ليبيا.. ارتفاع إيرادات النفط لا يبدد اختلالات المالية العامة والتضخم
الانقسام السياسي وتزايد الإنفاق وضعف تنويع الاقتصاد تحديات تحد من تأثير عائدات النفط

يمتلك الاقتصاد الليبي موارد نفطية كبيرة تتيح له تحقيق إيرادات مرتفعة، غير أن استمرار الانقسام السياسي وتعدد مراكز الإنفاق العام يحدان من قدرة الدولة على توظيف هذه الموارد في دعم الاستقرار المالي وتحسين الأوضاع المعيشية. ومع ارتفاع عائدات النفط خلال عام 2026، تتواصل الضغوط المرتبطة بالتضخم وسعر الصرف وتزايد النفقات العامة، في ظل تحديات تتجاوز حجم الإيرادات إلى آليات إدارتها وتوزيعها.
وبحسب البيانات الرسمية، بلغت إيرادات صادرات النفط الليبي 17.863 مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2026، مقارنة بنحو 8.05 مليار دولار خلال الفترة نفسها من عام 2025، بزيادة تتجاوز 51%. كما ارتفعت إيرادات النفط خلال عام 2025 إلى 99.6 مليار دينار ليبي، مقابل 76.7 مليار دينار في عام 2024، و99.1 مليار دينار في عام 2023، وفق بيانات مصرف ليبيا المركزي.
ويبلغ إنتاج النفط في ليبيا نحو 1.4 مليون برميل يوميا، فيما يمثل القطاع النفطي المصدر الرئيسي لإيرادات الدولة، بنحو 90% من إجمالي الإيرادات. ورغم هذه الإمكانات، لا يزال الاقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على النفط، ما يجعله عرضة للتقلبات المرتبطة بالإنتاج والأسعار العالمية، فضلا عن الاضطرابات السياسية والأمنية والفنية التي شهدها القطاع منذ عام 2011.
عائدات النفط بين ارتفاع الإيرادات واختلالات الإنفاق
تكتسب زيادة الإيرادات النفطية أهمية في ظل ارتفاع أسعار الخام نتيجة الاضطرابات الإقليمية والمخاوف المتعلقة بأمن الطاقة وإمدادات الأسواق العالمية. غير أن الاستفادة من هذه الزيادة تظل مرتبطة بقدرة السلطات الليبية على ضبط الإنفاق العام ومعالجة الاختلالات المالية وتعزيز كفاءة إدارة الموارد.
وفي هذا السياق، يرى صالح الفرجاني، رئيس قسم البحوث الاقتصادية والاجتماعية بالمركز الليبي لأبحاث الصحراء وتنمية المجتمعات الصحراوية، أن ارتفاع أسعار النفط قد يوفر دعما مؤقتا للإيرادات، لكنه لا يمثل حلا مستداما ما لم يُستغل في تحقيق الاستقرار المالي ومعالجة الاختلالات الهيكلية للاقتصاد.
ويشير الفرجاني إلى أن غياب رؤية اقتصادية واضحة في ظل الانقسام السياسي يحد من فرص الاستفادة من الموارد المتاحة، مؤكدا أن تغيير محافظ مصرف ليبيا المركزي لا يكفي بمفرده لمعالجة الأزمة. ويضع وقف الهدر المالي وإنهاء الإنفاق الموازي على حكومتين في شرق البلاد وغربها، إلى جانب تشكيل حكومة موحدة ومواجهة الفساد، ضمن المتطلبات الأساسية لمعالجة الاختلالات المالية والاقتصادية.
من جانبه، يربط مصباح السالم، الأستاذ بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة سبها، التحديات الاقتصادية بطبيعة الاقتصاد الريعي وضعف تنويع مصادر الدخل، موضحا أن الاعتماد على النفط يجعل الإيرادات العامة مرتبطة بسلعة واحدة، بينما يحد استيراد المحروقات من الاستفادة الكاملة من العائدات النفطية المتاحة.
ويؤكد السالم أن جوهر المشكلة يتمثل في عدم انضباط الإنفاق العام واستمرار نمو النفقات بمعدلات لا تتناسب مع الإيرادات المتاحة، الأمر الذي يزيد الضغوط على المالية العامة ويحد من قدرة الدولة على توجيه مواردها نحو أولويات التنمية والاستقرار.
سعر الصرف والتضخم يضغطان على القدرة الشرائية
تنعكس اختلالات المالية العامة على الاقتصاد المحلي من خلال الضغوط المرتبطة بسعر الصرف وارتفاع أسعار السلع. ففي بداية عام 2026، خفض مصرف ليبيا المركزي قيمة الدينار الليبي بنحو 15% مقابل العملات الأجنبية، ومنها الدولار واليورو، في وقت شهدت فيه السوق الموازية ارتفاعا في سعر الدولار إلى نحو 10 دنانير ليبية، بحسب البيانات الواردة في التقارير الاقتصادية.
ويرى السالم أن الأثر السلبي لخفض قيمة العملة تجاوز إيجابيات القرار، مشيرا إلى أن بدائل أخرى، مثل إصدار السندات أو شهادات الاستثمار والتمويل والاستفادة من جزء من الاحتياطيات، كان يمكن بحثها قبل اللجوء إلى تخفيض قيمة الدينار.
ويشدد على أن معالجة سعر الصرف لا تنفصل عن إصلاح المالية العامة، في ظل غياب موازنة موحدة ومنضبطة نتيجة الانقسام السياسي، وما ترتب عليه من تفاوت بين الإيرادات والنفقات وتزايد الالتزامات المالية الواقعة على عاتق المصرف المركزي.
وتزداد هذه الضغوط مع اعتماد السوق الليبية على السلع المستوردة، إذ يؤدي ارتفاع سعر العملات الأجنبية إلى زيادة تكلفة الاستيراد، بما ينعكس على الأسعار المحلية والقدرة الشرائية للمواطنين. كما تتداخل هذه العوامل مع موجة ارتفاع الأسعار العالمية، التي أثرت في تكلفة العديد من السلع والاحتياجات الأساسية.
وبحسب بيانات صندوق النقد الدولي الصادرة في أكتوبر 2026، ارتفع معدل التضخم السنوي في ليبيا إلى نحو 14%، مقارنة بنحو 9% في فبراير الماضي، بزيادة تقارب خمس نقاط مئوية، ما يعكس تصاعد الضغوط السعرية خلال الفترة المذكورة.
توحيد الموازنة والتنسيق المالي والنقدي ضمن مسارات المعالجة
في ظل التغيير الذي شهدته قيادة مصرف ليبيا المركزي، تتجه المناقشات الاقتصادية إلى مدى قدرة الإدارة الجديدة على التعامل مع الضغوط النقدية والمالية، في وقت تظل فيه أدوات السياسة النقدية محدودة أمام اختلالات ترتبط بالإنفاق العام وتعدد الجهات القائمة عليه.
ويؤكد السالم أن الأولوية تتمثل في إقرار موازنة عامة موحدة ومنضبطة، وإصلاح المالية العامة، وتعزيز التنسيق بين السياستين المالية والنقدية، محذرا من أن استمرار غياب هذه المعالجات قد يضع الإدارة الجديدة أمام التحديات نفسها التي واجهت الإدارة السابقة.
وتشير هذه المعطيات إلى أن زيادة عائدات النفط، على أهميتها، لا تعالج بمفردها المشكلات المرتبطة بتوزيع الموارد وإدارة الإنفاق وتنويع مصادر الدخل. وتظل قدرة الاقتصاد الليبي على تحقيق استقرار أكثر استدامة مرتبطة بمعالجة الاختلالات المالية القائمة، والحد من الهدر، وتعزيز الانضباط في إدارة الإيرادات والنفقات، بما يدعم الاستقرار الاقتصادي وينعكس على الأوضاع المعيشية.



