ليبيا

ليبيا: آلاف العائلات تعيش على أمل صرف رواتب متوقفة منذ عقد

وعود حكومية تتبخر: عمال الشركات المنهارة في ليبيا بين مطرقة الفقر وسندان الإهمال.

ليبيا 24
ليبيا.. أرواح معلقة ووعود متآكلة لعشرات الآلاف من عمال الشركات المنهارة

في ظل صمت رسمي مطبق، وتحولات سياسية لا تنتهي، تتحول حياة عشرات الآلاف من الأسر الليبية إلى جحيم يومي، يعيشون على هامش الحياة، حيث بات الحلم باستلام راتب ثابت ضرباً من ضروب الخيال، والأمل بالعدالة الاجتماعية أثراً بعد عين.

أزمة إنسانية تتفاقم في غياب الحلول

تعيش أكثر من عشرين ألف أسرة ليبية على وقع أزمة اقتصادية واجتماعية طاحنة، بعد أن توقفت رواتب معيليها عن الصرف منذ سنوات، بعضها تجاوز العقد الكامل، في مشهد يعكس أحد أبرز تجليات الإدارة الحكومية المتعثرة في البلاد. هؤلاء العمال، الذين كانوا يوماً عماد قطاعات إنتاجية وخدمية حيوية، وجدوا أنفسهم فجأة بلا مورد رزق، بعد أن أغلقت مؤسساتهم أبوابها بسبب الظروف الأمنية والاقتصادية التي أعقبت عام 2011، لتبدأ رحلة معاناة لا تبدو لها نهاية.

وفي أحدث فصل من فصول هذه المعاناة الطويلة، أعلنت لجنة حكومية شُكلت في الربيع الماضي انتهاء أعمالها، بعد أشهر من جمع ومراجعة بيانات العاملين في هذه الشركات المتعثرة، مؤكدةً أنها أحالت “الكشوف النهائية” إلى وزارتي العمل والخدمة المدنية، “تمهيداً لإعادة تعيينهم”. لكن هذا الإعلان، الذي تم تداوله في وسائل الإعلام المحلية، لم يُحدث سوى موجة محدودة من التفاؤل الحذر، سرعان ما خبت أمام جدار الشكوك المتراكم من تجارب سابقة مماثلة باءت بالفشل.

لجان تلو لجان.. وعود تتبخر وحقوق تُهدر

لم تكن هذه اللجنة الأخيرة هي الأولى من نوعها، فقد شُكلت خلال السنوات الماضية العديد من اللجان تحمل نفس الوعود، كان مصيرها جميعاً الإخفاق أو التلاشي في أروقة المكاتب الحكومية وتعاقب الحكومات المؤقتة. هذا الإخفاق المتكرر يغذي حالة من اليأس والإحباط بين صفوف العمال، الذين سئموا سماع الوعود ويريدون حلاً عملياً على الأرض.

يقول أنور الحوتي، النقابي الليبي: “الملف تحول إلى كرة قدم بين الجهات الحكومية. كل لجنة تبدأ من الصفر، وكأن من سبقها لم يعمل شيئاً. العمال ليسوا أرقاماً في كشوف، بل هم بشر لديهم التزامات وأسر، وكل يوم يمر بدون حل هو انتهاك جديد لكرامتهم”.

ويوضح الحوتي أن حجم الكارثة أكبر مما يُعلن، مشيراً إلى أن “عدد الشركات المتعثرة يبلغ 48 شركة، كان يعمل بها قرابة 18 ألف عامل، انقطعت مرتبات أغلبهم منذ 2014. والأمر لا يقتصر عليهم فقط، فهناك أكثر من ثلاثة آلاف عامل في شركات أجنبية انسحبت من البلاد، تركوا دون أي تسوية، وباتوا في وضع قانوني غامض، لا هم موظفون رسميون ولا عاطلون معترف بهم”.

وجوه الأزمة.. حكايات ترويها وجوه منسية

خلف هذه الأرقام المجردة، تكمن مآسٍ إنسانية تروي قصة الانهيار الذي طال شرائح واسعة من المجتمع الليبي.

أكثم منير: من موظف إلى سائق أجرة

وجد أكثم منير نفسه، بعد سنوات من العمل في شركة خدمية، فجأة بلا مصدر دخل. لم يتركه اليأس خياراً سوى تحويل سيارته الخاصة إلى سيارة أجرة، ليصارع من أجل تأمين أبسط مقومات الحياة لعائلته.

يقول منير: “فقدت الأمل في استئناف نشاط الشركة أو تلقي تعويض. هذه اللجنة ليست الأولى، سبقتها ثلاث لجان منذ 2018، ولم يتحقق شيء. القرار يحتاج إلى سلسلة إجراءات معقدة، من الرقم المالي إلى الملاك الوظيفي، ولا أحد يعرف متى تنتهي هذه الرحلة، إن بدأت أصلاً”.

يقسم أكثم يومه بين قيادة السيارة لساعات طويلة بحثاً عن رزق يواجه به الغلاء، وبين رعاية أسرته، حيث يقوم بنقل أبنائه إلى المدرسة مع زوجته المعلمة. حياته تحولت إلى سباق مرهق ضد الوقت والظروف.

صلاح البوسيفي: قريب من التقاعد.. بعيد عن الحقوق

أما صلاح البوسيفي، الذي كان يعمل إدارياً في الشركة العالمية للملاحة، فيروي حكاية مختلفة عن قرب الأمل وبعده. هو لا يطمح للعودة إلى وظيفته القديمة، فسنوات عمره تقترب من سن التقاعد. كل ما يريده هو أن تُحتسب سنوات خدمته السابقة في نظام المعاشات، ليحصل على معاش يكفل له حياة كريمة هو وأولاده.

يقول البوسيفي، الذي اضطر لفتح دكان صغير لبيع المواد الغذائية: “قاربت على التقاعد، وكل ما أريده أن تُضاف سنوات عملي السابقة إلى منظومة الضمان الاجتماعي. الكثير من زملائي يعيشون ظروفاً مشابهة، بعضهم اتجه إلى المهن الحرة، وآخرون لجأوا إلى الأقارب أو الجمعيات الخيرية، فيما فقد البعض الأمل تماماً”.

سياسات الإهمال.. حكومة منتهية الولاية تورط مستقبل الآلاف

تتحمل حكومة عبد الحميد الدبيبة، التي تجاوزت ولايتها الدستورية منذ فترة طويلة، القسط الأكبر من المسؤولية عن استمرار هذه الأزمة وتفاقمها. فبدلاً من إيجاد حلول جذرية وسريعة، اقتصر الأمر على تشكيل لجان للإلهاء السياسي، وإطلاق تصريحات إعلامية متفائلة، بينما ظل العمال وأسرهم يدفعون الثمن.

هذه الحكومة، التي فشلت في إدارة ملف أساسي وحساس مثل ملف آلاف العائلات التي تُركت دون مورد رزق، تثبت يومياً بعدم أهليتها للتعامل مع الملفات الاجتماعية الملحة. إن تعاملها مع أزمة عمال الشركات المتعثرة يُعد نموذجاً صارخاً للفساد الإداري وعدم الكفاءة، حيث يتم تأخير الحقوق وتضخيم البيروقراطية حتى تموت القضية على أعتاب المكاتب الوظيفية.

الانهيار الاقتصادي والاجتماعي.. تداعيات تمتد لأجيال

تداعيات هذه الأزمة لا تقتصر على الحرمان المادي المباشر، بل تمتد إلى تأثيرات نفسية واجتماعية عميقة. فقدان العائل لمصدر دخله لا يعني فقط عدم القدرة على تأمين الطعام والسكن، بل يعني أيضاً تراجعاً في المستوى الصحي والتعليمي للأبناء، وزيادة في حدة التوترات الأسرية، وارتفاع في معدلات الأمراض النفسية مثل الاكتئاب والقلق.

كما أن تحول عمال مؤهلين إلى العمل في مهن هامشية لا تتناسب مع خبراتهم، يشكل هدراً كبيراً للطاقات البشرية والكفاءات التي تحتاجها البلاد لإعادة الإعمار. هذا بالإضافة إلى تآكل فكرة “الوظيفة المستقرة” في أذهان جيل الشباب، مما يهدد النسيج الاجتماعي ويقوض ثقة المواطن بدولة يفترض أنها حامية لحقوقه.

مستقبل غامض.. أين الحل؟

في ظل هذا المشهد القاتم، يبقى السؤال الأبرز: أين المخرج؟ الخبراء والمراقبون يتفقون على أن الحل يتطلب إرادة سياسية حقيقية، ووضع ملف العمال المتضررين على رأس أولويات أي حكومة قادمة، بغض النظر عن انتمائها السياسي. الحلول التقنية معروفة وممكنة، من تخصيص اعتمادات مالية عاجلة في الموازنة، إلى إعادة هيكلة هذه الشركات أو دمج عمالها في مؤسسات الدولة وفقاً لخبراتهم.

لكن كل ذلك يبقى رهناً بوجود سلطة شركة وفاعلة تضع مصلحة الإنسان الليبي فوق كل اعتبار. حتى ذلك الحين، ستبقى آلاف الأسر الليبية تعيش على هامش الحياة، تنتظر حلماً اسمه “العدالة”، في بلد يبدو أن الجميع فيه نسوا أن الإنسان هو الغاية والوسيلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى