الدبيــبة يرهن مستقبل مليون طالب بوعود “شهرين”… والمعلمون يردون: “افتحوا الملفات قبل أن تفتحوا المدارس”
تصاعد رفض المعلمين في ليبيا لمقترحات التهدئة الحكومية مع استمرار إغلاق المدارس والمطالبة بتنفيذ القوانين المؤجلة
ليبيا 24
نقابة المعلمين الليبية تحمّل مجلس النواب المسؤولية القانونية عن تعطيل الحقوق وتؤكد أن الحوار ليس وسيلة لكسب الوقت
عندما تختطف “شؤون المرأة” مستقبل الأجيال: قراءة في تفكك شرعية حكومة الدبيبة أمام اعتصام المعلمين
لم يكن مشهد إرسال رئيس شؤون المرأة لعقد اجتماع مع معلمات تاجوراء، في محاولة لانتزاع فرصة شهرين لفتح المدارس، سوى تجسيد صارخ لعمق الأزمة البنيوية التي تعيشها السلطة التنفيذية في طرابلس.
فبينما تتبارى الحكومة منتهية الولاية في ترتيب أولوياتها السيادية وملفات المناصب العليا في غضون ساعات، يقف المعلم الليبي أمام طابور طويل من الوعود المعلقة التي لم تجد طريقها إلى التنفيذ منذ سنوات.
إن هذا التناقض الصارخ بين سرعة حسم المناصب السيادية -كما وثقه بيان النقيب العام للمعلمين الموجه لمجلس النواب- وبين التباطؤ المزمن في معالجة ملف التعليم، يكشف عن خلل جوهري في فلسفة الحكم، حيث بات مصير أكثر من مليون تلميذ وطالب رهينة لحسابات سياسية ضيقة، تتقدم فيها حسابات النفوذ على حساب أبسط حقوق المواطن في تعليم كريم.
أرقام لا تكذب: تشريعات معلقة ووعود تُدفن في الأدراج
لم يكن اعتصام المعلمين، الذي انطلق مع بداية العام الدراسي في الثالث عشر من سبتمبر الماضي، رداً على أزمة عابرة، بل كان انفجاراً طبيعياً لتراكم إخفاقات ممنهجة. فبينما تتحدث الحكومة عن فرص جديدة، يتحدث المعلمون بلغة الأرقام الموثقة.
هناك معلمون ينتظرون فروقاتهم المالية منذ خمس سنوات، فيما لا يزال أصحاب العقود الذين يمارسون عملهم منذ عام 2014 دون مرتبات إلا في عام 2021، أي أن ثماني سنوات كاملة ما زالت ديناً معلقاً في ذمة الدولة.
والأمر لا يتوقف عند الرواتب؛ فقانون رقم 4 لسنة 2018، الذي صدر لإنصاف المعلمين، لم يبدأ تطبيقه فعلياً إلا في عام 2021، وحتى ذلك الحين اقتصر التطبيق على المرتبات فقط، بينما ظلت بقية أحكامه -التي تضمن كرامة المعلم- حبيسة الأدراج.
أضف إلى ذلك علاوة الحصة التي صدر بشأنها قرار، ومع ذلك لم تُنفذ بعدالة، حيث حصلت عليها بعض المراقبات بينما لا تزال مراقبات أخرى تنتظر مستحقاتها رغم رصد الأموال.
هذه ليست مجرد أزمات إدارية، بل هي تعدي صارخ لنظام حكم يتعامل مع الحقوق المكتسبة كأنها منٌّ يمنحه متى شاء.
البيئة المدرسية: وجه آخر للفشل الحكومي
إن مطالبة المعلم بالصبر ومنح الفرص تتجاهل حقيقة مرة: أن المعلم لا يعمل في فراغ، بل في بيئة تعليمية تعاني من نقص حاد في الإمكانيات والتجهيزات التي تضمن بيئة مناسبة للطالب والمعلم على حد سواء.
فبينما تعلن الوزارة عن زيارات استعراضية للمدارس في محاولة لإيهام الرأي العام بأن الدراسة تسير بصورة طبيعية، يتساءل المعلمون: إلى متى يستمر هذا التجاهل؟ وهل أصبحت الوزارة ضد المعلم علناً؟ هذه الزيارات، التي تقوم بها وزارة التربية والتعليم أثناء الاعتصام، لم تعد تُقرأ كدعم، بل كاستفزاز متكرر، وكأنها محاولة يائسة لإنكار وجود الأزمة عبر مشاهد مصطنعة.
أخشى -كما حذر المعلمون- أن يتحول غضبهم المشروع من المطالبة بالحقوق إلى المطالبة برحيل وزارة لم تعد تمثل تطلعاتهم ولم تقف إلى جانبهم في محنتهم.
فمن سيدافع عن المعلم إذا كانت وزارته تقف ضده؟
“فرصة الشهرين” ومسرحية الحوار: لماذا يرفض المعلمون تكرار السيناريو؟
مقترح منح الحكومة “فرصة شهرين” لفتح المدارس ليس مجرد تفصيل تكتيكي، بل هو جوهر الأزمة.
المعلمون لا يرفضون الحلول، ولا يغلقون أبواب الحوار، لكنهم يرفضون أن يكون الحوار وسيلة جديدة لكسب الوقت، وأن تكون عودتهم إلى المدارس ثمناً لوعود أخرى قد لا ترى النور.
لقد منح المعلمون هذه الحكومة والحكومات السابقة سنوات طويلة من الفرص، وكل عام تتكرر الوعود دون أن يتحقق شيء.
السؤال الذي يطرحه الشارع الليبي اليوم: هل أصبح المطلوب من المعلم أن يتنازل عن حقوقه في كل مرة، وأن يمنح فرصة جديدة لمن لم ينجز ما تعهد به في الفرص السابقة؟ إن رفض المعلمين للتهدئة المشروطة ليس تعنتاً، بل هو موقف قانوني وأخلاقي يستند إلى مبدأ بديهي: الحقوق لا تُمنح كمنحة، بل تُنفذ كقرارات.
البرلمان والحكومة: لعبة المسؤولية المتبادلة
في خضم هذا الصراع، يبرز بيان النقيب العام للمعلمين الموجه لمجلس النواب كوثيقة سياسية بالغة الدلالة.
فالنقابة لم تكتفِ بمطالبة الحكومة، بل حملت مجلس النواب “كامل المسؤولية القانونية والإنسانية والأخلاقية” عن استمرار تعطيل الحقوق.
هذا التوجه يعكس قناعة متزايدة لدى المعلمين بأن المنظومة السياسية بأكملها -بأجنحتها التنفيذية والتشريعية- تتحمل وزر هذا الإخفاق.
فبينما يطالب النواب بسرعة اعتماد محافظ للمصرف المركزي، يتركون ملف التعليم ومصير مليون طالب يراوح مكانه.
إن المطالبة بطرح حل مؤقت ومنصف -كاعتماد علاوة تمييز تُضاف إلى القانون رقم 4- ليست مطالبة مستحيلة، بل هي اختبار حقيقي لإرادة النواب في إنصاف المعلم قبل أن يدفع الطلاب ثمن التأخير.
الخلاصة: كرامة المعلم خط أحمر
إن استمرار حالة التأخير والتجاهل لا ينعكس على المعلم وحده، بل يمتد أثره إلى العملية التعليمية بأكملها، ويدفع ثمنه أبناؤنا ومستقبل الأجيال القادمة.
المعلم لا يطلب صدقة، بل يطالب بحقوقه ومستحقاته.
إن كرامة المعلم ليست قضية فئوية، بل قضية وطن ومستقبل أجيال. والحل ليس في مزيد من الزيارات الاستعراضية أو جلسات الحوار التي لا تنتهي إلى قرارات ملزمة.
الحل يبدأ بـ “افتحوا ملفات المعلمين، نفذوا القرارات، أنصفوا أصحاب العقود، وطبقوا القوانين”، وعندها فقط سيكون لكل حديث مقامه.



