ليبيا

مليار دولار تتقاذفها البيانات… والمواطن الليبي يدفع الفاتورة عند محطة الوقود

مصرف ليبيا المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط يتبادلان بيانات متضاربة حول إيرادات أكتوبر وديوان المحاسبة يوثق فجوة 823 مليون دولار

ليبيا 24

ممحلل اقتصادي: الطلب الموسمي وفارق سعر الديزل يفسران انخفاض العائدات ويدعو الجهات السيادية إلى مراجعة تقديراتها قبل إثارة الهلع

فجوة إيرادات النفط الليبي: عندما تتحول البيانات السيادية إلى صدمة للمواطن

شهدت ليبيا معركة حامية الوطيس بين مصرف ليبيا المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط حول الإيرادات النفطية لشهر أكتوبر 2026، اشترك فيها كثير من المعلقين، لكن محللاً اقتصادياً رأى أن أحداً لم يصب جوهر الموضوع.

وبعد أن انجلى الغبار، دعا المحلل محمد أحمد إلى نقاش عقلاني بحسبة الورقة والقلم، بعيداً عن الذكاء الاصطناعي وحسبة العزايز، كما قال.

المشهد لا يبدو مجرد خلاف فني بين مؤسستين، بل حلقة جديدة من غياب الشفافية التي يدفع ثمنها المواطن.

من 361 مليوناً إلى 1.4 مليار: أين تقع الفجوة؟

يروي المحلل أن البداية كانت في 15 أكتوبر 2026 عندما أصدر مصرف ليبيا المركزي بياناً مفاجئاً غير مجدول، أعلن فيه أن الإيرادات التي وصلت إلى حساباته حتى 14 أكتوبر من حصيلة مبيعات النفط بلغت 361 مليون دولار، وميزها بتعبير «فقط».

وكانت صيغة البيان مستفزة، إذ انطوت على اتهام غير صريح للمؤسسة، باستغراب انخفاض العائدات في وقت تشهد فيه الأسعار ارتفاعاً حاداً، ووصل السعر في سبتمبر إلى أكثر من 100 دولار للبرميل. ردت المؤسسة بشكل عصبي، نافية الاتهام المبطن، وطالبت الجهات القضائية والرقابية بالتحقيق، ونشرت تحويلات مالية بلغت 1.4 مليار دولار إلى الحساب السيادي في المصرف الليبي الخارجي.

وهنا يظهر فرق 1.039 مليار دولار. ثم أصدر ديوان المحاسبة بياناً مضاداً قال فيه إن المحصل لدى المصرف المركزي 577 مليون دولار حتى 15 أكتوبر، أي بفارق يوم عن بيان المصرف، ما جعل الفرق 823 مليون دولار.

الديزل والموسمية وفارق السعر: تفسير لا يلغي المسؤولية

تتفق الأجهزة على أن الفرق وُجه لتغطية شراء المحروقات من الخارج، وأساساً الديزل والبنزين. لكن المصرف يظن أن ما تبقى بعد شراء المحروقات قليل لأن الأسعار مرتفعة، ولا يعترف بإجمالي العائدات التي يتم التصرف بها في المصرف الليبي الخارجي، حيث تفتح اعتمادات مستندية لموردي الوقود.

بينما تشير المؤسسة إلى الالتزامات المالية لتوريد المحروقات، معتمدة على اتفاقية بين المؤسسة والمصرف وديوان المحاسبة والنائب العام، ومصدقة من مجلس الوزراء، وجاءت نتيجة طرح مناقصة علنية تحت إشراف الجميع. ويشدد المحلل على أن تحليله يخص فقط قيمة الإيرادات نسبة إلى قيمة المحروقات، ولا يغطي تهريب المحروقات أو سوء إدارة الموارد المالية بعد جبايتها.

ويوضح أن المؤسسة نشرت في 4 أكتوبر 2026 بياناً بشحنات الديزل الموردة إلى ليبيا في سبتمبر، وتاريخ استحقاق الدفع بعد 30 يوماً من الاستلام، لذا تُسوّى مستحقاتها في أكتوبر.

وكانت الواردات نحو 21 شحنة، أي بفرق 6 شحنات إضافية عن المستوى العادي، إذ كان التوريد يصل إلى 450 ألف طن في النصف الأول من السنة، وارتفع إلى 657 ألف طن في سبتمبر، بزيادة 200 ألف طن.

كما أصدرت المؤسسة في 5 أكتوبر بياناً للإنتاج والإيرادات، ذكرت فيه أن حصة إنتاج الدولة الليبية 31 مليون برميل شهرياً، بقي منها في المخزونات 6 ملايين برميل، أي أن التصدير بلغ نحو 916 ألف برميل يومياً، وهو ما تُحسب عليه العائدات النقدية المستحقة في أكتوبر، باستثناء الاتاوات المستحقة على الشركاء.

ثلاثة اعتبارات يجب ألا تغيب

أولاً، الطلب الموسمي على الديزل: الطلب السنوي وفق آخر تقدير سنة 2025 هو 5 ملايين طن، متقلب شهرياً، بأدنى مستوى في ديسمبر ويناير وفبراير نحو 400 ألف طن، وأعلى مستوى في سبتمبر نحو 600 ألف طن، إذ سجل 2025 نحو 620 ألف طن، وهذه السنة 650 ألف طن.

