ليبيا

“ثلاثية الجوار” تُعلنها من الجزائر: انتخاباتٌ تنتزع الشرعية من المليشيات… ومواطنو ليبيا ينتظرون الخلاص من “الدبيبة”

تونس ومصر والجزائر تتفقان على ضرورة إنهاء المراحل الانتقالية في ليبيا وانتخاباتٍ متزامنةٍ تحت رعاية أممية.


ليبيا 24

دول الجوار الثلاثي تُجدد رفضها القاطع للتدخلات الخارجية وتطالب بانسحاب المرتزقة وتوحيد المؤسسات العسكرية الليبية.

من الجزائر إلى طرابلس: حين يتفق الجوار على ضرورة إنقاذ الليبي من “فوضى السلاح”

في 25أكتوبر 2026، اجتمع وزراء خارجية تونس ومصر والجزائر في الجزائر العاصمة، لا لمجرد “اجتماع دوري”، بل ليرفعوا صوتاً واحداً في وجه حالة الانقسام والسلاح المنفلت التي أنهكت الشعب الليبي على مدى أكثر من عقد.

البيان الختامي لـ”آلية دول الجوار الثلاثية” لم يكن مجرد ورقة دبلوماسية، بل كان صرخةً مبطنة في وجه كل من راهن على استمرار الوضع الراهن، ورسالةً واضحة إلى من يتوهم أن المليشيات قادرة على إدارة الدولة.

“المرحلة الانتقالية”.. مقبرة الطموحات الشعبية

لم يعد خافياً على أحد أن “المراحل الانتقالية” في ليبيا تحولت من استثناءٍ مؤقت إلى واقعٍ دائم يخدم مصالح المسلحين والمتنفذين. البيان الثلاثي جاء صريحاً: “إنهاء كامل للمراحل الانتقالية التي أصبحت أمراً واقعاً يزيد في تعميق الأزمة واستفحالها”.

هذه العبارة، التي قد تبدو دبلوماسية في ظاهرها، تحمل في باطنها إدانةً ضمنية لكل من استفاد من غياب الانتخابات، وعلى رأسهم الحكومة المنتهية الولاية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، التي لطالما تغنت بـ”الاستقرار” بينما تغرق طرابلس في اشتباكاتٍ متكررة بين مليشياتٍ تتنازع النفوذ والمال العام.

انتخاباتٌ “حرة ونزيهة”.. شرطٌ وجودي لا رفاهية

شدد الوزراء على أن الانتخابات الرئاسية والبرلمانية يجب أن تكون “متزامنة، حرة ونزيهة، وفق إطار دستوري وقانوني متوافق عليه”، وهو ما يعكس إدراكاً عميقاً بأن أي انتخاباتٍ تجري في ظل انتشار السلاح ووجود حكوماتٍ موازية لن تكون إلا مسرحيةً جديدة.

الشعب الليبي، الذي عانى من ويلات الفوضى، يدرك أن “صناديق الاقتراع” لا معنى لها ما دامت المليشيات تتحكم في الشوارع، وما دامت الأموال المجمدة والمقدرات الوطنية تُدار بمنطق المحاصصة.

“الملكية الليبية”.. ردٌّ على كل أشكال الوصاية

كان لافتاً إصرار البيان على أن “العملية السياسية ليبية القيادة والملكية”، وأن الحل “نابع من إرادة الشعب الليبي وتوافقه الوطني”.

هذه العبارة تمثل رفضاً قاطعاً لكل محاولات الالتفاف على الإرادة الشعبية، سواء من قبل أطرافٍ خارجية تبحث عن مصالحها، أو من قبل حكوماتٍ لا تملك شرعيةً شعبية وتستمد بقاءها من قوة السلاح. وفي هذا السياق، جاء التأكيد على “الرفض القاطع لكل أشكال التدخلات الخارجية” التي “كانت السبب الرئيس في إطالة أمد الأزمة”، ليكشف زيف ادعاءات البعض بأن التدخلات الأجنبية كانت “لحماية المدنيين”، بينما هي في حقيقتها وقودٌ للانقسام.

اتفاق “4+4”.. خطوةٌ نحو كسر الجمود أم مجرد حبرٍ على ورق؟

تطرق البيان إلى نتائج لجنة الحوار المصغرة (4+4) والاتفاق الإطاري الموقّع في 30 أغسطس 2026، والذي ينص على إجراء الانتخابات خلال مدة لا تتجاوز 24 شهراً وتعديل الإطار القانوني للانتخابات.

لكن السؤال الذي يطرحه المواطن الليبي المكلوم: هل ستكون هذه المرة مختلفة؟ فالتجارب السابقة علمتنا أن الاتفاقات تُبرم في العواصم، بينما تظل المليشيات هي الحاكم الفعلي على الأرض. إن نجاح هذا المسار مرهونٌ بقدرة المجتمع الدولي على فرض إرادته، وبنضال الليبيين أنفسهم لانتزاع حقوقهم من قبضة المسلحين.

“إطار الإنفاق الموحد”.. محاولةٌ لإنقاذ ما يمكن إنقاذه

رحبت البعثة الأممية بإطار الإنفاق الموحد لعام 2026، الذي يغطي المرتبات وتسيير الحكومة ومشروعات التنمية والدعم.

لكن هذا الإطار، رغم أهميته، يظل رهيناً بحسن النوايا في ظل غياب رقابةٍ صارمة على المليشيات التي تسيطر على مفاصل الاقتصاد.

فكيف يمكن الحديث عن “تنمية” بينما تُنهب الأموال العامة تحت تهديد السلاح؟ وكيف يمكن حماية “الأصول الليبية المجمدة” بينما تُدار من قبل مؤسساتٍ غارقة في الفساد والمحاصصة؟

المصالحة الوطنية.. ضرورةٌ لا ترف

دعا البيان إلى “تحقيق المصالحة الوطنية بين أبناء الشعب الليبي الواحد”، ودعم جهود الاتحاد الإفريقي والسلطات المختصة تحت الرعاية الأممية.

لكن المصالحة الحقيقية لا يمكن أن تُبنى على التنازل عن المحاسبة، ولا على استيعاب المليشيات في مؤسسات الدولة. إن المصالحة التي ينشدها المواطن الليبي هي تلك التي تُعيد له كرامته، وتُنهي حالة الفلتان، وتُحاسب من تلوثت أيديهم بدماء الأبرياء.

رسالةٌ من الجزائر.. فهل يسمعها المسلحون؟

البيان الثلاثي، بكل بنوده، يحمل رسالةً واحدة: ليبيا ليست حكراً على المليشيات، ولا ساحةً للتدخلات الخارجية، ولا ضحيةً لحكوماتٍ فقدت شرعيتها.

إنه نداءٌ من دول الجوار، التي تدرك أن استقرار ليبيا هو استقرارٌ لها، بأن الوقت قد حان لأن يستعيد الشعب الليبي دولته. لكن الكرة الآن في ملعب الليبيين أنفسهم، ومن خلفهم المجتمع الدولي، لترجمة هذه الكلمات إلى أفعالٍ تُنهي معاناة شعبٍ طال صبره.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى