ونيس يربط سيادة ليبيا بالتنمية الاقتصادية: لا قرار وطنياً تحت وطأة المليشيات ولا هجرة تُدار بوصاية خارجية
ونيس يبحث مع مجلس التخطيط الوطني آليات إشراك القطاع الخاص في الطاقة ويؤكد أن السيادة الليبية "ليست محل مساومة"
ليبيا 24
ونيس يدعو إلى ربط الإصلاح الاقتصادي بالسيادة الوطنية ويحذر من مقاربات خارجية “منقوصة” لملفي الهجرة والإرهاب
حين تصبح السيادة معادلة اقتصادية: قراءة في تحركات سعيد ونيس بين التخطيط الوطني وشراكة الدول
في ظل انسداد الأفق السياسي واستمرار حالات الانقسام والفساد، لم تعد التصريحات الصادرة عن بعض الشخصيات الوطنية مجرد مواقف سياسية عابرة، بل أصبحت محاولات جادة لإعادة تعريف معادلة السيادة بعيداً عن المناكفات وصراعات المحاور.
في هذا الإطار، تأتي تحركات عضو مجلس الدولة الأستاذ سعيد ونيس لتعكس إصراراً على ربط العمل التشريعي والاستشاري بالتنمية الاقتصادية، ورفضاً قاطعاً لأن تُدار الملفات السيادية لليبيا بوصاية خارجية أو بمنطق المليشيات والسلطات الأمر الواقع.
من الأقوال إلى الأطر التشريعية
زيارة ونيس إلى مقر مجلس التخطيط الوطني، ولقاؤه بـ أحمد بريدان، جاءت لتنقل النقاش من دائرة الشعارات إلى دائرة الإجراءات.
مناقشة مشروع اللائحة المنظمة لعمل القطاع الخاص في مجالات النفط والغاز والطاقات المتجددة، واستلام خطة المجلس الاقتصادي للطاقات المتجددة، يعكسان محاولة لتأسيس إطار واضح يتيح للشركات الليبية ورأس المال الوطني المشاركة في قطاع حيوي، بدلاً من بقائه رهينة تحكم المليشيات والمحاصصة في مؤسسات الدولة.
كما أن الاتفاق على إيلاء الدراسات والتوصيات ومخرجات اللجنة الاستشارية الاهتمام اللازم لدى لجان المجلس الأعلى للدولة، ومتابعة الملفات “ملفاً بملف”، يمثل خطوة نحو ربط الاقتصاد بالعمل التشريعي، وهو ما يفتقده المواطن الليبي المكلوم الذي يرى المال العام يُنهب بينما تتفاقم الأزمات الخدمية.
إن مواجهة تحديات الاقتصاد الوطني تتطلب رؤية وطنية شاملة، لا أن تبقى رهينة تجاذبات حكومة الدبيبة المنتهية الولاية وتحالفاتها مع الميليشيات والمؤسسات المالية التي أطالت أمد بقائها على حساب استقرار البلاد.
المواطن بين طموحات التنمية وواقع الفوضى
لا يمكن قراءة تصريحات ونيس بمعزل عن المعاناة اليومية للمواطن الليبي. في وقت تتحدث فيه التقارير الدولية عن تباطؤ النمو وارتباطه بحركة النفط فقط، وعن تحديات خلق وظائف للجيل الجديد خارج تمويل خزينة الدولة، تبرز أهمية الملفات التي يطرحها عضو مجلس الدولة.
الحديث عن توطين الخدمات والتقنيات وزيادة المحتوى المحلي وتدريب الكفاءات الليبية وخلق فرص عمل، هو في جوهره محاولة لاستعادة الكرامة الاقتصادية للمواطن، الذي يدفع ثمن الفوضى والفساد.
لكن هذه الطموحات تظل معلقة ما لم يتم إنهاء حالة انتشار المليشيات المسلحة التي تستنزف موارد الدولة وتعرقل أي مسار تنموي حقيقي.
إن ربط مخرجات الدراسات الاقتصادية بالعمل التشريعي هو الأمل الوحيد لتحويل هذه المقترحات إلى واقع يخفف عن كاهل المواطن، بدلاً من بقائها حبراً على ورق في ظل حكومة تجاوزت مدتها المحددة وتمددت سلطتها عبر تحالفات مع الميليشيات.
معركة السيادة تُخاض من الداخل
المحطة الأكثر دلالة في تصريحات ونيس كانت موقفه من “مؤتمر الشراكة الدولية لمكافحة الإرهاب والحد من الهجرة غير النظامية”. فالتأكيد على أن مواجهة هذه الملفات “تظل رهينة إرادة وطنية موحدة ورؤية شاملة تنطلق من مصالح ليبيا العليا”، يقطع الطريق على أي محاولة لفرض حلول من الخارج.
حديثه عن أن “الحلول لا تُفرض من الخارج، وأن إدارة هذا الملف حق سيادي أصيل للدولة الليبية”، هو رفض صريح للوصاية، وتأكيد على أن التعاون الدولي لا يكون على حساب السيادة.
وشدد ونيس على أن “سيادة ليبيا ليست محل مساومة، وقرارها الوطني ليس مجالاً للإملاءات”، وأن أي مقاربة تتجاوز التوافق الوطني تظل “مقاربة منقوصة، مهما حظيت من دعم”.
هذا الموقف يعكس إدراكاً بأن الفوضى والمليشيات ليست فقط نتاجاً داخلياً، بل قد تتغذى على غياب القرار الوطني الموحد، وأن استعادة هذا القرار هي الخطوة الأولى نحو استعادة الدولة.
إن المقاربة التي يطرحها ونيس، والتي تدمج بين الإصلاح الاقتصادي والتمسك بالسيادة ورفض الوصاية، تمثل تحدياً مباشراً لمنظومة الفساد والمحاصصة. فحكومة الدبيبة المنتهية الولاية، التي يصفها المنتقدون بأنها “فاشلة وفاسدة” أدت بالبلاد إلى طريق مسدود، لا يمكنها أن تكون شريكاً في بناء ليبيا الجديدة.
إن ما يحتاجه المواطن الليبي اليوم هو مؤسسات تستعيد دورها الرقابي والتشريعي، وتضع مصلحة الوطن فوق كل الحسابات الضيقة، وتعمل على إنهاء حالة الفوضى التي تنتجها المليشيات، لتتحول التوصيات والمقترحات إلى خطوات عملية تعيد الأمل في وطن مستقر وقادر على حماية سيادته وموارده.