لذا ترتفع الالتزامات المالية طبيعياً حتى بافتراض ثبات السعر، وهو ما لا يحدث أبداً. ثانياً، الفرق بين سعر النفط الخام وسعر الديزل والبنزين: التفكير التقليدي يفترض ثبات الفرق، فإذا كان سعر النفط 100 دولار للبرميل وصدرنا 100 برميل كان الدخل 10 آلاف دولار، وإذا كان الديزل 105 دولارات واستوردنا 50 برميلاً دفعنا 5 آلاف وتبقى 5 آلاف.

لكن إذا صار سعر الديزل 130 دولاراً فسندفع 6500 دولار وينخفض الصافي إلى 3500. ويقول المحلل إن الفرق كان في المدى 5 إلى 10 دولارات قبل الحرب الأمريكية الإيرانية، أما الآن فيقع بين 30 و50 دولاراً لصالح الديزل، أي بارتفاع نحو 60 بالمئة.

وذهب إلى أن هذا قد يفسر لماذا أعطى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ظهره لحلفائه في أوروبا وأوكرانيا ليسمح لروسيا بإعادة صادراتها من الديزل إلى الأسواق العالمية، بما فيها السوق الأمريكية، فأجبر أوروبا على السحب من مخزوناتها، وأوكرانيا على وقف قصف المصافي الروسية المنتجة للديزل.

ثالثاً، فترات الاستحقاق والاستمرارية: بيانات المصرف تجمد الوقت في عملية مستمرة، والبيان الأول يشبه إعلان الهلع، إذ توقع المسؤولون رقماً أكبر، بينما كان المتوقع في نهاية أكتوبر 722 مليون دولار، وللثلاثة أشهر الباقية 2.1 مليار دولار، وهو ما يحدث الهلع في الأسواق المالية والنقدية.

تقديرات بديلة: أكتوبر وبقية السنة

يرى المحلل أن تقدير ديوان المحاسبة يقترب من الحقائق للنصف الأول من أكتوبر، لكن لا يجب استعماله لتقدير بقية السنة.

فبنموذج اقتصادي محاسبي، وباعتبار أن المؤسسة استوردت 650 ألف طن من الديزل في سبتمبر، وهو المستوى الموسمي العادي، وأن سعر النفط 100 دولار، فإن عائدات أكتوبر المتوقعة عن كامل الشهر 1.4 مليار دولار، بعد خصم 1.3 مليار دولار للمحروقات، بعد الأزمة الإيرانية الأمريكية واتساع الفارق، وكان المفترض خصم مليار دولار فقط دون الأزمة.

أي أن ما أشار إليه المصرف كمحصل بين 1 و14 أكتوبر، وهو 361 مليوناً، كان سيكون 561 مليوناً.

ولبقية السنة، سينخفض الطلب الشتوي على الديزل والبنزين، وبافتراض استمرار سعر النفط عند 100 دولار وبقاء الفارق عند 30 دولاراً، فسترتفع العائدات مع عودة الطلب إلى 900 ألف طن شهرياً إجمالاً، أو 800 مليون دولار شهرياً، ما يرفع المتوقع توريده للمصرف من 1.4 إلى 1.8 مليار دولار شهرياً في الشتاء.

خارج الحساب: الحساب السيادي والغاز والتأمين والفائدة

يضيف المحلل أن الحساب السيادي في المصرف الخارجي حساب انتقالي، يدفع فيه المشترون مستحقات النفط باسم المؤسسة، ولا يجيز للمؤسسة التصرف في الإيداع إلا بموافقة وزارة المالية إذا لم يكن التحويل باتجاه المصرف المركزي، فلا تستطيع دفع تكاليف الإنتاج أو التزامات الواردات منه، بينما تحتفظ إدارة التسويق بحساب تشغيلي صغير بنحو خمسة سنتات على البرميل لدفع مصاريف وغرامات التسويق.

ويشير إلى أن إنتاج الغاز انخفض بشدة ولا يكفي لتغذية جميع المحطات، وعاد استهلاك الديزل في الكهرباء إلى مستويات ما قبل 2010، وربما تقلله الاستثمارات الأخيرة في الغاز بحلول 2028، لكن قبل ذلك صعب، ولم يُلغ الغاز أبداً، بل يجري التفكير في استيراد الغاز الطبيعي المسال بدلاً من الديزل بسبب فرق السعر، كما يحدث في مصر.

ويسأل بعد الكارثة المائية عن التزامات شركات التأمين تجاه المتضررين، والتزامات الحكومة تجاه الشركات، ويرى أن إعادة فرض سعر فائدة على الدينار الليبي أفضل من الدولرة واعتماد سعر الفائدة الأمريكي لضبط الاقتصاد الليبي.

لا مزيد من الهلع

ينتهي المحلل إلى أن المصرف المركزي أثار هلعاً غير مبرر وبدون دراسة عميقة للاتجاهات، وقد يدل ذلك على ضعف القدرات التخطيطية، فيتعامل مع ظواهر الأحداث لا جوهرها.

ويطالب المصرف والمؤسسة وباقي الجهات بالالتقاء ودراسة ما يخرج على «المساكين الذين لا حول لهم ولا قوة إلا استقبال الفواجع».

 المواطن الذي ينتظر الوقود والكهرباء والتأمين والاستقرار لا يحتاج إلى بيانات متضاربة، بل إلى مساءلة واضحة، وحكومة منتهية الولاية لا تختبئ خلف المؤسسات، وشفافية تضع المال العام فوق المناكفات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى