسني بي، رجل الأعمال، هذا الاتجاه بأرقام صادمة: يسأل أين النخب من خبر فاتورة المحروقات والطاقة والدولار الحقيقي بعتبة العشرة دنانير للدولار؟

ويقول إن 50 بالمائة من إنتاج ليبيا نفط وغاز يحرق ويسرق ويهرب ولا أحد يتحدث، بينما رأى شاب في ظاهرة الاقتصاد وجه بالنقد العنيف رغم استحالة قبول الفكرة أساساً.

ويشير إلى سكوت تام عن قرابة 9 مليارات دولار محروقات مستوردة خلال يناير–سبتمبر 2026، وتحديداً قالت هانا تيتيه، الممثلة الخاصة للأمين العام ورئيسة بعثة الأمم المتحدة في ليبيا، إن الواردات بلغت 8.15 مليون طن متري بكلفة 8.9 مليارات دولار، وقدّرت أن 30–50 بالمائة منها يُفقد بالتهريب، أي ما قيمته 2.4–4.4 مليارات دولار.

ويضيف أن هناك كلفة اقتصادية للنفط المكرر محلياً والغاز المستخدم في الطاقة، وقدّر صندوق النقد لعام 2024 هذين البندين بنحو 3.9 و4 مليارات دولار على التوالي، ليصل إجمالي كلفة دعم الطاقة حينها إلى نحو 17 مليار دولار.

أي أننا لا نتحدث عن 9 مليارات إجمالاً، بل عن 9 مليارات تقريباً للاستيراد وحده، قبل احتساب قيمة ما نستهلكه من نفط وغاز محليين.

ثم نضع سعراً إدارياً للدولار يصنع فجوة ضخمة، ونستغرب التهريب والمضاربة والهدر، بينما الحوافز الاقتصادية نفسها تدفع إليها. ويسأل: إذا لم يكن الآن وقت تغيير النموذج، فمتى؟

وهنا يرد علي الشريف، أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي، على جزء من هذا التشخيص فيقول إن مراسلة رئيس مجلس النواب بشأن إلغاء الضريبة غير موفقة، فالضريبة أُلغيت بالكامل بالفعل، كما تم تخفيض سعر الصرف الرسمي إلى 6.4 دينار للدولار، فما جدوى المطالبة بإلغاء إجراء لم يعد قائماً أصلاً؟

ويضيف أن فاتورة المحروقات سوف تجعل الناس من غير مرتبات، والرقم يتضخم يوماً بعد يوم، مليار ونصف دولار شهرياً. ويرى أن ربط موضوع المليار المختفي بقصة الكلب المرمي ليس إلا شكلاً من أشكال الكوميديا السوداء التي أصبحت حاضرة على ألسنة أغلب الليبيين، تعبيراً عن مرارة الواقع وحجم المعاناة التي خلفها تردي الأوضاع الاقتصادية والسياسية.

ويؤكد أن فزع السوق هو أحد الأسباب الرئيسية للصعود السريع للدولار في السوق الموازي، في ظل تضارب التصريحات والبيانات المتبادلة بين مصرف ليبيا المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط بشأن توريد الإيرادات النفطية وتحصيلها، وهذه الرسائل تزيد حالة عدم اليقين، ما يدفع المتعاملين إلى زيادة الطلب على الدولار تحسباً للأسوأ، وحين تغيب الثقة وتتضارب الرسائل يتحول القلق إلى طلب، والطلب إلى ضغط على سعر الصرف.

«مصروفات الدعم».. رأي سعد بن شرادة يدعمه الجميع دون أن يتحرك أحد

عضو مجلس الدولة سعد بن شرادة يلخص الحقيقة بجملة واحدة: بيان المؤسسة الوطنية للنفط بشأن الإيرادات صادق، وبيان مصرف ليبيا المركزي بشأن الأموال التي دخلت إلى حساباته صادق، وكلاهما يضعنا أمام حقيقة مهمة: إذا أردتم معرفة أين تكمن المشكلة، فعليكم البحث في مصروفات الدعم، فهناك ستجدون الإجابات عن الأسئلة المتعلقة بمصير الأموال المفقودة.

ويدعم هذا الرأي ما ذكره إدريس الشريف عن تمويل الإنفاق المنفلت خارج ميزانية معتمدة، وما كشفه حسني بي عن كلفة دعم الطاقة التي بلغت نحو 17 مليار دولار، بينما يبقى السؤال: من يحاسب؟ وأين تذهب هذه المليارات؟ ولماذا تظل حكومة منتهية الولاية صامتة أمام ثقب أسود يبتلع ثروة البلاد؟

الدولرة.. رفضٌ سيادي يدعمه تحذير الزيداني

يرفض محمد أبو سنينة الدعوة إلى اعتماد الدولار بدلاً من الدينار، ويرى أنها تكرّس السياسات الخاطئة وتفتح الباب أمام التضخم الجامح وانهيار المنظومة المصرفية، وأن المشكلة ليست في الدينار كعملة وطنية ولكنها في من يدير المشهد ويبدر الموارد.

ويدعم هذا الرفض تحذير أنس الزيداني من تعديل سعر الصرف إلى 8.25 بسبب اعتمادات دون تغطية مالية، وتوقعه ارتفاعاً جنونياً للدولار وانهياراً كبيراً في العملة الليبية.

وهنا يتقاطع الرأيان على نتيجة واحدة: لا يجوز أن يُحمَّل المواطن تبعات فشل النخبة، ولا أن تُستبدل العملة الوطنية كحلٍّ سهل بينما تبقى أسباب الانهيار قائمة.

المؤسسات لا الأشخاص.. حلمي القماطي يدعم طرح المجلس القومي ويرد على الترقيع

يطرح التحليل الاقتصادي فكرة إنشاء مجلس قومي للسياسات الاقتصادية يتولى التنسيق الاستراتيجي بين السياسات النقدية والمالية والتجارية والصناعية والاستثمارية، ويعمل على إعداد إطار اقتصادي وطني موحد، ويحدد الأولويات ويقيس النتائج، مع احترام استقلالية المصرف المركزي واختصاصات الجهات التنفيذية، وألا يكون جهازاً بيروقراطياً إضافياً.

ويطالب بفصل واضح بين الاختصاصات: وزارة الخزانة لإدارة النقد الحكومي والحسابات والمدفوعات والتحصيل، ووزارة المالية لإعداد السياسة المالية والموازنة وإدارة الالتزامات والدين العام، ووزارة الاقتصاد لوضع السياسات الاقتصادية العامة وتحسين بيئة الأعمال وتنظيم السوق، ووزارة التجارة لتنظيم التجارة الداخلية والخارجية ومتابعة تدفق السلع وحماية المنافسة والمستهلك، والمصرف المركزي لإدارة السياسة النقدية والاستقرار النقدي وتنظيم القطاع المصرفي، والمصارف التجارية لتقديم الخدمات المصرفية والتمويلية ضمن قواعد الحوكمة والرقابة.

ويضيف ضرورة إعادة بناء الجهاز الإداري للدولة عبر تحديد الاختصاص القانوني والتنفيذي، وإعداد ملاك وظيفي واقعي، وتوصيف كل وظيفة، وإلغاء الازدواجية، وربط التقييم والترقية والإنفاق التشغيلي بمؤشرات أداء واضحة، ورقمنة الإجراءات وتبادل البيانات.

ويؤكد ربط السياسة النقدية بالسياسة المالية والتجارية، وأن ضخ الدولار وحده لا يكفي إذا لم تكن هناك سياسة مالية منضبطة وسياسة تجارية واضحة وإجراءات فعالة للتحقق من الاستخدام الحقيقي للعملة الأجنبية، وأن المسؤولية والمساءلة تأتي قبل تغيير المسميات، وأن الدولة القوية ليست بكثرة وزاراتها وهيئاتها بل بوضوح مسؤولياتها وتكامل سياساتها وقدرتها على تحويل مواردها إلى إنتاج واستقرار وتنمية مستدامة.

ويدعم هذا الطرح حلمي أحمد القماطي، أستاذ مشارك ورئيس قسم الاقتصاد في كلية الاقتصاد بجامعة بنغازي، حين يقول إن أزمة الاقتصاد ليست أزمة أشخاص بل أزمة مؤسسات. فالاقتصادات لا تبنى بكفاءة المحافظ أو ذكاء الوزير وحدهما؛ فكما يوضح دوغلاس نورث فإن المؤسسات والقواعد التي تنظم الحوافز والسلوك هي التي تحدد مسار الأداء الاقتصادي، ويؤكد جوزيف ستيغليتز أن التنمية لا تتحقق بمجرد تبني السياسات الصحيحة نظرياً بل تتطلب مؤسسات قادرة على تنفيذها بكفاءة ومساءلة.

ويضرب أمثلة: ألمانيا بنت قوتها على مؤسسات مستقرة، وسنغافورة ربطت الإدارة العامة بالكفاءة والمحاسبة، بينما أثبتت تجارب الدول الريعية أن وفرة الموارد لا تكفي عندما تضعف الحوكمة وتنحرف الحوافز. ويقول إن الفرق جوهري بين تغيير المسؤول وتغيير النظام المؤسسي الذي يعمل داخله، فالمسؤول الكفء قد يحقق نتائج مؤقتة لكن المؤسسة القوية تحوّل الكفاءة إلى أداء مستدام وتحمي السياسات من تقلبات الأشخاص والحكومات.

وفي ليبيا لا تكمن المعضلة في اختيار محافظ أفضل للمصرف المركزي أو وزير أذكى للاقتصاد فحسب، بل في بناء منظومة مالية واقتصادية متكاملة توحّد القرار وتضبط الإنفاق العام وتخضع تخصيص الموارد للشفافية والمساءلة وتقيس النجاح بنتائجه على الإنتاج والاستقرار والقوة الشرائية.

فالدول لا تتقدم بتعاقب الرجال الأكفاء بل ببناء مؤسسات تجعل الكفاءة قاعدة والمحاسبة نظاماً والاستقرار الاقتصادي نتيجة مستدامة.

«عقلية القطيع» و«نظرية الغباء».. تشخيص يرد على الترقيع ويكشف الحلقة المفرغة

ويضيف حلمي القماطي قراءة في سيكولوجية الجماهير وعقلية القطيع في إدارة الاقتصاد الليبي، فيقول إن المشكلة ليست دائماً في نقص الأموال أو غياب الخبراء بل في طريقة التفكير التي تُصنع بها القرارات.

فبعض من يديرون السياسة الاقتصادية يتعاملون بمنطق رد الفعل لا بمنطق التحليل العلمي، يكررون الإجراءات نفسها رغم تعثر نتائجها، ويغيرون الأدوات دون مراجعة الفرضيات.

نضخ السيولة ثم نستغرب ارتفاع سعر الدولار، ونوسّع الإنفاق ثم نقلق من تراجع القوة الشرائية، ونفتح الاعتمادات المستندية ثم نتساءل عن أسباب استنزاف النقد الأجنبي، وكأن المشكلة في كل مرة مفاجأة جديدة لا نتيجة محتملة لسياسات لم تُعالج جذور الاختلال.

ويستحضر كتاب غوستاف لوبون «سيكولوجية الجماهير» في كيف يمكن أن يتراجع التفكير النقدي أمام قوة الإيحاء والتكرار والاعتقاد السائد، ويقول إن عقلية القطيع لا تعني أن الجميع أغبياء بل أن المسؤول قد يتخلى عن استقلالية حكمه ويتبع الاتجاه السائد حتى عندما تشير المؤشرات إلى أن المسار خاطئ، والأخطر أن تتحول هذه العقلية إلى ثقافة مؤسسية فلا أحد يريد الاعتراف بالخطأ ولا أحد يراجع النتائج بجدية، ويصبح الدفاع عن القرار أهم من الدفاع عن الاقتصاد نفسه.

وفي اقتصاد ريعي مثل ليبيا تزداد المخاطر عندما تتداخل هذه العقلية مع جماعات المصالح التي تستفيد من توزيع النقد الأجنبي والاعتمادات المستندية والإنفاق العام دون زيادة حقيقية في الإنتاج.

لكن المسؤولية لا تقع على الجماهير التي تطالب بتحسين أوضاعها المعيشية بل على صانع القرار الذي يفترض أن يوازن بين المطالب الآنية والاستقرار الاقتصادي طويل الأجل.

ثم يذهب إلى تطبيق «نظرية الغباء» للاقتصادي والمؤرخ الإيطالي كارلو ماريا تشيبولا على الاقتصاد الليبي، ويوضح أن أخطر ما يواجه الاقتصاد ليس ندرة الموارد ولا انخفاض الإيرادات النفطية وحده ولا الانقسام المؤسسي، بل احتمال أن تتحول القرارات غير الرشيدة إلى نمط متكرر تتحمل تكلفته الدولة والمجتمع بينما تستفيد منه فئات محددة أو لا يحقق أي منفعة حقيقية لأحد.

ويشرح أن تشيبولا لم يضع نظرية اقتصادية متخصصة في إدارة الدول وإنما قدّم إطاراً لتحليل السلوك البشري، ونحن نسقط هذا الإطار على القرارات والسياسات الاقتصادية في ليبيا لا على ذكاء الأشخاص أو نواياهم.

ويقسم السلوك إلى أربع فئات: سلوك ذكي اقتصادي يحقق منفعة لصاحبه وللآخرين مثل إصلاح يرفع الإنتاجية ويحسن دخل المواطنين، وسلوك أناني يحقق منفعة لصاحبه وضرراً للآخرين مثل الاستحواذ على امتيازات نقدية على حساب بقية المجتمع، وسلوك مغلوب على أمره يتحمل تكلفة الإصلاح دون تعويض عادل، وسلوك غبي وفق تصنيف تشيبولا يضر بصاحبه وبالآخرين مثل قرار يهدر الموارد ويضر بالمواطن ثم يفرض على الدولة إنفاقاً إضافياً لمعالجة نتائجه.

ويؤكد أن هذا التصنيف لا يكفي وحده للحكم على سياسة اقتصادية، فالتحليل العلمي يتطلب قياس النتائج والتكاليف والبدائل المتاحة مع التمييز بين الخطأ غير المقصود والمصلحة الخاصة وسوء التصميم المؤسسي.

ثم يطبق ذلك على الاقتصاد الليبي: اقتصاد ريعي يستهلك إيراداته بدل تحويلها إلى إنتاج، وبيع النقد الأجنبي دون ضمان كفاءة استخدامه، وضخ السيولة دون معالجة أسباب اختلال السوق، وتضخم الإنفاق العام دون إصلاح كفاءة الإنفاق.

ويخلص إلى مفارقة أن المجتمع يدفع ثمن القرار مرتين: قرار غير كفء، ثم ظهور الاختلال، ثم قرار علاجي جديد لمعالجة الآثار التي خلفها القرار السابق، بينما لا تُعالج الأسباب الأصلية.

ويسأل: لماذا قد يستمر القرار الخاطئ رغم ظهور أضراره؟ ويجيب: غياب المساءلة، وتوزيع المنافع وتركيز الخسائر، وتضارب الاختصاصات، وتأجيل الاعتراف بالفشل، واقتصاد الريع.

ويقترح اختباراً اقتصادياً من خمسة أسئلة: ما الهدف؟ ما التكلفة؟ من المستفيد؟ ما النتيجة الفعلية؟ من يتحمل المسؤولية؟

ويؤكد أن الحكم العلمي لا يكون بالسخرية من المسؤولين ولا بتعميم صفة الغباء على المجتمع أو الدولة، بل بكشف الآليات التي تجعل الخطأ يتكرر وتحديد المستفيدين والمتضررين وقياس تكلفة القرارات على الناتج الحقيقي والقوة الشرائية والاحتياطيات والاستدامة المالية.

حين يصبح الصمت جريمة

في النهاية، تعود القضية إلى سؤال واحد: من يحكم ليبيا اقتصادياً؟

الإجابة الواضحة هي: حكومة منتهية الولاية، تفتقر إلى الشرعية الدستورية، وتدير أزمة نقدية معقدة بقرارات فردية وترقيعية، بينما تتقاسم مع مؤسسات أخرى مسؤولية إهدار ثروة البلاد.

والدليل الأكثر إدانة هو الصمت المطبق على مليارات المحروقات التي تُهرب، وعلى فاتورة دعم تبتلع ثروة البلاد، بينما ينتظر المواطن بصبرٍ انفجاراً اجتماعياً لا أحد يستعد له.

إن استمرار هذا الوضع ليس مجرد فشل سياسي؛ إنه إمعان في التخلي عن المواطن الليبي، الذي يستحق قيادةً تحاسَب، ومؤسساتٍ تحمي ثروته، وعملةً تحفظ كرامته.

وحتى يتحقق ذلك، سيبقى الدولار في السوق السوداء مرآةً لانعدام الشرعية، وارتفاعه اليومي رسالةً مبطنةً بأن الوطن الذي يُدار من فوق أطلال المؤسسات لا يمكن أن يستقر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى