
ليبيا 24
تتزايد الدعوات إلى مراجعة السياسات الاقتصادية في ليبيا، في ظل استمرار الاعتماد على الإيرادات النفطية، وتعدد القرارات المنظمة للاستيراد، ومحدودية مساهمة القطاعات الإنتاجية في النشاط الاقتصادي، وسط تحذيرات من أن غياب التنسيق بين السياسات التجارية والمالية يحد من فاعلية إجراءات ضبط السوق، ويعقد جهود بناء اقتصاد أكثر تنوعاً واستدامة.
وفي هذا السياق، حذر المحلل الاقتصادي أحمد الخميسي من تداعيات السماح بالاستيراد عبر السوق الموازية، معتبراً أن هذا التوجه ينقل جزءاً من الطلب على النقد الأجنبي خارج القنوات المصرفية، بما قد يزيد الضغوط على سعر الدولار، ويوسع فجوة الصرف، ويضعف الرقابة على تكاليف الواردات ومصادر تمويلها.
وأشار الخميسي إلى وجود تباين بين توجه مجلس النواب لإعداد موازنة استيرادية لعام 2027 بهدف ضبط فاتورة الواردات وتنظيمها، وبين منح وزارة الاقتصاد استثناءات تسمح بالاستيراد عبر السوق الموازية حتى مارس من العام نفسه.
تضارب الإجراءات يثير تساؤلات بشأن ضبط سوق النقد والواردات
وعلى مستوى أوسع، يبرز ملف تنويع الاقتصاد باعتباره أحد أبرز التحديات التي تواجه السياسات الاقتصادية في ليبيا، في ظل استمرار ارتباط الإيرادات العامة بالنفط، ومحدودية الاستثمار والإنتاج، واتساع الاعتماد على الوظيفة العامة، بالتزامن مع تزايد أعداد الخريجين والباحثين عن فرص العمل.
وفي هذا الإطار، أكد أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، الدكتور إلياس أبوبكر الباروني، أن استمرار ارتهان الاقتصاد الليبي لمورد نفطي واحد لم يعد متوافقاً مع متطلبات بناء اقتصاد قادر على توفير فرص العمل وتحقيق التنمية، مشدداً على أن المصارف لا ينبغي أن يقتصر دورها على حفظ الأموال وإدارة الودائع.
وأوضح الباروني أن معالجة الاختلالات الاقتصادية تتطلب مشروعاً وطنياً شاملاً، يتضمن سياسة عامة واضحة تحدد طبيعة الاقتصاد واتجاهاته وأولوياته، وتوضح أدوار الدولة والقطاع الخاص والمؤسسات المصرفية في دعم النشاط الإنتاجي والاستثماري.
ودعا إلى مراجعة القوانين والتشريعات المنظمة للنشاطين الاقتصادي والمصرفي وتحديثها، بما يواكب المتغيرات الاقتصادية، ويوفر بيئة ملائمة للاستثمار، ويعزز المنافسة العادلة ويحمي رؤوس الأموال ويشجع المبادرات الوطنية.
تنويع القطاعات الإنتاجية وتفعيل التمويل المصرفي
وفيما يتعلق ببدائل الاعتماد على النفط، طرح الباروني أهمية التوسع التدريجي في قطاعات الاقتصاد الأخضر والأزرق، من خلال الاستثمار في الطاقة المتجددة والطاقة الشمسية، وتطوير الموانئ والصناعات البحرية والثروة السمكية والخدمات اللوجستية المرتبطة بالبحر المتوسط.
كما أشار إلى أهمية دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتطوير قطاع السياحة بالاستفادة من المقومات التاريخية والثقافية والطبيعية التي تمتلكها البلاد، إلى جانب تحديث المطارات وشركات الطيران، وإعادة تأهيل شبكة السكك الحديدية لربط المدن والموانئ والمناطق الاقتصادية.
وشملت المقترحات أيضاً توطين الصناعات القائمة على الموارد المحلية، وتعزيز الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي، بما يسهم في تقليل الاعتماد على الواردات، وفتح مجالات أوسع أمام القطاع الخاص لاستيعاب الخريجين وتوفير فرص عمل في تخصصات مختلفة.
وفي هذا السياق، شدد الباروني على ضرورة إعادة النظر في الدور التقليدي للمصارف الليبية، وتوسيع مساهمتها في تمويل المشروعات الإنتاجية والاستثمارية، بدلاً من الاقتصار على استقبال الودائع وتقديم الخدمات المصرفية.
وأوضح أن تفعيل هذا الدور يمكن أن يتم عبر توجيه جزء من أموال المصارف إلى تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة والكبيرة، بالتعاون مع القطاع الخاص ورواد الأعمال، من خلال القروض الاستثمارية وصيغ التمويل القائمة على المشاركة في رأس المال والأرباح، وفق دراسات جدوى وضوابط تضمن إدارة المخاطر وحماية أموال المودعين.
إصلاح الإنفاق العام وبناء بيئة داعمة للإنتاج
وعلى صعيد السياسات المالية، أكد الباروني أهمية معالجة اختلالات الإنفاق العام والحد من التوسع في المصروفات، مع توجيه الموارد نحو الاستثمار المنتج وربط الإنفاق الحكومي بمؤشرات الأداء والتنمية، بالتوازي مع توفير بيئة قانونية ومؤسسية مستقرة تشجع النشاط الخاص والإنتاج والمنافسة.
وأشار إلى أن تنويع الاقتصاد لا يرتبط فقط بتوفير التمويل والتشريعات، بل يتطلب أيضاً تغيير الثقافة الاقتصادية، وتعزيز مكانة العمل في القطاع الخاص والاستثمار وريادة الأعمال باعتبارها مسارات مهنية مستقرة، بدلاً من استمرار حصر فرص العمل في التعيين بالوظيفة العامة.
وحذر من أن استمرار الاعتماد على النفط، بالتزامن مع تضخم الإنفاق الجاري وضعف الإنتاج ومحدودية فرص القطاع الخاص، يضع الاقتصاد الليبي أمام تحديات قد تنعكس على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي ومستقبل الأجيال القادمة.
وفي ظل هذه التحديات تبرز الحاجة إلى سياسات اقتصادية ومالية وتجارية أكثر اتساقاً، تستند إلى رؤية واضحة لتوزيع الأدوار بين المؤسسات العامة والمصارف والقطاع الخاص، وتربط إدارة الموارد النفطية بتطوير قطاعات إنتاجية قادرة على توفير فرص العمل وتعزيز القيمة المضافة للاقتصاد الوطني.



