ليبيا

خسائر بمليارات الدولارات جراء تهريب الوقود المدعوم… وحكومة الدبيبة تتجه لرفع الدعم عن المواطن بدل محاسبة التجار

ليبيا: دعمٌ يُهرب… ورواتبٌ تُقطع… وحكومةٌ تُهرّب المسؤولية إلى جيب الموظف

ليبيا 24

جدل واسع في ليبيا حول جدول مرتبات جديد يخفض دخل الموظف المنتج لصالح موظفين غير حاضرين… ومطالبات بعدالة الأجور تتصاعد.

عندما يصبح الوقود المدعوم “نزيفاً”… والمواطن هو من يدفع الفاتورة

في اقتصاد ريعي هشّ، لا تُقاس الأزمات بعدد القرارات التي تُتخذ، بل بمن يتحمّل كلفتها. وفي ليبيا، حيث يبلغ دخل الفرد الشهري في بعض القطاعات نحو 170 دولاراً فقط، لم يعد السؤال عن “كيف تُدار الأزمة” بل عن “لماذا يُعاقَب المواطن على فشل الدولة في إدارة ثرواته”.

تصريحات الباحثة في شؤون الأمن والهجرة الدكتورة ريم البركي، عبر حسابها على فيسبوك، لم تكن مجرد تعليق عابر على قرار رفع الدعم عن الوقود؛ بل كانت تشريحاً دقيقاً لسلسلة من الإخفاقات المترابطة: من تهريب الوقود المدعوم، إلى تجّار الاعتمادات، إلى جدول مرتبات يُعاد تصميمه ليُكافئ الغياب ويُعاقب الحضور.

الوقود: دعمٌ يُهرب… وميزانيةٌ تُستنزف

لا يمكن الحديث عن رفع الدعم دون الوقوف أمام الرقم الذي كشفته الأمم المتحدة: ما بين 30% و50% من الوقود المدعوم في ليبيا يُهرَّب خارج قنوات التوزيع الرسمية، بخسائر تتراوح بين 2.4 و4.4 مليارات دولار في الأشهر التسعة الأولى من عام 2026 وحده.

هذه ليست مجرد “أرقام”؛ إنها فاتورة يدفعها المواطن مرتين: مرة عندما تُقتطع من ميزانية الدولة التي كان يمكن أن تتحول إلى رواتب ومستشفيات ومدارس، ومرة أخرى عندما يُطلب منه لاحقاً “التضحية” برفع الدعم لأن الدولة “لم تعد قادرة”.

تشير البركي إلى مفارقة قاتلة: “يهرب الوقود… فتفشل الدولة في التعامل مع تجار الوقود… فترفع دعم الوقود عن المواطن الذي يتقاضى 170 دولاراً شهرياً”.

هذا التسلسل ليس مجرد بلاغة؛ إنه وصف دقيق لمنطق الحكم الذي يُعاقب الضحية. وإذا كان تهريب الوقود يمثل نزيفاً حقيقياً، فإن السؤال المشروع هو: لماذا لا تُوجَّه الإجراءات إلى شبكات التهريب وتجار الأزمات، بدلاً من تحميل المواطن كلفة فشل الدولة في ضبط حدودها وأسواقها؟

“المعدنوس” والسيارات: حين تصبح الاعتمادات باباً للريع

لا تتوقف البركي عند الوقود. فهي تطرح سؤالاً محرجاً: “محتاجين نعرفوا أسماء شركات السيارات اللي تستورد في الدولار بالاعتمادات”.

لماذا؟ لأن هذه الشركات تحصل على الدولار بسعر مدعوم ورخيص، بينما يشتري المواطن السيارة بسعر السوق الموازية.

وزارة الاقتصاد نفسها اعترفت بأن شركات السيارات تتربح فروقات العملة بنسبة تصل إلى 60% على حساب المواطن. أي أن الدعم ليس “دعماً”، بل تحويلٌ لمنفعة خاصة إلى كلفة عامة.

وتضيف البركي بعداً آخر: “المعدنوس مقطوع صيف كامل والبنزينة بالبلاش يبقى لما تقعد بفلوس المعدنوس هذا تنسوه”.

الرسالة واضحة: رفع الدعم عن الوقود لن يُصلح شيئاً إذا لم تُعالَج “العمليات اللوجستية” التي تجعل أبسط السلع غائبة أو باهظة. وإذا كانت الحكومة عاجزة عن تأمين “المعدنوس”، فكيف ستؤمّن عدالة في توزيع الدعم النقدي البديل؟

جدول المرتبات: عدالةٌ معكوسة

القسم الأكثر إيلاماً في تصريحات البركي يتعلق بجدول المرتبات. فهي تضع الإصبع على جرح لا يريد أحد أن يراه: “موظف راتبه 10 آلاف دينار… تنوض الصبح تقوله نبي نخلي راتبك 4 آلاف دينار عشان نبي نعطي الفرق لموظف آخر على الملاك الوظيفي ما يحضرش وماعندش حتى توقيع يوم واحد في الأسبوع وياخذ في مرتب وهو راقد ويخدم في القطاع الخاص وعنده بزنس خاص”.

هذه ليست مجرد شكوى؛ إنها وصف لدولة تُرسّخ ثقافة الغياب والريع على حساب الموظف المنتج.

حكومة الدبيبة أعلنت جدولاً موحداً للرواتب بزيادة 10%، لكن البركي تكشف أن المشكلة ليست في النسبة، بل في الفلسفة: “لن يتم تمرير جدول المرتبات بصيغته الحالية”.

وهذا الرفض ليس عبثاً؛ فقد أكد عضو مجلس النواب إسماعيل الشريف أن المجلس “لن يمرر مشروع قانون جدول المرتبات الموحد بصيغته الحالية لافتقاره إلى أسس العدالة والدراسات اللازمة”.

الدبلوماسي والسويسري: مقارنة تُفضح الهراء

تستخدم البركي مقارنة لاذعة بين الحد الأدنى للأجور في سويسرا (5500 دولار) ومتوسط أجور الدبلوماسي الليبي في الخارج (100 يورو)، لتقول إن الحديث عن “الإصلاح” دون رفع القدرة الشرائية هو “هراء”.

لكن الأهم من المقارنة نفسها هو الاستنتاج السياسي: حين يكون الدبلوماسي الذي يمثل الدولة في الخارج عاجزاً عن شراء ثلاث فناجين قهوة، فإن المشكلة ليست في “الجدول”، بل في منظومة كاملة تُنتج الفقر وتُصدّره.

المواطن ليس “ليمبي”

تصريحات البركي تُشكّل صورة مكتملة: وقودٌ يُهرب، واعتماداتٌ تُستغل، ورواتبٌ تُصمم لتُكافئ غير الحاضر وتُعاقب المنتج.

والحكومة، بدل أن تُحاسب شبكات التهريب وتُعيد هيكلة الدعم على أساس الكفاءة والعدالة، تُفضّل تمرير الفاتورة إلى المواطن الذي “يتقاضى 170 دولاراً”. في هذا السياق، لا يبدو رفض جدول المرتبات “رفضاً للزيادة”، بل رفضاً لمنطق “الله وأنا مالي يا ليمبي” الذي يُريد أن يُقنع الليبي بأنه هو المشكلة، بينما هو الضحية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى