التعليم في ليبيا بين فوضى الدبيبة وجحيم الفقر: هل يدفع أطفالنا ثمن عجز الدولة؟
إضراب المعلمين يعمّق أزمة التعليم ويهدد حق ملايين الطلاب في ظل انقسام حكومي وعجز مالي.
ليبيا 24
تحذيرات من كارثة تعليمية في ليبيا: التعليم الخاص يعمّق الفوارق الاجتماعية والعائلات الفقيرة تدفع الثمن.
التعليم في ليبيا: حين تصبح الطفولة رهينة لصراع النفوذ وعجز الدولة
لا يمكن قراءة المشهد التعليمي في ليبيا اليوم بمعزل عن السياق السياسي والاقتصادي الذي يخنق البلاد منذ سنوات.
فالتصريحات الأخيرة للباحثة في شؤون الأمن والهجرة الدكتورة ريم البركي، والتي حذرت فيها من تحول التعليم إلى امتياز مرتبط بالقدرة المالية للأسر، ليست مجرد قراءة لمشهد تربوي متدهور، بل هي صرخة في وجه سياسات حكومة عبد الحميد الدبيبة التي فشلت في إدارة أبسط حقوق المواطن: حق أبنائه في مقاعد الدراسة.
فمع انتهاء شهر أكتوبر دون أن يتلقى الطلاب تعليمهم الحكومي، باستثناء أقلية في المدارس الخاصة، يجد المواطن الليبي المكلوم نفسه أمام واقع مرير: إما أن يدفع من قوته ما لا يملكه لتعليم أبنائه، أو أن يتركهم فريسة للجهل والتهميش.
الفشل السياسي: حكومة تكتفي بالمشاهدة
تكشف أزمة التعليم عن عجز بنيوي في أداء حكومة الدبيبة، التي تتعامل مع ملف التعليم بمنطق المسكنات المؤقتة لا الحلول الجذرية. فبدلاً من أن تتحمل مسؤوليتها الدستورية والأخلاقية في ضمان استمرار العملية التعليمية، تترك الدولة الأسر الفقيرة تواجه مصير أبنائها وحدها.
ويظهر هذا العجز جلياً في التعامل مع إضراب المعلمين الذي بدأ في منتصف سبتمبر الماضي وتحول إلى إضراب مفتوح في جميع المدارس الحكومية.
ففي الوقت الذي كان فيه المعلمون يطالبون بحقوقهم المشروعة في رواتب تمكنهم من العيش، كانت الحكومة تلقي بالوعود التي وصفها المعلمون أنفسهم بـ”الوعود الزائفة”، دون تحرك جدي لمعالجة جذور الأزمة.
إن استمرار تجاهل مطالب المعلمين المحقة، وربطها بملفات سياسية أخرى، هو بمثابة إعلان صريح بأن مستقبل جيل كامل بات رهينة لحسابات ضيقة.
الاقتصاد المنهار: التعليم كعبء إضافي على كاهل الأسرة
وتعكس هذه الأزمة عمق الانهيار المعيشي الذي يعيشه المواطن الليبي. فحديث البركي عن أسر “تحسب حساب رغيف الخبز ووجبة الصباح” ليس مبالغة أدبية، بل هو توصيف دقيق لواقع الغالبية العظمى من الأسر التي تكافح لتوفير الطعام، فكيف الحال بتكاليف التعليم الخاص الباهظة.
إن تحويل التعليم من حق مجاني تكفله الدولة إلى سلعة يشتريها من يملك، هو أكبر دليل على فشل السياسات الاقتصادية لحكومة الدبيبة في تحقيق العدالة الاجتماعية.
فبدلاً من أن تكون الدولة هي الضامن الرئيسي للخدمات الأساسية، أصبحت الأسر هي من تتحمل العبء الأكبر، بينما تغرق البلاد في مستنقع الرواتب المتفجرة والكادر الوظيفي المتضخم الذي يستنزف الخزانة العامة دون أن يقدم خدمات حقيقية للمواطن.
إن استمرار صرف رواتب لملايين الموظفين، بينما يُحرم المعلمون الفعليون من مستحقاتهم، هو خلل فادح في أولويات الإنفاق العام يعكس غياب أي رؤية إصلاحية حقيقية.
التمييز الطبقي: عندما يصبح الفقر جريمة يعاقب عليها الطفل
ما تحذر منه البركي هو أخطر من مجرد أزمة تعليمية عابرة؛ إنه تحول اجتماعي خطير يعيد إنتاج الفوارق الطبقية ويقضي على مبدأ تكافؤ الفرص. فالقول بأن “المال هو الفاصل بين طفل يواصل تعليمه وطفل يُترك خارج المدرسة” هو توصيف لحالة من التمييز الطبقي المقنّع، حيث يُحكم على أبناء الفقراء بأن يكونوا “خدمًا” لمن توفرت لهم فرصة تعليم مدفوعة الأجر في المستقبل.
إن هذا الواقع، إذا استمر، لن ينتج عنه جيل متعلم، بل جيل منقسم بين سادة يملكون المعرفة وعبيد يفتقرون إليها، وهو ما يهدد النسيج الاجتماعي الليبي بأكمله ويفتح الباب أمام مزيد من الاضطراب وعدم الاستقرار. وهذا ما يفسر الدعوة الجريئة لتعليق عمل المدارس الخاصة حتى تفتح المدارس العامة، ليس كعقاب، بل كإجراء اضطراري لإنقاذ مبدأ المساواة وتحميل الدولة مسؤوليتها أمام شعبها.
في المحصلة، إن ما يحدث في ليبيا ليس مجرد تعثر في عام دراسي، بل هو مؤشر على فشل دولة وانهيار عقد اجتماعي. فحكومة الدبيبة، التي تناوبت على السلطة دون أن تقدم شيئاً ملموساً للمواطن، تقف اليوم عاجزة عن حماية أبسط حقوق أطفالنا.
وإن استمرار هذا الوضع يعني أننا نسير بخطى ثابتة نحو مستقبل لا مكان فيه للتعليم إلا لمن يستطيع الدفع، وهو سيناريو كارثي لا يمكن قبوله بأي حال من الأحوال.
إنقاذ التعليم في ليبيا يبدأ بإسقاط حكومة العجز والفوضى، وليس بانتظار معجزة من مؤسسات لم تثبت يوماً أنها تضع مصلحة المواطن فوق مصالحها الضيقة.



