كرامة ليبيا ليست مادة انتخابية”: نائب القائد العام يرفع راية الرفض أمام إساءة ترامب ويطالب باحتجاج رسمي
نائب القائد العام يدين تصريحات ترامب المسيئة ويطالب واشنطن بمعالجة "الإساءة" دبلوماسياً

ليبيا 24
القيادة العامة ترد على إساءة ترامب: بيان رسمي من الفريق أول ركن صدام حفتر يؤكد أن السيادة والكرامة “فوق أي اعتبار سياسي“
“نائب القائد العام: تصريحات ترامب عن ليبيا ‘مرفوضة’ ويجب ألا تكون السجالات الانتخابية غطاءً للإساءة إلى الدول.
في التقاليد الدبلوماسية الراسخة، لا تُقاس علاقات الدول بمدى هدوء العواصم، بل بمدى قدرتها على قول “لا” في اللحظة التي تُختبر فيها كرامتها.
وما جرى في التجمع الانتخابي بولاية جورجيا، حيث عاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى استخدام أوصاف مسيئة بحق ليبيا واليمن وهاييتي والصومال، لم يكن مجرد زلة لسان انتخابية عابرة، بل تعبيراً عن منطق يرى في الدول النامية والمستقلة مادةً للاستهلاك الجماهيري الداخلي.
غير أن الرد الليبي جاء هذه المرة من موقع مختلف: لا من موقع الشكوى، بل من موقع الدولة التي تعرف ما قدمته، وتدرك ما تستحقه، وترفض أن تُختزل في “بانشلاين” انتخابي.
بيان نائب القائد العام: حين تصبح الكرامة موقفاً رسمياً
في قلب هذا الرد، يقف بيان نائب القائد العام للقوات المسلحة الليبية، الفريق أول ركن صدام حفتر، الذي لم يكتفِ بالتعبير عن الاستنكار، بل صاغ موقفاً مبدئياً واضحاً: “إن ما صدر عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من تصريحات مسيئة بحق ليبيا وشعبها أمر مستنكر ومرفوض، ولا يمكن أن تكون السجالات الانتخابية أو الاعتبارات السياسية الداخلية مبرراً للإساءة إلى الدول والشعوب أو الانتقاص من كرامتها“.
هذه الصياغة ليست مجرد رد فعل عاطفي، بل هي تأسيس لقاعدة دبلوماسية: الانتخابات الأمريكية شأن داخلي، لكن كرامة ليبيا ليست شأناً قابلاً للتفاوض أو الاستثمار السياسي.
والبيان لا يتوقف عند حدود الاستنكار، بل ينتقل إلى المبدأ: “إن ليبيا دولة مستقلة ذات سيادة، وكرامتها الوطنية فوق أي اعتبار“.
وهنا يظهر الفارق الجوهري بين خطاب الضحية وخطاب الدولة فليبيا التي خاضت سنوات من الحرب على الإرهاب، وقدّمت تضحيات كبيرة في هذا المضمار، ليست دولة “موبوءة” كما يصفها ترامب، بل دولة تحملت أعباء الأمن الإقليمي والدولي.
وهذا السياق تحديداً هو ما يجعل الإساءة الأمريكية ليس مجرد إهانة لفظية، بل إنكاراً لحقيقة الدور الليبي في مكافحة التطرف.
الاحتجاج الرسمي: الدبلوماسية كأداة لا كشعار
أكثر ما يستحق التوقف في بيان صدام حفتر هو تحويل الموقف من دائرة الغضب إلى دائرة الإجراء.
فهو لا يكتفي بالرفض، بل يدعو إلى “اتخاذ موقف رسمي واضح”، ويحث الجهات المعنية على “مباشرة الإجراءات التي تكفلها القواعد والأعراف الدبلوماسية، بما في ذلك إبلاغ الجانب الأمريكي احتجاجاً رسمياً، والمطالبة بمعالجة هذه الإساءة بما يتناسب مع جسامتها“.
هذه الصياغة تحمل دلالة عميقة: ليبيا لا ترد على الإساءة بإساءة مماثلة، ولا تلجأ إلى لغة التهديد، بل تطالب بالمعالجة الدبلوماسية التي تليق بحجم الإهانة.
إنها دبلوماسية الدولة التي تعرف قواعد اللعبة، وتستخدمها لصالح الكرامة الوطنية.
ومع ذلك، فإن البيان لا يغلق باب العلاقات مع واشنطن. بل يؤكد صراحة: “نؤكد أن حرصنا على علاقات التعاون والصداقة مع الولايات المتحدة الأمريكية لا ينفصل عن التمسك بالاحترام المتبادل، باعتباره أساساً ثابتاً في علاقات ليبيا مع جميع الدول“.
هذا التوازن بين الرفض والإبقاء على قناة التعاون هو ما يميز الموقف الليبي عن ردود الفعل الانفعالية. فليبيا تريد علاقات مع واشنطن، لكنها تريدها علاقات قائمة على الاحترام، لا على التفضل أو الإملاء.
لماذا يهم هذا البيان المواطن الليبي؟
قد يتساءل البعض: ما الذي يعنيه بيان دبلوماسي للمواطن الليبي الذي يواجه تحديات يومية في الكهرباء والخدمات والأمن؟ الإجابة تكمن في أن الكرامة الوطنية ليست ترفاً نخبوياً، بل هي الأساس الذي تقوم عليه أي علاقة دولية عادلة.
عندما يصف رئيس أمريكي بلداً بأكمله بأنه “قذر” أو “موبوء بالإرهاب”، فإنه لا يسيء إلى الحكومة فقط، بل إلى كل ليبي يعيش في هذا البلد، وكل أسرة فقدت أبناءها في الحرب على التطرف، وكل شاب يحاول بناء مستقبله رغم الظروف.
بيان نائب القائد العام الفريق أول ركن صدام حفتر، في جوهره، يقول للمواطن الليبي: كرامتك ليست ورقة للمساومة، ودولتك ليست ساحة للاستعراض الانتخابي.
كما أن توقيت البيان يحمل دلالة إضافية. ففي وقت تسعى فيه بعض الأطراف إلى التقارب مع واشنطن بغض النظر عن طبيعة الخطاب الأمريكي، يذكّر البيان بأن الاحترام المتبادل ليس شرطاً إضافياً، بل هو الشرط الأول لأي تعاون جدي. وهذا الموقف لا يضعف ليبيا، بل يعزز موقعها التفاوضي، لأن الدولة التي تعرف قيمتها لا تُستدرج إلى علاقات إذعان.
ردٌّ يعيد ترتيب الأولويات
في التحليل الأخير، لا يمكن قراءة بيان الفريق أول ركن صدام حفتر بمعزل عن سياق أوسع من التراجع الأمريكي عن قواعد الخطاب الدبلوماسي تجاه الدول المستقلة.
لكن الرد الليبي، بصياغته المستنكرة والمبدئية والدبلوماسية في آن واحد، يعيد ترتيب الأولويات: الكرامة أولاً، ثم العلاقات على أساس الاحترام.
وليبيا، التي تعرف جيداً ثمن التضحيات، ليست في حاجة إلى دروس في الوطنية من أي طرف، ولا إلى شهادات حسن سلوك من أي رئيس.
بيان واحد، صاغه مسؤول عسكري رفيع، اختصر المسافة بين الغضب الشعبي والفعل الدبلوماسي، وقال بوضوح: ليبيا ليست مادة انتخابية، وكرامتها ليست قابلة للاستهلاك.



